النفط والتضخم يحاصران شهية المستثمرين في وول ستريت
دخلت وول ستريت مرحلة أكثر حساسية، بعدما اجتمعت ثلاثة عوامل ضغط في جلسة واحدة: ارتفاع النفط فوق 100 دولار للبرميل، وصعود عوائد سندات الخزانة الأميركية، وترقب المستثمرين بيانات تضخم حاسمة قد تحدد المسار التالي لأسعار الفائدة. وأنهت الأسهم الأميركية تعاملات الأربعاء على انخفاض جماعي، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا يعيدون تسعير المخاطر المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وتأثيراتها المحتملة في التضخم والسياســة النقديـة. وأغلق مؤشــر ستاندرد آنـد بـورز 500 منخفضاً 0.48 % عند 7636.46 نقطة، فيما تراجع ناسداك 0.64 % إلى 26253.34 نقطة، وفقد داو جونز الصناعي 0.77 % ليغلق عند 52381.02 نقطة. وجاءت الخسائر في وقت تجاوز فيه خام برنت مستوى 100 دولار للمرة الأولى منذ أسابيع، ما أعاد إلى الأسواق سيناريو كانت تأمل في تجنبه: ارتفاع أسعار الطاقة في وقت لا يزال فيه التضخم الأميركي أعلى من المستوى المستهدف.
صدمة النفط
يمثل تجاوز برنت 100 دولار حاجزاً نفسياً واقتصادياً مهماً للأسهم الأميركية، لأنه لا يعني فقط ارتفاع تكلفة الطاقة للشركات والمستهلكين، بل يهدد بإبطاء عملية خفض التضخم التي يراقبها مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن كثب. ودفعت المخاوف المتعلقة بالإمدادات وتصاعد المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران أسعار الخام إلى الارتفاع بقوة، بعدما أدت الحرب الممتدة منذ ستة أشهر إلى تعطيل كميات كبيرة من الإمدادات وزيادة القلق بشأن حركة الشحن في الخليج. وتشير تقديرات إلى أن الاضطرابات أزالت نحو 10 ملايين برميل يومياً من السوق في مراحل مختلفة، بينما أصبحت المخزونات المتاحة أقل قدرة على امتصاص صدمات جديدة. وارتفع برنت بنحو 25 % مقارنة بالشهر السابق، في حين تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي توسع إضافي للصراع إلى دفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
وانعكست موجة النفط مباشرة على قطاعات الأسهم. فقد ارتفع مؤشر قطاع الطاقة داخل ستاندرد آند بورز 500 بنحو 1.1%، وكان القطاع الوحيد الذي سجل مكاسب خلال الجلسة، بينما أنهت جميع القطاعات الأخرى التعاملات على انخفاض. ويكشف هذا التباين بوضوح عن إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية باتجاه الشركات المستفيدة من ارتفاع الخام، مقابل الابتعاد عن القطاعات التي قد تتضرر من ارتفاع التكاليف أو استمرار الفائدة المرتفعة.
عوائد مرتفعة
لم يكن النفط وحده مصدر القلق. فقد قفز عائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياته منذ نوفمبر 2023، ما أضاف ضغطاً جديداً على الأسهم، خصوصاً شركات التكنولوجيا والنمو التي تعتمد تقييماتها على توقعات الأرباح المستقبلية. وكلما ارتفع العائد على السندات الحكومية الخالية نسبياً من المخاطر، أصبحت الأسهم أقل جاذبية مقارنة بأدوات الدخل الثابت، لأن المستثمر يستطيع الحصول على عائد مرتفع دون تحمل تقلبات سوق الأسهم نفسها. وجاءت القفزة بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية أنها ستشتري سندات حكومية تتراوح آجالها بين 10 و20 عاماً بما يصل إلى 6 مليارات دولار، وهو حجم أقل من توقعات بعض المحللين الذين كانوا ينتظرون مشتريات بين 8 و10 مليارات. وبدلاً من تهدئة السوق، عزز الإعلان الاعتقاد بأن الإجراءات الحالية قد لا تكون كافية لاحتواء صعود العوائد.
