تأثير نقص معدن المغنيسيوم في الصناعة وسلاسل الإمداد
المغنيسيوم معدن أساسي وحيوي، يلعب دوراً محورياً على مستوى الصحة والصناعات العالمية، حيث يدخل في أكثر من 300 إلى 600 تفاعل كيميائي وحيوي، ويُعتبر ثامن أكثر العناصر وفرة في القشرة الأرضية.
وبالإضافة إلى أهميته الصحية والغذائية، يتمتع المغنيسيوم بأهمية تجارية كبيرة.
الأهمية الاقتصادية للمغنيسيوم عالمياً
● المعادن الهيكلية الخفيفة: يُعد المغنيسيوم أخف معدن هيكلي في العالم؛ إذ تبلغ كثافته حوالي ربع كثافة الفولاذ وثلثي كثافة الألومنيوم.
● قطاع الطيران والنقل: تستخدمه الصناعات الحديثة في صناعة هياكل الطائرات والسيارات والأجهزة الإلكترونية، لتقليل الوزن ورفع كفاءة استهلاك الوقود.
● مياه البحار: يُعتبر المغنيسيوم ثالث أكثر المعادن ذوباناً في مياه البحر، مما يجعلها مصدراً متاحاً عالمياً للاستخراج والإنتاج الصناعي.
ولكن، شهدت الفترة الأخيرة نقصاً وأزمة في هذا المعدن عالمياً.
تشير أزمة المغنيسيوم العالمية بشكل أساسي إلى تحدٍ رئيسي في سلاسل الإمداد الصناعية، التي هددت كبرى الصناعات حول العالم.
أسباب أزمة المغنيسيوم في الصناعة وسلاسل الإمداد
المغنيسيوم معدن استراتيجي خفيف الوزن، يُستخدم بشكل أساسي لإنتاج سبائك الألومنيوم الضرورية لصناعات السيارات والطائرات والبناء والتعبئة والتغليف. وقد اندلعت أزمة إمدادات حادة لأسباب جيوسياسية وبيئية، من أبرزها:
1 – الاحتكار الصيني للإنتاج
تنتج الصين أكثر من 85 % من الإمدادات العالمية للمغنيسيوم. وتعتمد أوروبا، مثلاً، على الصين لتغطية 95 % من احتياجاتها، مما جعل العالم رهيناً لأي تغيير في السياسة الإنتاجية للصين.
وتتركز معظم هذه المصانع في مقاطعة شاندونغ ومدينة يولين في مقاطعة شنشي. ويجعل هذا التركّز الجغرافي المرتفع العالم بأكمله معتمداً على قرارات دولة واحدة وظروفها المحلية.
وبسبب الأسعار الصينية المنخفضة طوال العقود الماضية، أغلقت معظم المصانع في أوروبا وأمريكا أبوابها؛ لأنها لم تعد قادرة على المنافسة. ونتيجة لذلك، يستغرق بناء مصانع جديدة أو إيجاد مصادر بديلة، مثل الإنتاج في كندا أو الولايات المتحدة أو أستراليا، سنوات عديدة واستثمارات ضخمة، مما يترك سلاسل الإمداد عرضة للاضطرابات التي قد تصيب الإنتاج الصيني.
2 – أزمة الطاقة والقيود البيئية في الصين
يعتمد إنتاج المغنيسيوم في الصين على طريقة «بيدجون»، المستهلكة بكثافة للفحم والطاقة الكهربائية، بنحو 40 ميغاواط لكل طن. وفرضت الحكومة الصينية قيوداً صارمة لخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية، مما أدى إلى إغلاق عشرات المصانع، مثل تلك الموجودة في منطقة يولين بمقاطعة شنشي، وتخفيض الإنتاج إلى 40 % فقط.
وتُعد صناعة المغنيسيوم عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة، إذ تتطلب كميات هائلة من الكهرباء لصهر المواد الخام وتنقيتها، حيث يستهلك إنتاج أطنان من المغنيسيوم عشرات الميغاواط ساعة.
ويعتمد إنتاج الطاقة في الصين بشكل أساسي على محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم. وقد واجهت هذه المحطات أزمة حادة بسبب نقص إمدادات الفحم وارتفاع أسعاره عالمياً ومحلياً، بالتزامن مع وجود قيود على تسعير الكهرباء، مما دفع محطات توليد الطاقة إلى تقليص التشغيل لتجنب الخسائر.
