تدفقات الاستثمار تعيد تشكيل القوة النقدية
تحتاج أسواق الأوراق المالية الجديرة بالاستثمار إلى آليات فعالة تحد من القرارات الإدارية المتهورة، من خلال قواعد الإفصاح عن المعلومات، وعمليات الاندماج والاستحواذ، إلى جانب المؤسسات والأدوات التنظيمية والسوقية الأخرى التي تسهم في ترسيخ حوكمة الشركات وضبط أداء إداراتها.
ويمثل الإفصاح الدقيق عن المعلومات المتعلقة بالأوضاع التشغيلية للمؤسسة شرياناً أساسياً لسوق الأوراق المالية، إذ يعتمد المستثمرون بدرجة كبيرة على البيانات والتقارير المحاسبية لتقييم قيمة أصول المؤسسة وتحديد القيمة العادلة لأسهمها. وإذا تمكنت مؤسسة من التلاعب بتقاريرها المحاسبية أو تزويرها، فقد يؤدي ذلك إلى انهيار ثقة المستثمرين بها، وانعكاسه على قيمة أسهمها في السوق.
ولهذا تفرض الجهات التنظيمية في أسواق الأوراق المالية الناضجة عقوبات صارمة على المخالفات المرتبطة بالإفصاح عن المعلومات، فيما تبرز أهمية جودة المصارف الاستثمارية وشركات المحاسبة والمكاتب القانونية وغيرها من الجهات الوسيطة، باعتبارها مكونات أساسية في تطور الأسواق ورفع مستوى الانضباط والموثوقية فيها.
وترتبط قيمة أصول المؤسسة في بيئة السوق بدرجة كبيرة بكفاءة إدارتها وجودة القرارات التي تتخذها. فعندما تكون حقوق السيطرة على المؤسسة في أيدي أشخاص يتمتعون بالكفاءة، ترتفع احتمالات تحقيقها للأرباح، بما ينعكس إيجاباً على مختلف الأطراف المرتبطة بها، من المستثمرين والمديرين والعاملين إلى المستهلكين والحكومة.
أما انتقال حقوق السيطرة إلى مساهمين مسيطرين يفتقرون إلى الكفاءة، فقد يقود المؤسسة إلى الخسائر وتراجع قيمتها. وفي السوق الناضجة، يمكن أن يؤدي ضعف الأداء إلى انخفاض قيمة الأسهم، بما يتيح لمساهمين أكثر كفاءة شراء حصص فيها بأسعار منخفضة والوصول إلى موقع المساهم المسيطر.
وعندها يستطيع المساهم الجديد، إذا كان أكثر كفاءة، تغيير الإدارة وإعادة النظر في الاستراتيجية التشغيلية، بما قد يساعد المؤسسة على الانتقال من الخسائر إلى الأرباح. وفي المقابل، يمكن للمساهمين السابقين، رغم تراجع كفاءتهم الإدارية، الاستفادة من الارتفاع المحتمل في قيمة الأسهم بعد تحسن أداء المؤسسة.
تنويع القنوات يخفض المخاطر
تحتاج أسواق الأوراق المالية الجديرة بالاستثمار أيضاً إلى آليات فعالة لإدارة المخاطر، تشمل مراقبة المخاطر النظامية في سوق رأس المال والحد منها، وهي المخاطر التي يصعب على الأفراد أو المؤسسات تحييدها بصورة منفردة.
فعلى سبيل المثال، إذا أغلقت الصين جميع بورصاتها، فلن يجد الأفراد سوى قنوات محدودة لتوظيف مدخراتهم، مثل الودائع المصرفية والعقارات، وهو ما قد يؤدي إلى تركّز أكبر للمخاطر النظامية في القطاعين المصرفي والعقاري.
