برنت فوق 100 دولار والإمدادات مهددة
دخلت سوق النفط مرحلة جديدة من إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، بعدما صمد خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، في ظل تصاعد غير مسبوق للهجمات المرتبطة بحركة الشحن في منطقة الخليج، ما أعاد المخاوف من اضطرابات أعمق في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط. ولم يعد تركيز المتعاملين منصباً فقط على حجم الإنتاج العالمي أو مستويات الطلب، بل باتت سلامة طرق التصدير وقدرة الناقلات على عبور الممرات البحرية الاستراتيجية من أهم العوامل المحركة للأسعار.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت في التعاملات المبكرة، اليوم الخميس، إلى 101.34 دولار للبرميل، بزيادة 0.1 %، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 0.5 % إلى 96.55 دولار. ومع تقدم الجلسة اتسعت المكاسب، ليرتفع برنت بنحو 0.9 % إلى 102.15 دولار، بينما صعد الخام الأميركي بنحو 1.5 % إلى 97.50 دولار، في إشارة إلى أن علاوة المخاطر لا تزال تتضخم مع وصول أنباء جديدة عن التصعيد.
ويأتي ذلك بعدما قفز برنت بنحو 3.4 % خلال جلسة الأربعاء، متجاوزاً حاجز 100 دولار، في حركة عكست سرعة استجابة الأسواق للمخاطر التي تهدد الإمدادات. وارتفعت أسعـار بـرنـت بنحــو 30 % مقارنة بالمستويات المتدنية التي سجلتها في أوائل أغسطس، مع تبدد الآمال في تثبيت وقف دائم للهجمات بين الولايات المتحدة وإيران وعودة المواجهات لاحقاً.
مضيق هرمز
يقف مضيق هرمز مجدداً في قلب معادلة الأسعار، إذ كان الممر البحري، قبل اندلاع الحرب، يستوعب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل في حركة الملاحة قادراً على إحداث تأثير واسع يتجاوز منطقة الخليج إلى أسواق الطاقة والنقل والتضخم حول العالم. وتظل تدفقات النفط عبر المضيق حالياً أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يحد من قدرة السوق على تعويض أي خسائر إضافية بسهولة.
وازدادت المخاوف بعدما أعلنت إيران أنها هاجمت عشر سفن قرب مضيق هرمز، رداً على إغراق الولايات المتحدة خمس ناقلات نفط إيرانية، فيما حذر الحرس الثوري الإيراني من تصعيد رده في حال تعرضه لهجمات إضافية. ويضع تبادل الضربات حركة الشحن التجاري أمام مخاطر متزايدة، ليس فقط بسبب احتمال إصابة السفن، وإنما أيضاً نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والنقل واحتمال عزوف بعض شركات الشحن عن دخول مناطق التوتر.
ويرى محللون أن الهجمات المتبادلة تعطي إشارة واضحة إلى أن تدفقات الخام من الخليج قد تظل مضطربة خلال المستقبل المنظور، وأن اتساع نطاق الصراع يهدد باضطراب أشد في الإمدادات، في وقت اضطرت فيه السوق بالفعل إلى التكيف مع نقص الكميات المتاحة وارتفاع تكاليف نقلها.
مخزونات متراجعة
تكتسب الأزمة أهمية إضافية لأن ارتفاع الأسعار يحدث بالتزامن مع تراجع ملموس في المخزونات العالمية، وهو ما يقلص هامش الأمان المتاح أمام المستهلكين إذا حدثت صدمة جديدة في المعروض. وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن المخزونات العالمية من النفط انخفضت بنحو 400 مليون برميل منذ بداية العام الجاري، نتيجة القيود على صادرات الشرق الأوسط وتراجع الإنتاج المرتبط بتعطل بعض مسارات التصدير.
وبحسب أحدث توقعات الإدارة، بلغ متوسط أسعار النفط العالمية نحو 91 دولاراً للبرميل في أغسطس، بزيادة 7 دولارات عن يوليو. وتتوقع استمرار تراجع المخزونات حتى نهاية 2026، ما يبقي الأسعار مرتفعة، فيما رفعت تقديراتها لمتوسط سعر برنت خلال النصف الثاني من العام إلى نحو 90 دولاراً للبرميل. وتعكس هذه الأرقام تغيراً مهماً في أساسيات السوق، بعدما كانت التوقعات السابقة تراهن على وفرة أكبر في الإمدادات.
