النفط يستعيد زخمه بدعم الحرب وتراجع المخزونات الأميركية
استعادت أسعار النفط جزءاً من خسائرها خلال تعاملات الأربعاء بعد موجة تراجعات دفعتها إلى أدنى مستوياتها في نحو سبعة أسابيع، مستفيدة من تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتراجع المخزونات الأميركية بوتيرة فاقت توقعات الأسواق. وجاء الارتفاع بعد جلسة شهدت ضغوطاً بيعية قوية على الخام نتيجة رهانات بانحسار التصعيد العسكري، إلا أن التطورات الميدانية الجديدة أعادت المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات إلى الواجهة.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1% لتتجاوز مستوى 92 دولاراً للبرميل، فيما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 89 دولاراً للبرميل. ويعكس هذا الصعود عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى التسعير النفطي بعد فترة قصيرة من التهدئة النسبية التي دفعت الأسعار إلى أدنى مستوياتها منذ أبريل ومايو الماضيين.
تصعيد عسكري
جاء الدعم الرئيسي للأسعار من التطورات العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تنفيذ القوات الأميركية غارات جديدة استهدفت مواقع إيرانية. وتأتي هذه العمليات في أعقاب تعهدات أميركية بالرد على استهداف مروحية هجومية أميركية، في خطوة تعكس استمرار التوتر رغم محاولات تثبيت وقف إطلاق النار.
ويخشى المتعاملون في أسواق الطاقة من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى اتساع رقعة المواجهة وتهديد مسارات الإمدادات النفطية العالمية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم.
كما أن استمرار الضربات المتبادلة يزيد من احتمالات وقوع اضطرابات إضافية في حركة النقل البحري أو البنية التحتية للطاقة، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمعروض العالمي.
مضيق هرمز
لا يزال مضيق هرمز يحتل موقع الصدارة في حسابات أسواق النفط العالمية، نظراً لأهميته الاستراتيجية باعتباره ممراً رئيسياً لتدفقات الطاقة. ويعبر عبر المضيق عادة ما يقارب خمس صادرات النفط الخام العالمية إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
وأدت التطورات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة إلى اضطراب حركة الملاحة بشكل متكرر، ما رفع تكاليف الشحن والتأمين وأثار مخاوف من حدوث اختناقات في الإمدادات. وعلى الرغم من استمرار تدفق جزء كبير من الشحنات، فإن حالة عدم اليقين ما زالت تفرض نفسها على السوق.
وتتابع شركات الطاقة والمصافي العالمية التطورات في المنطقة بشكل يومي، نظراً لأن أي تعطيل إضافي في المضيق قد ينعكس سريعاً على الأسعار العالمية ويؤثر في أمن الطاقة لدى العديد من الاقتصادات الكبرى.
شح الإمدادات
إلى جانب العوامل الجيوسياسية، تلقت الأسعار دعماً قوياً من مؤشرات العرض في الولايات المتحدة، حيث أظهرت بيانات السوق استمرار انخفاض مخزونات النفط الخام للأسبوع الثامن على التوالي.
ويشير هذا التراجع المتواصل إلى وجود طلب قوي على الخام أو محدودية في الإمدادات المتاحة مقارنة بمستويات الاستهلاك الحالية. وتعتبر هذه المؤشرات من أكثر البيانات متابعة في أسواق الطاقة نظراً لقدرتها على تقديم صورة مباشرة عن توازن العرض والطلب في أكبر اقتصاد مستهلك للنفط في العالم.
وكلما انخفضت المخزونات بوتيرة أسرع من المتوقع، زادت المخاوف من تقلص الفائض المتاح في السوق، ما يدفع الأسعار عادة إلى الارتفاع لتعويض احتمالات النقص المستقبلي.
رهانات المستثمرين
تتحرك الأسواق حالياً بين عاملين متناقضين؛ الأول يتمثل في المخاطر الجيوسياسية التي تدعم الأسعار، والثاني يتعلق بمخاوف تباطؤ الاقتصاد العالمي وتأثيره المحتمل على الطلب على الطاقة.