أما إتاحة الاختيار بين الاستثمار في الأسهم والسندات، فتسمح بتوزيع المدخرات على أدوات متعددة، بما قد يسهم في خفض المخاطر النظامية المرتبطة بالقطاعين المصرفي والعقاري. وإذا امتدت هذه الخيارات لتشمل الأسهم والسندات في الأسواق الخارجية، فإن تنويع الاستثمارات يمكن أن يخفف المخاطر النظامية على نطاق أوسع، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بسوق الأوراق المالية نفسه.
وبعبارة أخرى، فإن توفير قنوات استثمار متعددة أمام الأفراد، داخل الأسواق المحلية وخارجها، يتيح توزيع المدخرات على نطاق أوسع من الأصول، ويحد من تركّز المخاطر داخل النظام المالي، كما يمنح المستثمرين قدرة أكبر على توزيع أموالهم بين أدوات وأسواق مختلفة.
الاحتياطيات الأجنبية بين
الوفرة والالتزامات
في مارس 2006، تجاوزت الاحتياطيات الأجنبية للصين حاجز 850 مليار دولار أميركي، متقدمة على اليابان لتصبح صاحبة أكبر احتياطيات أجنبية في العالم. لكن تقييم حجم هذه الاحتياطيات لا يمكن أن يعتمد على القيمة المطلقة وحدها، بل يحتاج إلى مقارنتها بحجم الاقتصاد وعدد السكان وحجم التدفقات الاستثمارية.
فعند احتساب الأرقام بالدولار الأميركي، تبدو احتياطيات اليابان أكبر بنحو ثلاثة أضعاف نظيرتها الصينية قياساً بحجم الاقتصاد، بينما تكشف المقارنة على أساس نسبة الاحتياطيات الأجنبية إلى الناتج المحلي الإجمالي صورة مختلفة، إذ يبلغ المعدل في الصين نحو ثلاثة أضعاف نظيره في اليابان. وقد يبدو ذلك مرتفعاً للوهلة الأولى، إلا أن عدد سكان الصين يعادل نحو عشرة أضعاف سكان اليابان، ما يعني أن نصيب الفرد الصيني من الاحتياطيات الأجنبية لا يتجاوز عُشر نظيره الياباني.
وتبرز المقارنة مع الهند صورة أخرى؛ فالبلدان متقاربان من حيث عدد السكان، لكن الاحتياطيات الأجنبية للهند بلغت نحو 150 مليار دولار فقط، أي ما يعادل نحو سدس الاحتياطيات الصينية. ومن ثم، فإن تقييم ما إذا كانت الاحتياطيات الصينية مرتفعة أو منخفضة يتوقف بدرجة كبيرة على معيار المقارنة المستخدم.
ومع تزايد أعداد المستثمرين في الصين، يرتفع إصدار العملة المحلية وتتزايد في المقابل الاحتياطيات الأجنبية. لكن ما طبيعة هذه الاحتياطيات؟ ببساطة، هي عملات أجنبية تدخل إلى النظام النقدي وتصبح تحت إدارة المصرف المركزي بصورة مؤقتة، مقابل إصدار الرنمينبي للمستثمرين.
ويحتاج المستثمرون، عند الرغبة في تحويل ما لديهم من رنمينبي إلى عملات أجنبية ومغادرة الصين، إلى قدرة المصرف المركزي على تلبية طلباتهم. وإذا لم تكن الاحتياطيات الأجنبية كافية، فقد تعجز السلطات النقدية عن الوفاء بالتزاماتها، الأمر الذي قد يثير حالة من الهلع بين المستثمرين الراغبين في الخروج، كما حدث خلال الأزمة المالية الآسيوية في تايلاند وكوريا الجنوبية ودول آسيوية أخرى، عندما اضطرت بعض الدول إلى بيع أصولها للأجانب للحصول على العملات الأجنبية.
ومن هنا، فإن الاحتياطيات الأجنبية ليست دخلاً مالياً متاحاً للحكومة لتوجيهه بحرية إلى الإنفاق العام، مثل تمويل مشاريع البنية التحتية، وإنما تمثل في جانب مهم منها أصولاً يحتفظ بها المصرف المركزي لضمان قدرته على تلبية الالتزامات المرتبطة بالعملة المحلية.
