بيتكوين تستعيد الزخم مع انحسار التوترات وعودة شهية المخاطرة
سجلت بيتكوين مكاسب لافتة بالتزامن مع صعود أسواق الأسهم العالمية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، في خطوة عززت شهية المخاطرة في الأسواق ودفعت المستثمرين إلى زيادة الإقبال على الأصول ذات العائد المرتفع، وفي مقدمتها العملات المشفرة. ويعكس هذا التحرك عودة واضحة إلى مناخ استثماري أكثر انفتاحاً على المخاطر، بعد فترة من الحذر فرضتها التطورات الجيوسياسية والتقلبات الواسعة في الأسواق العالمية.
وارتفعت أكبر عملة مشفرة في العالم بما يصل إلى 3.6 % خلال تعاملات الأربعاء، لتلامس مستوى 78.4 ألف دولار، وهو أعلى مستوى لها منذ 3 فبراير، قبل أن تستقر قرب 78 ألف دولار. وسارت بقية العملات المشفرة على النهج نفسه، إذ صعدت إيثر بما يصل إلى 3.8 %، ما يشير إلى أن موجة الصعود لم تقتصر على بيتكوين وحدها، بل امتدت إلى السوق الرقمية الأوسع في ظل تحسن المزاج الاستثماري العالمي.
زخم المخاطرة
جاءت هذه المكاسب في وقت تلقّت فيه الأسواق دفعة معنوية من تراجع التوترات الجيوسياسية، بعدما أسهم الإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران في تهدئة المخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي. وقد انعكس ذلك سريعاً على توجهات المستثمرين الذين عادوا إلى الأصول الأكثر مخاطرة، مع تراجع الإقبال النسبي على أدوات التحوط التقليدية وعودة الرهانات على فرص الصعود في أسواق الأسهم والعملات المشفرة.
وقال المدير الأول في شركة Wincent لصناعة الأسواق، بول هوارد، إن التحركات قصيرة الأجل للبيتكوين لا تزال مرهونة إلى حد كبير بالتطورات على الساحتين الاقتصادية الكلية والجيوسياسية. وأضاف أن المتداولين، في ظل غياب محفز خارجي واضح وفي بيئة تتسم بانخفاض التقلبات، يميلون إلى اعتبار مستوى 72 ألف دولار دعماً رئيسياً، في حين يواجه الصعود سقف مقاومة وجني أرباح قرب 79 ألف دولار. ويعني ذلك أن السوق لا تزال تتحرك ضمن نطاق محسوب، وإن كانت تميل حالياً إلى الإيجابية بفضل تحسن البيئة العامة للمخاطرة.
دعم الأسواق
وصعدت العملات المشفرة بالتوازي مع أداء إيجابي في الأسواق التقليدية، إذ ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بأكثر من 0.5 %، في حين تراجعت أسعار خام برنت بنسبة 1.8 % إلى ما دون 97 دولاراً للبرميل. ويشير هذا التزامن إلى أن التحركات الأخيرة في بيتكوين لم تكن معزولة عن المشهد المالي العام، بل جاءت ضمن موجة أوسع من إعادة تسعير الأصول، حيث استفادت الأسواق من انحسار القلق بشأن الطاقة والجغرافيا السياسية، ومال المستثمرون إلى تعزيز مراكزهم في الأصول ذات المخاطر الأعلى والعوائد المحتملة الأكبر.
ويحمل هذا الارتباط دلالة مهمة على أن بيتكوين باتت تتحرك بصورة أكثر اندماجاً مع المزاج العام للأسواق العالمية، خصوصاً في الفترات التي يتركز فيها اهتمام المستثمرين على اتجاهات الفائدة، والتوترات الجيوسياسية، والسيولة الاستثمارية. فكلما تحسنت شهية المخاطرة في وول ستريت، زادت احتمالات انتقال هذا الزخم إلى سوق الأصول الرقمية، وهو ما بدا واضحاً في موجة الصعود الأخيرة.