ووصل عائد العشر سنوات لاحقاً إلــى نحو 4.85 %، مقترباً من مستوى 5 % الذي يعد حساساً للأسواق، لأنه يرفع تكلفة التمويل على الشركات والأسر والحكومة الأميركية نفسها، ويعيد النقاش بشأن مدى قدرة تقييمات الأسهم المرتفعة على الصمود أمام بديل آمن يقدم عائداً يقارب 5 %.
أبل تتراجع
أضاف سهم أبل عاملاً سلبياً آخر إلى أداء المؤشرات، إذ أنهى الجلسة منخفضاً 0.3% بعد إطلاق الشركة أول مجموعة هواتف ذكية تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد جون تيرنوس. وكشفت أبل عن هاتفها القابل للطي «آيفون ديو» بسعر يبدأ من 1999 دولاراً، إلى جانب سلسلة آيفون 18 برو ومنتجات جديدة أخرى، في محاولة لتعزيز مكانتها في سوق الأجهزة المتميزة وتسريع حضورها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ورغم أهمية الإطلاق، لم يقدم الحدث دفعة قوية للسهم، الذي تراجع بأكثر من 2 % في مرحلة من التداول قبل تقليص خسائره إلى 0.3 % عند الإغلاق. ويعكس ذلك ارتفاع سقف توقعات المستثمرين من شركات التكنولوجيا الكبرى، خصوصاً في وقت تنفق فيه الصناعة عشرات المليارات على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
تباين التكنولوجيا
لم تكن حركة شركات التكنولوجيا موحدة. فقد قفز سهم ميتا بأكثر من 6 % بعدما كشفت الشركة عن مساعد للذكاء الاصطناعي قادر على تنفيذ مهام بصورة أكثر استقلالية، بينما انخفض سهم ألفابت 2.3 % وسط خطط لإنفاق 15.1 مليار دولار على بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في فنلندا. وهذا التباين يكشف أن المستثمرين لم يعودوا يكافئون الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تلقائياً، بل أصبحوا يميزون بصورة أكبر بين الاستثمار القادر على توليد إيرادات قريبة والإنفاق الذي قد يضغط على التدفقات النقدية وهوامش الأرباح.
اختبار الأرباح
يأتي الضغط الحالي أيضاً قبل انطلاق موسم إعلان نتائج الربع الثالث، ما يحرم المستثمرين من معلومات حديثة كافية بشأن قدرة الشركات على تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين. وقال روب هاوورث من «يو إس بنك ويلث مانجمنت» إن الأسواق لا تمتلك حالياً كثيراً من المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها بشأن توقعات الأرباح قبل بدء الموسم، وهو ما يزيد حساسيتها للأخبار المتعلقة بالنفط والفائدة والتضخم.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار النفط فوق 100 دولار إلى الضغط على هوامش الشركات في قطاعات النقل والصناعة والاستهلاك، في حين قد تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع أسعار الخام. كما يمكن أن يؤدي ارتفاع البنزين إلى تراجع الدخل المتاح للإنفاق لدى الأسر، وبالتالي إضعاف الاستهلاك الذي يمثل المحرك الأكبر للاقتصاد الأميركي.
الفيدرالي يحسم اتجاه الأسواق
ستبقى حركة وول ستريت خلال الأيام المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بمزيج النفط والتضخم وعوائد السندات. فالسوق تستطيع استيعاب ارتفاع الخام إذا كان مؤقتاً، كما يمكنها التعامل مع عوائد مرتفعة إذا ظلت أرباح الشركات قوية، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تتحرك العوامل الثلاثة ضد الأسهم في الوقت نفسه: طاقة أكثر تكلفة، وتضخم أكثر عناداً، وفائدة أعلى لفترة أطول.
والمشكلة أن ارتفاع النفط فوق 100 دولار جاء في توقيت بالغ الحساسية، بينما يحاول الاحتياطي الفيدرالي تحديد ما إذا كانت ضغوط الأسعار تحتاج إلى جولة جديدة من التشديد. وقد ارتفعت رهانات السوق على زيادة الفائدة، فيما أظهرت تصريحات وتوقعات المحللين اتساع الانقسام بشأن القرار المقبل.