برنت فوق 106 دولارات رغم عودة الإمدادات
تواصل أسواق النفط العالمية التحرك تحت تأثير معادلة شديدة التعقيد، تجمع بين تحسن تدريجي في تدفقات الخام من منطقة الخليج واستمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالحرب والمواجهة الأميركية–الإيرانية وتعطل حركة الشحن الطبيعية عبر مضيق هرمز. ونجح خام برنت في البقاء فوق مستوى 106 دولارات للبرميل خلال التعاملات المبكرة، بعدما ارتفع في إحدى مراحل الجلسة إلى نحو 106.1 دولار، في حين تحرك خام غرب تكساس الوسيط الأميركي قرب 93 دولاراً للبرميل، بما يعكس استمرار حساسية السوق لأي تطورات تتعلق بالإمدادات أو المفاوضات السياسية. وفي التعاملات اللاحقة، شهدت الأسعار بعض التراجع والتذبذب، لكنها ظلت عند مستويات مرتفعة تاريخياً مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، فيما يتجه الخامان إلى تسجيل مكاسب شهرية قوية. وتظهر تحركات الأسعار أن عودة جزء من البراميل المفقودة لم تكن كافية حتى الآن لإزالة علاوة المخاطر، لأن السوق لا تنظر فقط إلى حجم النفط المتاح، بل أيضاً إلى قدرة المنتجين على نقله بصورة مستقرة ومنخفضة التكلفة إلى المستهلكين.
عودة التدفقات
وفي جانب الإمدادات، بدأت الصورة تتحسن تدريجياً مع انتعاش صادرات الخام من كبار المنتجين في الشرق الأوسط إلى نحو 12.8 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ فبراير، وفق بيانات أولية من شركة كبلر، مدفوعة بصورة رئيسية بزيادة الشحنات السعودية والإماراتية. وتشير بيانات أوسع لكبلر إلى أن إجمالي صادرات الخام من منطقة الشرق الأوسط بلغ نحو 16.33 مليون برميل يومياً خلال الشهر، إلا أنه لا يزال أقل بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً من مستوى فبراير السابق للحرب، البالغ قرابة 19.51 مليون برميل يومياً. وهذا الفارق يوضح أن السوق قطعت شوطاً مهماً نحو استعادة الإمدادات، لكنها لم تعد بعد إلى الوضع الطبيعي، وهو ما يبقي المشترين، خصوصاً في آسيا، أمام مخاطر تتعلق بتوافر الناقلات وتكاليف الشحن ومواعيد وصول الخام. وتقدَّر صادرات المنطقة حالياً بأقل قليلاً من 80 % من مستويات ما قبل الصراع، ما يعني أن التحسن الكبير في الأرقام لا يلغي فجوة الإمدادات التي خلفتها الاضطرابات منذ فبراير.
الشريان السعودي
ويمثل استئناف العمل في خط أنابيب شرق–غرب السعودي أحد أهم المتغيرات التي تخفف الضغوط على سوق النفط، إذ يتيح للمملكة نقل الخام من حقولها ومراكز إنتاجها في الشرق إلى ساحل البحر الأحمر، بعيداً عن الاعتماد الكامل على المرور عبر مضيق هرمز. وعادت عمليات تحميل الخام في ميناء ينبع بعد إعادة تشغيل الخط، مع وصول عمليات التحميل إلى نحو مليوني برميل يومياً، بينما قدّرت كبلر تدفقات الخط بنحو 2.65 مليون برميل يومياً، مع إمكانية ارتفاعها إلى ما بين 3 و4 ملايين برميل خلال الفترة المقبلة. غير أن العودة الكاملة إلى مستوى ما قبل الهجمات، الذي بلغ نحو 5.5 ملايين برميل يومياً، قد تحتاج إلى مزيد من الوقت. وبهذا المعنى، لا يمثل تشغيل الخط مجرد زيادة كمية في المعروض، بل يوفر للسوق ممراً استراتيجياً بديلاً يقلص جزئياً المخاطر المرتبطة بهرمز ويمنح السعودية مرونة أكبر في إدارة صادراتها.