إمدادات المنطقة
وتفترض إدارة معلومات الطاقة أن إنتاج الشرق الأوسط سيبدأ الارتفاع تدريجياً خلال الأشهر المقبلة، بدعم من تحسن نسبي متوقع في حركة التدفقات عبر مضيق هرمز واستخدام طرق بديلة لنقل الخام. لكن هذا السيناريو لا يعني عودة سريعة إلى الوضع الطبيعي، إذ تتوقع الإدارة استمرار بعض القيود على صادرات المنطقة حتى نهاية العام الجاري، وبقاء إنتاج الخام دون متوسطات ما قبل الصراع حتى الربع الثاني من 2027.
وهذه التوقعات تعني أن السوق قد تدخل 2027 وهي تحمل آثار أزمة الإمدادات الحالية، الأمر الذي يرفع حساسية الأسعار لأي تطور عسكري جديد. فكلما طالت فترة تعطل جزء من صادرات المنطقة، تراجعت قدرة المخزونات على امتصاص الصدمات، وأصبح المستهلكون أكثر اعتماداً على المنتجين القادرين على زيادة الإمدادات سريعاً أو استخدام مسارات تصدير لا تمر بالممرات المهددة.
عدوى الأسواق
بدأت تداعيات ارتفاع النفط والتصعيد العسكري تمتد إلى أسواق المال الخليجية والعالمية. وتراجعت غالبية بورصات الخليج في التعاملات المبكرة الخميس مع تصاعد المخاوف من تعطل طرق تصدير الطاقـة، إذ انخفض مــؤشــر دبـي 0.2 % وأبوظبي 0.1 % وقطر 0.2 %، بينما خالف السوق السعودي الاتجاه وارتفع 0.3 % بدعم من بعض الأسهم القيادية.
ولا تقف التأثيرات عند الأسهم، إذ يمثل بقاء النفط فوق 100 دولار تحدياً جديداً لمسار التضخم العالمي. فارتفاع الخام ينتقل تدريجياً إلى أسعار البنزين والديزل والنقل والشحن والمنتجات الصناعية، بما قد يعقد حسابات البنوك المركزية التي تحاول إعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة، ويحد من قدرتها على تخفيف السياسة النقدية بالسرعة التي كانت الأسواق تتوقعها.
كما أن استمرار الأزمة يضع الاقتصادات المستوردة للطاقة أمام فاتورة أعلى، بينما يمنح الدول المصدرة إيرادات إضافية من ارتفاع الأسعار، وإن كانت هذه المكاسب تواجه في المقابل مخاطر ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتعطل بعض الصادرات. وهكذا يتحول ارتفاع النفط من مكسب سعري مباشر للمنتجين إلى معادلة أكثر تعقيداً إذا استمر تهديد طرق الملاحة.
المئة دولار ليست النهاية
لا يمثل تجاوز برنت مستوى 100 دولار مجرد حاجز نفسي في سوق النفط، بل يعكس انتقال المستثمريــن من تسعـيــر اضطراب مؤقت إلى الاستعداد لاحتمال أزمة أطول في الإمدادات. وسيظل اتجاه الأسعار خلال المرحلة المقبلة رهناً بثلاثة متغيرات رئيسية: أمن الملاحة عبر مضيق هرمز، ومدى استمرار المواجهة الأميركية الإيرانية، وقوة الطلب الصيني على الخام.
وفي ظل بقاء التدفقات عبر هرمز دون مستويات ما قبل الحرب، وانخفاض المخزونات العالمية بنحو 400 مليون برميل هذا العام، واستمرار توقعات القيود على صادرات الشرق الأوسط حتى نهاية 2026، تبدو السوق أكثر عرضة للقفزات السعرية عند كل تصعيد جديد. وفي المقابل، فإن تحسن حركة الناقلات أو تراجع الطلب قد يسحب جزءاً من علاوة المخاطر سريعاً.
لكن الرسالة الأوضح التي تبعث بها الأسعار حالياً هي أن النفط عاد إلى قلب المخاطر الاقتصادية العالمية. فالمستوى الذي يتجاوز 100 دولار لا يضغط فقط على مستهلكي الوقود، بل يمتد تأثيره إلى التضخم وأسعار الفائدة وتكاليف النقل وهوامش الشركات والنمو الاقتصادي. ولذلك لم يعد السؤال في الأسواق مقتصراً على ما إذا كان برنت سيحافظ على مستوى 100 دولار، وإنما إلى أي مدى يمكن أن ترتفع الأسعار إذا تحولت اضطرابات هرمز من أزمة ممتدة إلى صدمة أكبر في الإمدادات.