بيتكوين تلامس 79719 دولاراً رغم التضخم
قدمت سوق العملات المشفرة خلال تعاملات الجمعة مفارقة جديدة، بعدما ارتفعت الأصول الرقمية رغم صدور بيانات تضخم أميركية عززت توقعات رفع أسعار الفائدة في اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأسبوع المقبل. واستفادت السوق في المقابل من تراجع أسعار النفط وتحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، لتلامس بيتكوين مستوى 79719 دولاراً قبل أن تقلص جزءاً من مكاسبها وتتراجع دون حاجز 79 ألف دولار. ويكشف هذا الأداء عن تغير في طريقة تعامل المستثمرين مع احتمالات التشديد النقدي، بعدما أصبحت الأسواق أكثر استعداداً لاستيعاب رفع جديد للفائدة إذا ساهم في منع التضخم من الخروج عن السيطرة.
وصلت بيتكوين خلال التعاملات إلى 79719 دولاراً، في إشارة إلى استمرار الطلب على أكبر عملة مشفرة رغم البيئة النقدية التي تبدو أقل دعماً للأصول عالية المخاطر. وبعد بلوغ ذروة الجلسة، فقدت العملة جزءاً من مكاسبها وعادت للتداول دون مستوى 79 ألف دولار، لكن بقاء الأسعار بالقرب من هذه المستويات عكس قدرة السوق على امتصاص بيانات التضخم.
وتكتسب حركة بيتكوين أهمية أكبر بالنظر إلى أن ارتفاع الفائدة يمثل في الظروف التقليدية عامل ضغط على العملات المشفرة. فعندما ترتفع عوائد الأصول الآمنة، وفي مقدمتها سندات الخزانة الأميركية، تتراجع نسبياً جاذبية الأصول التي لا تمنح المستثمر عائداً ثابتاً وتتميز بتقلبات مرتفعة.
لكن المستثمرين تجاهلوا جانباً كبيراً من هذه المخاوف خلال جلسة الجمعة، بالتزامن مع ارتفاع أسواق الأسهم الأميركية أيضاً، ما يشير إلى أن شهية المخاطرة ظلت قوية رغم توقعات التشديد النقدي.
مفاجأة التضخم
جاء ارتفاع العملات المشفرة رغم بيانات أظهرت أن التضخم الأساسي في الولايات المتحدة لا يزال يمثل تحدياً لمجلس الاحتياطي الاتحادي. فقد ارتفع المؤشر الأساسي لأسعار المستهلكين، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، بنسبة 0.3% خلال أغسطس على أساس شهري، متجاوزاً توقعات الأسواق التي أشارت إلى زيادة قدرها 0.2%.
وتكتسب قراءة التضخم الأساسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الاحتياطي الاتحادي لأنها تساعد على قياس مدى انتشار الضغوط السعرية داخل الاقتصاد بعيداً عن التقلبات المؤقتة في أسعار الطاقة والغذاء. وتجاوز القراءة للتوقعات يعني أن مشكلة الأسعار لا تزال أكثر رسوخاً مما كان يأمل المستثمرون.
وعادة ما تكون هذه البيانات سلبية بالنسبة إلى بيتكوين والعملات المشفرة، لأنها تعني أن البنك المركزي قد يحتاج إلى إبقاء السياسة النقدية متشددة أو رفع أسعار الفائدة، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة السيولة والتمويل ويضغط على الأصول عالية المخاطر.
رهانات الفائدة
عززت أرقام التضخم توقعات الأسواق بأن يتجه الاحتياطي الاتحادي إلى رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل، لكن المستثمرين لم يتعاملوا مع هذا السيناريو باعتباره مفاجأة كبيرة بما يكفي لإطلاق موجة بيع في الأصول الرقمية.
وهنا تظهر نقطة مهمة في حركة الأسواق: تأثير القرار لا يعتمد فقط على اتجاه الفائدة، وإنما على مدى احتسابه مسبقاً في الأسعار. فإذا كان المستثمرون قد أعادوا بالفعل بناء محافظهم على أساس توقع زيادة الفائدة، فإن صدور بيانات تدعم هذا السيناريو قد يكون تأثيره محدوداً.
وتبقى المخاطر قائمة إذا تبنى الاحتياطي الاتحادي لهجة أكثر تشدداً من المتوقع، أو ألمح إلى سلسلة من الزيادات الإضافية. عندها يمكن أن ترتفع عوائد السندات والدولار بصورة أكبر، وهو ما قد يعيد الضغط على بيتكوين وبقية العملات المشفرة.
دعم النفط
في الاتجاه المقابل، قدم تراجع أسعار النفط عاملاً إيجابياً للأسواق. فالانخفاض يخفف المخاوف من استمرار انتقال صدمة الطاقة إلى معدلات التضخم، ويمنح المستثمرين أملاً في أن الضغوط السعرية الحالية لن تتطلب دورة طويلة من التشديد النقدي.
ويكتسب النفط أهمية استثنائية في هذه المرحلة بعد الارتفاعات الكبيرة التي سجلها خلال الفترة الماضية، إذ يؤدي صعود الخام والوقود إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والسلع، وبالتالي يرفع احتمالات بقاء التضخم مرتفعاً.
لذلك استفادت العملات المشفرة بصورة غير مباشرة من تراجع الخام. وإذا تحول انخفاض النفط إلى اتجاه مستمر، فقد يقلل الضغوط الواقعة على الاحتياطي الاتحادي ويحد من الحاجة إلى زيادات متكررة للفائدة، وهو سيناريو أكثر دعماً للأصول عالية المخاطر.
يتزامن صعود العملات المشفرة مع مكاسب قوية في الأسهم الأميركية، ما يعزز الاعتقاد بأن حركة بيتكوين جزء من تحسن أوسع في معنويات المستثمرين، وليس تطوراً منفصلاً داخل سوق الأصول الرقمية.
ويعني ذلك أن العلاقة بين العملات المشفرة والأسواق التقليدية لا تزال قوية، خصوصاً خلال الفترات التي تصبح فيها السياسة النقدية المحرك الأساسي لتدفقات رؤوس الأموال. فعندما ترتفع شهية المخاطرة، تستفيد الأسهم التكنولوجية وبيتكوين وغيرها من الأصول المتقلبة، بينما تتعرض للضغط عندما يتجه المستثمرون نحو السيولة والسندات.
الفيدرالي يحسم اتجاه العملات
ستدخل العملات المشفرة الأسبوع المقبل أمام اختبار أكثر أهمية مع صدور قرار الاحتياطي الاتحادي. فالسوق استطاعت حتى الآن استيعاب ارتفاع التضخم وتزايد احتمالات رفع الفائدة، لكن المرحلة التالية ستتوقف على الرسائل التي يقدمها البنك المركزي بشأن مستقبل السياسة النقدية.
وإذا جاءت الزيادة متوافقة مع توقعات المستثمرين من دون إشارات إلى تشديد أكبر، فقد تحافظ بيتكوين على زخمها وتعيد اختبار مستوى 80 ألف دولار. أما مفاجأة الأسواق برسائل أكثر تشدداً، فقد تعيد الضغط على الأصول الرقمية. وبين تراجع النفط وصلابة التضخم واقتراب بيتكوين من حاجز نفسي جديد، أصبحت المعركة الحقيقية مرتبطة بما سيقوله الاحتياطي الاتحادي عن الخطوة التالية، وليس فقط بما سيقرره بشأن الفائدة الأسبوع المقبل.