وطبقت بكين خططاً بيئية صارمة لخفض انبعاثات الكربون واستهلاك الطاقة. وبما أن إنتاج المغنيسيوم يصدر كميات كبيرة من الملوثات الكربونية مقارنة بصناعات أخرى، استهدفت السلطات مصانع الصهر بشكل مباشر.
وأصدرت السلطات المحلية في مراكز الإنتاج الرئيسية، مثل مقاطعة شنشي، وتحديداً مدينة يولين التي تنتج نسبة ضخمة من المغنيسيوم الصيني، أوامر بوقف أو تخفيض الطاقة الإنتاجية للعديد من المصاهر بنسب تصل إلى 50 % أو أكثر.
3 – الحرب الروسية الأوكرانية
تعد روسيا وأوكرانيا من بين المنتجين الآخرين للمغنيسيوم. وتسببت العقوبات المفروضة على روسيا وتوقف المصانع في أوكرانيا في تعميق العجز العالمي ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
وعلى الرغم من أن الصين هي المهيمن الأكبر على إنتاج وتكرير المغنيسيوم عالمياً، بنسبة تتجاوز 80 %، فإن كلاً من روسيا وأوكرانيا تمتلكان مناجم ومصانع لإنتاج هذا المعدن وتعدينه.
وقد أدى فرض العقوبات الغربية الصارمة على روسيا، إلى جانب تضرر البنية التحتية والموانئ الأوكرانية وتوقف الإنتاج فيها، إلى خسارة إمداداتهما من السوق العالمي، مما زاد من حدة العجز.
وأدت الحرب في أوكرانيا إلى قفزات تاريخية في أسعار الغاز الطبيعي والنفط والكهرباء عالمياً، خاصة في أوروبا، مما رفع تكاليف التشغيل للمصاهر البديلة ودفع بعضها إلى الإغلاق أو خفض الإنتاج، لتصبح الأسواق أكثر ارتهاناً للإنتاج الصيني.
وتسببت الحرب في إغلاق موانئ حيوية في البحر الأسود، وارتفاع تكاليف الشحن البحري والجوي والتأمين، مما أعاق تدفق المعادن الحيوية والأساسية وصناعات السبائك بين الدول.
4 – انهيار الإنتاج المحلي في الدول الغربية
تفتقر الأسواق الغربية إلى بدائل فورية؛ فعلى سبيل المثال، أدى إعلان شركة «يو إس ماغنيسيوم» (US Magnesium)، المنتج الرئيسي والوحيد للمغنيسيوم الأولي في أمريكا الشمالية، عن إفلاسها وتوقف مصنعها بسبب أعطال فنية ومشكلات مالية، إلى جعل السوق الأمريكي معتمداً بشكل شبه كامل على الاستيراد والتدابير الحمائية.
5 – الاضطرابات اللوجستية وتكاليف الشحن
ساهمت تقلبات أسعار الشحن البحري، ونقص الحاويات، وطول فترات النقل عبر الممرات المائية الحيوية، إلى جانب التوترات الإقليمية، مثل اضطرابات الشحن في الشرق الأوسط التي أثرت على صادرات بعض الدول، في تعميق أزمة التوريد ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
6 – الزيادة في الطلب على السيارات الحديثة، خاصة السيارات الكهربائية
يتزايد الطلب على المغنيسيوم باعتباره عنصراً أساسياً في إنتاج سبائك الألومنيوم خفيفة الوزن. وتُعد هذه السبائك ضرورية لصناعة السيارات التقليدية والكهربائية، للمساهمة في زيادة مدى البطارية وتقليل الوزن، مما خلق فجوة واسعة بين العرض المحدود والطلب المتسارع.
ولجأ مصنعو السيارات إلى استبدال الحديد والصلب الثقيل بسبائك الألومنيوم والمغنيسيوم لإنتاج هياكل وأجزاء سيارات أخف وزناً؛ لأن المغنيسيوم من أخف المعادن الإنشائية، وقد دخل في تصنيع علب التروس وعجلات القيادة وهياكل المقاعد.
ومع نمو سوق السيارات الكهربائية، أصبح تخفيف وزن السيارة أمراً حاسماً لزيادة مدى البطارية، أي المسافة التي تقطعها السيارة بشحنة واحدة. وقد عزز هذا التحول أهمية المغنيسيوم في قطاع السيارات وزاد الاهتمام به بوصفه مادة تدخل في تصنيع مكونات خفيفة الوزن.