ففي الوقت الذي تدفع فيه الحرب المستثمرين إلى إضافة علاوة مخاطر على الأسعار، لا تزال هناك تساؤلات حول قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل أسعار الطاقة المرتفعة لفترة طويلة، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وتشديد السياسات النقدية في العديد من الدول.
ويؤدي هذا التوازن الدقيق إلى زيادة التقلبات اليومية في أسعار النفط، حيث تتغير توجهات المستثمرين بسرعة تبعاً لتطورات المشهد العسكري والاقتصادي.
دور واشنطن
تحاول الولايات المتحدة في الوقت ذاته الحفاظ على استقرار تدفقات الطاقة العالمية من خلال تعزيز وجودها البحري وضمان استمرار حركة التجارة في المنطقة. كما تسعى إلى منع حدوث صدمة كبيرة في أسواق النفط قد تؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار وتنعكس سلباً على الاقتصاد العالمي.
وتشير التصريحات الرسمية إلى أن حركة السفن وصادرات النفط عبر الخليج ومضيق هرمز تشهد تحسناً تدريجياً مقارنة بالفترات الأكثر توتراً، إلا أن هذا التحسن لا يلغي المخاطر المرتبطة باستمرار الحرب أو احتمالات اتساعها.
وتبقى الأسواق في حالة ترقب مستمرة لأي تطورات سياسية أو عسكرية جديدة قد تغير موازين العرض والطلب بصورة مفاجئة.
الطلب العالمي
في المقابل، تواصل الأسواق مراقبة مؤشرات الطلب العالمي على النفط، خاصة في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند. ورغم المخاوف المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتشديد السياسات النقدية، فإن مستويات الاستهلاك لا تزال تظهر قدراً من التماسك، مدعومة باستمرار النشاط الصناعي وحركة النقل والسفر. ويرى محللون أن أي تحسن إضافي في الطلب خلال موسم الصيف قد يؤدي إلى تسريع وتيرة السحب من المخزونات التجارية، ما يوفر دعماً إضافياً للأسعار في حال بقيت الإمدادات تحت الضغط.
تقلبات مرتفعة
ويتوقع خبراء الطاقة استمرار حالة التقلب في أسواق النفط خلال الفترة المقبلة مع تزايد حساسية الأسعار تجاه التطورات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. فالسوق لم تعد تركز فقط على حجم الإنتاج والإمدادات الفعلية، بل أصبحت تضع في الحسبان المخاطر المحتملة التي قد تؤثر على تدفقات الخام مستقبلاً. كما أن أي مؤشرات على تعثر المفاوضات السياسية أو اتساع نطاق المواجهة العسكرية قد تدفع المستثمرين إلى إضافة علاوة مخاطر جديدة على الأسعار، في حين أن نجاح جهود التهدئة قد يحد من وتيرة الارتفاعات ويعيد التركيز إلى أساسيات العرض والطلب العالمية.
مجموعة معقدة من العوامل المؤثرة
يدخل النفط النصف الثاني من العام وسط مجموعة معقدة من العوامل المؤثرة، تشمل الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، وتراجع المخزونات الأميركية، ومسار الاقتصاد العالمي، واتجاهات الطلب على الطاقة. وبينما يوفر شح الإمدادات دعماً واضحاً للأسعار، فإن استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي يبقى العامل الأكثر تأثيراً في المدى القريب.
وفي حال استمرت المخزونات الأميركية في الانخفاض واستمر التوتر حول مضيق هرمز، فقد تجد الأسعار دعماً إضافياً يسمح لها بمواصلة التعافي من أدنى مستوياتها الأخيرة. أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في تثبيت التهدئة وتحسنت أوضاع الإمدادات العالمية، فقد تعود الضغوط البيعية إلى الواجهة مجدداً، لتبقى سوق النفط رهينة التوازن بين الجغرافيا السياسية ومؤشرات العرض والطلب العالمية.