ترمب يربط الفائدة بالتجارة الأميركية
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطه على «الاحتياطي الفيدرالي»، منتقلاً من المطالبة بخفض أسعار الفائدة إلى التهديد باستخدام التجارة الخارجية أداة للضغط على البنك المركزي، في خطوة غير معتادة تزيد تعقيدات المشهد الاقتصادي الأميركي.
وقال ترمب إنه قد يوقف التجارة مع الدول التي تسجل الولايات المتحدة عجزاً تجارياً معها إذا لم يخفض «الفيدرالي» الفائدة، معتبراً أن هذا الخيار قد يكون أفضل من فرض الرسوم الجمركية.
وتأتي التهديدات في توقيت حساس، بعدما أظهرت بيانات الوظائف لشهر أغسطس قوة أكبر من المتوقع، ما دفع الأسواق إلى زيادة رهاناتها على احتمال رفع الفائدة بدلاً من خفضها، بينما يترقب المستثمرون بيانات التضخم قبل اجتماع «الفيدرالي» في 15 و16 سبتمبر.
ويضع ذلك رئيس البنك المركزي كيفين وارش أمام معادلة صعبة تجمع بين ضغوط البيت الأبيض الداعية إلى تيسير السياسة النقدية ومؤشرات اقتصادية قد تدفع «الفيدرالي» في الاتجاه المعاكس.
اختبار الاستقلالية
دعا ترمب مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض أسعار الفائدة، قائلاً في منشور على منصة «تروث سوشيال»: «اخفضوا الفائدة أو سأوقف التجارة مع الدول التي لدينا عجز معها»، مطالباً أعضاء المجلس بالتصرف بما وصفه بـ«الوطنية».
لكن تصريحات مسؤولي «الفيدرالي» تشير إلى أن القرار سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار التضخم، إذ ألمح وارش إلى استعداده لدعم رفع أسعار الفائدة إذا ظلت ضغوط الأسعار مرتفعة.
وأكد خلال ندوة «جاكسون هول» ضرورة أن يكون البنك واثقاً من تحرك التضخم الأساسي نحو المستهدف البالغ 2 % بوضوح وبسرعة كافية.
كما أبدى محافظ «الاحتياطي الفيدرالي» مايكل بار استعداداً للتصويت لمصلحة رفع الفائدة قريباً إذا لم تظهر بيانات التضخم تقدماً كافياً، بينما فضل كريس والر الانتظار لمراقبة الاقتصاد، مع تأكيده إمكانية دعم الرفع إذا لم تتراجع الضغوط التضخمية.
وتكشف هذه المواقف الفجوة بين مطالب البيت الأبيض والتقييم النقدي داخل البنك المركزي، ما يجعل اجتماع سبتمبر اختباراً جديداً لاستقلالية السياسة النقدية الأميركية.
ضغوط التضخم
تزداد صعوبة مهمة «الفيدرالي» مع بقاء التضخم أعلى بكثير من مستهدفه البالغ 2 %، إذ ارتفع المعدل السنوي إلى 3.4 % في يوليو، بزيادة نقطة مئوية كاملة منذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير. وكان ارتفاع أسعار النفط والغاز من أبرز أسباب هذه الزيادة، بعدما أدت صعوبات عبور ناقلات النفط مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وهو ما انعكس على تكاليف الشركات.
ودفعت هذه التطورات عدداً من الشركات إلى التحذير من زيادات إضافية في أسعار السلع والخدمات، ما يرفع مخاطر استمرار التضخم ويقلص قدرة «الفيدرالي» على الاستجابة لمطالب ترمب بخفض الفائدة.
ولهذا تكتسب بيانات أسعار المستهلك المرتقبة أهمية استثنائية، إذ يمكن أن تحسم اتجاه النقاش داخل البنك المركزي قبل اجتماع 15 و16 سبتمبر.
فاستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يعزز مبررات التشديد النقدي، بينما قد يمنح أي تباطؤ واضح في الأسعار المسؤولين مساحة أكبر للإبقاء على الفائدة دون تغيير.
سلاح التجارة
قد يؤدي تنفيذ تهديد ترمب التجاري إلى نتيجة معاكسة للهدف الذي يسعى إليه، إذ إن وقف التجارة مع الدول التي تسجل الولايات المتحدة عجزاً معها يمكن أن يرفع الأسعار بدلاً من خفضها.
وبلغ العجز التجاري الأميركي مع مختلف الشركاء نحو 1.2 تريليون دولار العام الماضي، فيما سجلت الولايات المتحدة أكبر عجز منفرد مع الصين بأكثر من 200 مليار دولار، تلتها المكسيك وفيتنام.
وإذا توقفت التجارة مع هذه الأسواق، ستضطر الشركات الأميركية إلى البحث عن موردين بديلين، وهو أمر قد يكون صعباً في بعض الصناعات التي تعتمد على سلاسل توريد مترابطة.
ومن شأن ذلك رفع تكاليف المدخلات وإحداث اضطرابات في الإمدادات، قبل انتقال جزء من التكلفة إلى المستهلكين، ما يضيف موجة جديدة من الضغوط التضخمية ويجعل خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة.
«الفيدرالي» أمام اختبار صعب
تكشف المواجهة الجديدة عن تناقض بين أهداف ترمب ومسار المؤشرات الاقتصادية، فبينما يطالب الرئيس بخفض الفائدة ويهدد باستخدام التجارة للضغط على «الفيدرالي»، تدفع قوة سوق العمل والتضخم البالغ 3.4 % بعض المسؤولين إلى التفكير في رفعها. وقد يزيد وقف التجارة مع دول العجز المشكلة تعقيداً عبر رفع تكاليف السلع والإمدادات. لذلك يتحول اجتماع سبتمبر إلى اختبار مزدوج لقدرة «الفيدرالي» على احتواء التضخم والمحافظة على استقلالية قراره النقدي في مواجهة ضغوط سياسية وتجارية متزايدة.