هويجين توظف الاحتياطيات
يختلف استخدام جزء من الاحتياطيات الأجنبية لتغطية احتياجات رأس المال في المصارف التجارية المملوكة للدولة عن توجيهها إلى الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، إذ يمكن أن يمثل ذلك آلية استثمارية بدلاً من استهلاك الاحتياطيات.
وفي هذا السياق، كانت شركة «هويجين» المركزية للاستثمار تمتلك نحو 60 مليار دولار أميركي في صورة مساهمات رأسمالية في عدد من المصارف التجارية الحكومية. وهذه الأموال، باعتبارها عملة أجنبية مستثمرة في أصول مالية، لا تُستهلك بالمعنى المباشر. وعند حدوث نقص في الاحتياطيات الأجنبية، يمكن استعادة قيمتها من خلال استخدام ما يعادلها بالرنمينبي لشراء حقوق «هويجين» في المصارف الحكومية، أو بيع هذه الحقوق إلى مستثمرين أجانب، بما يسمح باستعادة الاحتياطيات الأجنبية التي جرى استخدامها.
وبذلك، تتحول «هويجين» عملياً إلى مساهم في المصارف التجارية الحكومية باستخدام جزء من الاحتياطيات الأجنبية، بما يعني توظيف جزء من هذه الاحتياطيات في أصول مالية بدلاً من استهلاكها في الإنفاق. غير أن هذا النوع من الاستثمار لا يخلو من المخاطر، إذ إن انخفاض قيمة حقوق «هويجين» أو فقدانها لقيمتها يمكن أن ينعكس بدوره على قيمة الاحتياطيات الأجنبية.
الاستثمار الأجنبي يفسر الفائض
يرتبط أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع الاحتياطيات الأجنبية الصينية مقارنة باليابان والهند بحجم الاستثمار الأجنبي المباشر الذي استقطبته الصين. وإذا تعرض الاقتصاد والنظام المالي الصيني لاضطراب حاد، فقد يترتب على ذلك خروج جزء كبير من رؤوس الأموال الأجنبية المتراكمة على مدى أكثر من 20 عاماً، إلى جانب الأرباح المتحققة على هذه الاستثمارات، وهو ما قد يجعل الاحتياطيات الأجنبية غير كافية لتغطية تلك الالتزامات المحتملة.
وإذا جرى احتساب التدفقات على أساس متوسط سنوي يبلغ 50 مليار دولار أميركي خلال السنوات الـ15 السابقة، فإن قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم خلال تلك الفترة تصل إلى نحو 750 مليار دولار، حتى قبل احتساب الأرباح الرأسمالية. ومع إضافة هذه الأرباح، يمكن أن يتجاوز مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر المستوى البالغ 850 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية.
وتتكون الاحتياطيات الأجنبية الصينية بصورة رئيسية من تدفقات الدولار الأميركي الناتجة عن الاستثمار الأجنبي المباشر، إلى جانب الفائض التجاري، أي التدفقات الدولارية الناجمة عن تجاوز قيمة الصادرات للواردات. وقد حقق المصدرون الصينيون إيرادات بالعملات الأجنبية، لكنهم لم يرغبوا في الاحتفاظ بها، فاختاروا بيعها إلى بنك الشعب الصيني مقابل الحصول على الرنمينبي.
الاحتفاظ بالحسابات الشخصية
خلال فترات العجز السابقة في العملات الأجنبية، كان الأفراد في الصين يفضلون الاحتفاظ بحسابات شخصية بالعملات الأجنبية، ولذلك لم ترتفع احتياطيات بنك الشعب الصيني بصورة كبيرة. لكن خلال السنوات اللاحقة، ومع انتشار المضاربات على ارتفاع قيمة الرنمينبي، بدأ الأفراد يتخلون تدريجياً عن الاحتفاظ باحتياطياتهم الخاصة من العملات الأجنبية، وهو ما أسهم جزئياً في النمو السريع لاحتياطيات بنك الشعب الصيني.