كلفة البدائل
ورغم تعافي الصادرات، فإن طريقة وصول البراميل إلى الأسواق تظل عاملاً أساسياً في تسعير الخام. فجزء من الزيادة الحالية يعتمد على حلول تشغيلية بديلة، من بينها عمليات نقل الخام من سفينة إلى أخرى وإعادة توجيه الناقلات واستخدام موانئ ومسارات أبعد من الطرق التقليدية. ويشير محللون إلى أن هذه الوسائل أكثر تكلفة وأقل كفاءة من التدفقات الطبيعية، ما يفسر بقاء الأسعار مرتفعة رغم زيادة أحجام الصادرات. كما دفعت تكاليف الشحن القياسية أرامكو السعودية، بحسب مصادر مطلعة، إلى دراسة خصومات محتملة على بعض الشحنات المحملة قبالة عُمان لمساعدة المشترين على امتصاص الزيادة الكبيرة في تكاليف النقل. وتكشف هذه التطورات أن عدد البراميل المتاحة وحده لم يعد المقياس الكافي لتقييم توازن السوق؛ فالسؤال الأهم أصبح يتعلق بالتكلفة الفعلية لإيصال البرميل إلى المصافي، والمدة التي يستغرقها، ومدى استدامة المسار المستخدم لنقله.
رهان هرمز
ويبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في معادلة النفط العالمية، بعدما كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية. ورغم تحسن حركة الناقلات خلال سبتمبر، فإن التدفقات لا تزال أقل من مستويات ما قبل الصراع، وهو ما يحول دون اختفاء علاوة المخاطر من الأسعار. ويكتسب ذلك أهمية مضاعفة لأن الاقتصادات الآسيوية تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج، فيما بلغت واردات آسيا من الخام خلال سبتمبر نحو 23.96 مليون برميل يومياً، وهي الأعلى منذ اندلاع الصراع، لكنها بقيت أقل بنحو 13 % من مستويات ما قبل الحرب. ويعني ذلك أن الطلب على استعادة التدفقات الطبيعية لا يأتي من المنتجين وحدهم، وإنما من كبار المستهلكين أيضاً، الذين يواجهون ارتفاعاً في تكاليف الطاقة والنقل والتأمين.
دبلوماسية الأسعار
وفي المقابل، تتحول المفاوضات الأميركية–الإيرانية إلى سقف سياسي يحول حتى الآن دون اندفاعة أكثر قوة في أسعار النفط. فقد أجرى مسؤولون من الولايات المتحدة وإيران محادثات منفصلة مع وسطاء في محاولة جديدة لإنهاء الحرب المستمرة منذ سبعة أشهر، وسط توقعات بأن تتركز أي جولة جديدة على صيغة معدلة من مقترح إيراني لمدة سبعة أيام. ويقرأ المتعاملون كل إشارة دبلوماسية باعتبارها مؤشراً محتملاً إلى إعادة فتح طرق الإمداد وخفض علاوة المخاطر، ولذلك تتراجع الأسعار سريعاً عند ظهور بوادر انفراج، ثم تستعيد مكاسبها عندما تتضاءل فرص الاتفاق. ويرى محللون أن استمرار الأمل في التوصل إلى تسوية يمثل أحد أبرز العوامل التي تحد حتى الآن من قدرة برنت على الاستقرار فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، بينما يظل غياب اتفاق ملموس داعماً لبقاء الخام فوق حاجز 100 دولار.
طلب متماسك
ولا تقتصر عوامل دعم النفط على المخاطر الجيوسياسية، إذ تضيف مؤشرات الطلب والمخزونات الأميركية طبقة أخرى من الدعم. وأظهر استطلاع أولي لرويترز توقعات بانخفاض مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، مع استقرار مخزونات نواتج التقطير تقريباً. ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في سوق تعاني أصلاً من ارتفاع أسعار المنتجات النفطية، ولا سيما الديزل، في وقت تدرس فيه الإدارة الأميركية إجراءات تنظيمية لتخفيف الضغوط على أسعار الوقود محلياً. كما امتدت تداعيات ارتفاع الخام إلى أسواق العملات والسندات؛ إذ ساهم صعود النفط ومخاوف التضخم في دفع عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى مستويات مرتفعة، بينما تعرضت عملات اقتصادات مستوردة للطاقة لضغوط إضافية. وبذلك لم تعد أزمة النفط محصورة في سوق الطاقة، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في توقعات التضخم والسياسة النقدية وتدفقات رؤوس الأموال عالمياً.