تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انتعاش‭ ‬اقتصادي‭ ‬مرتقب‭ ‬مع‭ ‬انحسار‭ ‬الحرب

انتعاش‭ ‬اقتصادي‭ ‬مرتقب‭ ‬مع‭ ‬انحسار‭ ‬الحرب

تواجه اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، بعدما أعادت الحرب في المنطقة رسم توقعات النمو والتضخم والتجارة، ودفعت صندوق النقد الدولي إلى توقع انكماش اقتصادي خلال العام الجاري، قبل انتعاش قوي مشروط بانحسار الصراع واستعادة حركة التجارة والإمدادات لطبيعتها.
وكشف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، جهاد أزعور، خلال مؤتمر صحافي الخميس، أن اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان مرشحة للانكماش بنسبة 1.3 % في عام 2026، قبل تسجيل نمو يبلغ 6.6 % في 2027، وفق سيناريو يفترض تراجع حدة الصراع مطلع العام المقبل.
وتعكس هذه التوقعات تحولاً حاداً في المشهد الاقتصادي، بعدما خفض الصندوق تقديراته لنمو المنطقة في 2026 بنحو ثلاث نقاط مئوية مقارنة بتوقعات أبريل الماضي، نتيجة الاضطرابات التي أصابت إنتاج الطاقة والنقل البحري والسياحة والتجارة، وأضعفت ثقة المستثمرين والمستهلكين.

فاتورة الحرب
لا تقتصر التداعيات الاقتصادية للصراع على ارتفاع تكاليف الطاقة، بل تمتد إلى شبكات الإمداد وحركة الشحن والتأمين والتجارة الدولية، ما يفرض ضغوطاً متزامنة على الشركات والحكومات والأسر.
وتختلف حدة التأثير بين الدول بحسب اعتمادها على صادرات النفط أو وارداته، ومدى تعرض بنيتها الاقتصادية للاضطرابات، وقدرتها على استخدام أدوات السياسة المالية والنقدية لاحتواء الصدمات.
فالدول المصدرة للطاقة تواجه تحديات مرتبطة بالإنتاج والتصدير وطرق الشحن، بينما تتعرض الاقتصادات المستوردة للنفط لضغوط محتملة على تكاليف الاستيراد والأسعار المحلية.
ومع ذلك، أشار الصندوق إلى أن عدداً من الدول المستوردة أظهر قدرة على الصمود بفضل الطلب المحلي وتحويلات العاملين وإيرادات السياحة، إلى جانب التدابير الحكومية التي خففت انتقال ارتفاع الأسعار إلى المستهلكين.
وتبرز دول مجلس التعاون الخليجي في قلب هذه التحولات، إذ يتوقع الصندوق أن تشهد اقتصاداتها تعافياً على شكل حرف «V»، بما يعني تراجع النشاط الاقتصادي أولاً، ثم عودته إلى النمو بوتيرة قوية بعد انحسار الاضطرابات.
لكن هذا التعافي لا يعني استعادة جميع الخسائر، إذ يرجح أزعور بقاء الناتج الاقتصادي الخليجي دون المستويات التي كانت متوقعة قبل اندلاع الصراع على المدى المتوسط.
ويكشف ذلك عن فارق جوهري بين ارتفاع معدل النمو وتعويض الإنتاج المفقود، فالنمو القوي بعد الانكماش قد يعكس التعافي من قاعدة منخفضة، دون أن يعيد الاقتصاد بالضرورة إلى مساره السابق.

تآكل الفوائض
تتجاوز آثار الحرب معدلات النمو لتصل إلى الموازنات العامة والحسابات الخارجية، مع توقع تراجع فائض الحساب الجاري لدول مجلس التعاون الخليجي من نحو 5 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 1.3 % خلال 2026.
ويمثل هذا الانخفاض تقلصاً بمقدار 3.7 نقاط مئوية، ما يعكس الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها المراكز الخارجية حتى في الاقتصادات الغنية بالموارد النفطية.
وتزداد أهمية هذا المؤشر بالنظر إلى دوره في قياس العلاقة بين الإيرادات والمدفوعات الخارجية، ومدى قدرة الاقتصادات على تكوين فوائض تدعم احتياطياتها ومتانتها المالية.
وفي الوقت نفسه، يتوقع الصندوق ارتفاع التضخم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان خلال العام الجاري، نتيجة الضغوط المرتبطة بالسلع الأساسية وتكاليف الإمداد.
وقد ساعد الدعم الحكومي وضبط بعض الأسعار وأنظمة أسعار الصرف الثابتة في تخفيف العبء المباشر على المستهلكين، إلا أن هذه الإجراءات تنقل جانباً من التكلفة إلى المالية العامة، بما قد يقلص الموارد المتاحة لأولويات إنفاق أخرى.
وفي المقابل، تبدو آفاق القوقاز وآسيا الوسطى أكثر استقراراً نسبياً، مع توقع نمو اقتصاداتها بنسبة 5.2 % في 2026 و5 % في 2027، بالتزامن مع استمرار تراجع التضخم.
ورفع الصندوق توقعاته لهذه المنطقة مقارنة بتقديرات أبريل، مدعوماً بتحسن آفاق الدول المستوردة للنفط، رغم تراجع التوقعات لبعض الاقتصادات المصدرة للطاقة.

مخاطر ممتدة
حذر أزعور من أن حالة عدم اليقين المحيطة بالتوقعات لا تزال مرتفعة بصورة استثنائية، وأن المخاطر تميل إلى الجانب السلبي، خصوصاً إذا تجددت الاضطرابات في إنتاج الطاقة أو طرق التجارة.
وقد تؤدي أي موجة جديدة من اضطرابات الإمدادات إلى زيادة أسعار الطاقة وتكاليف النقل، بما يرفع التضخم ويضعف القدرة الشرائية ويضغط على النمو.
كما تواجه المنطقة احتمال تشديد الأوضاع المالية العالمية، سواء بسبب استمرار أسعار الفائدة المرتفعة أو إعادة تقييم الأسواق للتوقعات المتفائلة بشأن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتبقى الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، نظراً لاعتمادها على واردات الغذاء وارتفاع احتياجاتها التمويلية وتراجع المساعدات الإنمائية.
وفي مواجهة هذه التحديات، دعا الصندوق إلى جعل السياسة النقدية خط الدفاع الأول أمام ارتفاع التضخم، مع تقديم دعم مالي مؤقت وموجه للأسر والشركات الأكثر تضرراً، بدلاً من التوسع في إجراءات عامة قد تزيد أعباء الدين.
وشدد كذلك على أهمية إعادة بناء الاحتياطيات وهوامش الأمان المالية، وتعزيز استقلالية البنوك المركزية، ومواصلة الإصلاحات التي ترفع الإنتاجية وتوسع فرص العمل وتنويع الأنشطة الاقتصادية.

التعافي الاقتصادي مشروط بانحسار الصراع
ترسم توقعات صندوق النقد الدولي مساراً اقتصادياً شديد التباين بين عامين؛ انكماش في 2026 يعقبه انتعاش قوي في 2027، لكن تحقق هذا السيناريو يبقى مرهوناً بانحسار الحرب وعودة التجارة والإنتاج إلى أوضاع أكثر استقراراً.
وبالنسبة إلى الاقتصادات الخليجية، لا يقتصر التحدي على استعادة معدلات النمو، بل يشمل حماية الفوائض الخارجية وتعويض النشاط الاقتصادي المفقود والحفاظ على استدامة الإنفاق العام.

رجوع لأعلى