مرونة لافتة
وأظهرت بيتكوين، وفق البيانات، مرونة لافتة مقارنة بعديد من الأصول الأخرى منذ اندلاع الحرب مع إيران، بما في ذلك الذهب الذي يُعد تقليدياً ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب. فبينما تراجعت أسعار المعدن الأصفر بنحو 10 % منذ 27 فبراير، ارتفعت بيتكوين بأكثر من 15 % خلال الفترة نفسها، في إشارة إلى تحول مهم في نظرة شريحة من المستثمرين إلى العملة المشفرة، ليس فقط باعتبارها أصلاً مضاربياً، بل أيضاً كأداة قادرة على الصمود في بيئات التوتر وعدم اليقين.
هذا الأداء يعكس تغيراً تدريجياً في البنية النفسية للسوق، إذ لم تعد بيتكوين تتفاعل بالضرورة مع الاضطرابات بالطريقة التي كانت سائدة في دورات سابقة، عندما كانت موجات البيع العنيف تطغى سريعاً على أي اعتبار آخر. أما الآن، فتبدو العملة أكثر قدرة على استيعاب الصدمات، بل وتحويل بعض التطورات الجيوسياسية إلى محفزات صعود إذا تزامنت مع تحسن المعنويات في الأسواق العالمية.
نطاق سعري
ومنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، تحركت بيتكوين في نطاق عرضي واسع بين 65 ألفاً و75 ألف دولار، في مرحلة اتسمت باستقرار نسبي بعد أشهر من الخسائر الحادة. وكانت العملة قد فقدت نحو 40 % من قيمتها مقارنة بذروتها التاريخية عند 126 ألف دولار المسجلة في أكتوبر، عندما قادت موجة بيع حادة إلى اضطرابات واسعة في سوق الأصول الرقمية. ويعني ذلك أن التحسن الحالي يأتي بعد فترة تصحيح عنيفة، وهو ما يمنحه ثقلاً إضافياً من زاوية فنية ونفسية.
فعودة بيتكوين إلى الاقتراب من مستوى 80 ألف دولار لا تعني فقط استعادة جزء من الخسائر، بل تعني أيضاً أن السوق يحاول الخروج من مرحلة الترقب الطويل وبناء اتجاه أكثر وضوحاً. وبينما لا تزال التقلبات حاضرة، فإن قدرة العملة على الحفاظ على مستويات دعم مرتفعة نسبياً تشير إلى أن المستثمرين لم يعودوا يتعاملون مع الصعود الأخير كارتداد مؤقت فقط، بل كإشارة إلى تحسن أعمق في التوازن بين العرض والطلب.
تحول المزاج
في المحصلة، يعكس الأداء الأخير لبيتكوين تحولاً ملحوظاً في مزاج السوق، حيث باتت التطورات الجيوسياسية تلعب دوراً محورياً في توجيه دفة الأصول الرقمية، إلى جانب المؤثرات التقليدية المرتبطة بالسيولة والاقتصاد الكلي. ويبدو أن المستثمرين يراهنون بشكل متزايد على أن بيتكوين أصبحت أكثر قدرة على الصمود خلال فترات الاضطراب العالمي، بل وربما أكثر قابلية للاستفادة من تراجع المخاوف إذا اقترنت بعودة واضحة لشهية المخاطرة.
وبهذا المعنى، فإن صعود العملة المشفرة الأكبر لا يعبر فقط عن موجة شراء عابرة، بل عن إعادة تموضع أوسع في نظرة السوق إلى الأصول الرقمية. فبين الدعم الفني، وعودة التدفقات المؤسسية، وتحسن المعنويات العالمية، تتحرك بيتكوين في لحظة مفصلية قد تحدد ما إذا كانت السوق بصدد موجة صعود جديدة، أم أنها لا تزال داخل نطاق اختبار طويل قبل اختراق مستويات أعلى وأكثر حساسية.