غير أن زيادة الاحتياطيات الأجنبية ليست بالضرورة مؤشراً إيجابياً في جميع الظروف. فإذا كانت هذه الزيادة ناتجة عن تدفقات قصيرة الأجل لرؤوس الأموال الدولية المضارِبة، فإنها تؤثر في عرض الرنمينبي على المدى القصير، ما يفرض على المصرف المركزي اتخاذ إجراءات تحوطية، من خلال إصدار الرنمينبي بالتزامن مع شراء الدولار الأميركي، ثم امتصاص السيولة بالعملة المحلية من السوق لتجنب الضغوط التضخمية.
وقد نجحت عمليات التحوط التي نفذها بنك الشعب الصيني بدرجة كبيرة خلال السنوات السابقة، وساعدت في الحد من الآثار التضخمية المحتملة لتدفقات رأس المال الدولي. إلا أن إدارة هذه العملية ستصبح أكثر تعقيداً مع تخفيف القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال.
الفائض التجاري وسعر الصرف
استمرت النقاشات حول رفع قيمة الرنمينبي والفائض التجاري بين الصين والولايات المتحدة لسنوات طويلة. وكان من بين التصورات الشائعة في الإعلام الغربي الربط بين الفائض التجاري والقدرة التنافسية وسعر الصرف، انطلاقاً من أن الفائض التجاري الصيني يعكس قوة تنافسية كبيرة، وأن ارتفاع قيمة الرنمينبي سيضعف القدرة التنافسية للصين، وبالتالي يؤدي إلى خفض فائضها التجاري.
ومن هذا المنطلق، كانت الولايات المتحدة تدفع باتجاه ارتفاع قيمة الرنمينبي، في حين لم تكن المؤسسات الصينية المصدرة ترى مصلحة في ذلك. ونتيجة لذلك، تحولت المناقشات حول سعر الصرف تدريجياً إلى قضية سياسية شديدة الحساسية، بدلاً من أن تبقى في إطارها الاقتصادي والنقدي.
وقد تناول عدد من الاقتصاديين والباحثين خيارات نظام سعر الصرف بصورة أكثر هدوءاً وموضوعية، من زوايا السياسة النقدية، والتحكم في الأسعار، والقوة الشرائية وتوزيع الثروة. إلا أن كثيراً من هذه المناقشات يتسم بدرجة عالية من التخصص والتعقيد، ما يجعل فهم جوهرها صعباً حتى بالنسبة إلى طلاب الاقتصاد، فضلاً عن غير المتخصصين.
لكن ما المقصود بالفائض التجاري؟ إنه ببساطة تجاوز قيمة الصادرات لقيمة الواردات، أو ما يعرف بصافي الصادرات. وتمثل العملات الأجنبية الناتجة عن صافي الصادرات صافي مدخرات الصين السنوية في الخارج، أو، من زاوية أخرى، صافي فائض رأس المال السنوي أو صافي صادرات رأس المال.
ولا يعني صافي صادرات رأس المال بالضرورة أن الصين تتمتع بقدرة تنافسية استثنائية، بل يمكن أن يعكس في المقابل ضعف القدرة على توظيف المدخرات داخل النظام المالي المحلي. وتبرز هنا مفارقة اقتصادية مهمة؛ ففي الوقت الذي تمتلك فيه الصين فائضاً كبيراً من قوة العمل، فإنها تحتاج أيضاً إلى رأس مال فعال لاستيعاب هذه العمالة وتوليد فرص اقتصادية جديدة.
ولا تعاني الصين بالضرورة نقصاً في رواد الأعمال القادرين على خلق النشاط الاقتصادي، وإنما يكمن التحدي في الجمع بكفاءة بين فائض رأس المال وفائض قوة العمل، بما يسمح بتحويل الاثنين إلى مصادر لتكوين الثروة.