تشديد الفائدة يهبط بالبيتكوين دون 83 ألف دولار
تراجعت أسعار العملات المشفرة خلال تعاملات الاثنين، مع انحسار شهية المستثمرين تجاه المخاطرة في ظل تصاعد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، وما يترتب عليها من احتمالات بقاء السياسة النقدية الأميركية متشددة لفترة أطول. وانخفضت البيتكوين بأكثر من 2 % لتتداول دون مستوى 83 ألف دولار، فيما تعرضت العملات الرقمية الرئيسية الأخرى لضغوط مماثلة، وسط ترقب الأسواق حزمة من البيانات الاقتصادية الأميركية المهمة هذا الأسبوع، والتي قد تعيد رسم توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة.
ضغوط متزايدة
وهبطت البيتكوين 2.12 % إلى 82906.75 دولارات، فاقدة نحو 1811 دولاراً خلال التعاملات، لتتجاوز خسائر أكبر عملة مشفرة في العالم 5 % منذ بداية العام. ويعكس الهبوط حساسية سوق الأصول الرقمية للتغيرات في توقعات السياسة النقدية الأميركية، خصوصاً أن العملات المشفرة تستفيد عادة من زيادة السيولة وتراجع تكلفة الأموال، بينما تواجه ضغوطاً عندما ترتفع الفائدة والعوائد ويزداد إقبال المستثمرين على الأصول التقليدية المدرة للدخل.
وجاءت موجة البيع بالتزامن مع تصاعد المخاوف بشأن التضخم، ما عزز توقعات استمرار التشديد النقدي في الولايات المتحدة. ويؤدي ارتفاع توقعات الفائدة إلى زيادة جاذبية أدوات الدخل الثابت والدولار، في مقابل تراجع الإقبال على الأصول عالية المخاطر التي لا توفر عائداً ثابتاً، وهو ما يجعل العملات المشفرة من بين الفئات الأكثر حساسية لأي تحول في توقعات السياسة النقدية.
وتتزامن الضغوط على سوق العملات الرقمية مع حالة حذر أوسع نطاقاً في الأسواق العالمية، إذ يعيد المستثمرون تقييم محافظهم على أساس احتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة. ويصبح هذا العامل أكثر أهمية بالنسبة للبيتكوين بعدما أصبحت تحركاتها أكثر ارتباطاً في فترات عديدة بأداء أسهم التكنولوجيا والأصول عالية المخاطر، ما يجعل توقعات السيولة الأميركية عاملاً أساسياً في تحديد اتجاهها.
ولم تقتصر الخسائر على البيتكوين، إذ انخفضت الإيثريوم 1.84 % إلى 2645.99 دولاراً، بخسارة بلغت 49.59 دولاراً، بينما سجلت الريبل أداء أكثر ضعفاً وهبطت 3.20 % إلى 1.4744 دولار، فاقدة نحو 0.0488 دولار. ويشير التراجع المتزامن للعملات الرئيسية إلى أن ضغوط البيع ترتبط باتجاه عام في شهية المستثمرين أكثر من ارتباطها بتطورات خاصة بعملة بعينها.
ترقب البيانات
وتتجه الأنظار خلال الأسبوع الجاري إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الأميركية التي يمكن أن تحدد اتجاه العملات المشفرة والأسواق المالية بصورة أوسع، وفي مقدمتها مقياس التضخم المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب بيانات التوظيف في القطاع الخاص وتقرير الوظائف غير الزراعية.
وتحمل أرقام التضخم أهمية خاصة، لأن أي قراءة تشير إلى استمرار ارتفاع الأسعار قد تعزز قناعة المستثمرين بأن البنك المركزي الأميركي سيحتاج إلى المحافظة على سياسة نقدية متشددة. وفي المقابل، فإن ظهور مؤشرات أكثر وضوحاً على تباطؤ التضخم يمكن أن يقلل الضغوط على الأصول عالية المخاطر من خلال تخفيف توقعات الفائدة والعوائد.
كما ستكون بيانات سوق العمل تحت المجهر، نظراً إلى تأثير قوة التوظيف والأجور في قرارات الاحتياطي الفيدرالي. فسوق عمل قوية يمكن أن تمنح البنك المركزي مساحة أكبر لمواصلة مواجهة التضخم من دون مخاوف كبيرة بشأن النشاط الاقتصادي، بينما قد تؤدي مؤشرات التباطؤ الواضحة إلى إعادة تقييم المسار المتوقع للسياسة النقدية.
وبالنسبة للعملات المشفرة، لا تقتصر أهمية هذه البيانات على تأثيرها المباشر في أسعار الفائدة، وإنما تمتد إلى الدولار وعوائد سندات الخزانة والسيولة في الأسواق. فكلما ارتفعت العوائد الحقيقية وتعززت العملة الأميركية، زادت المنافسة أمام الأصول الرقمية على رؤوس أموال المستثمرين، خصوصاً في الفترات التي تتراجع فيها الرغبة في تحمل المخاطر.
اختبار البيتكوين
ويضع الهبوط الأخير مستوى 83 ألف دولار في دائرة اهتمام المستثمرين بعد نزول البيتكوين دونه، خصوصاً مع تراكم خسائر تتجاوز 5 % منذ بداية العام. وبعد الفترات التي استفادت خلالها الأصول الرقمية من زيادة شهية المخاطرة والتدفقات الاستثمارية، أصبحت السوق مطالبة الآن بالتعامل مع بيئة أكثر تحدياً تجمع بين مخاوف التضخم وتشديد السياسة النقدية وتقلب الأسواق العالمية.
ويزيد الأداء الأضعف لبعض العملات الأخرى من وضوح حالة الحذر، إذ تجاوز انخفـاض الريبـل 3 %، بينما فقدت الإيثريوم قرابة 2 %، ما يعكس اتساع نطاق عمليات البيع وعدم اقتصارها على البيتكوين. ويمكن أن تظل التقلبات مرتفعة خلال الأيام المقبلة مع صدور البيانات الأميركية تباعاً وإعادة المستثمرين تسعير توقعاتهم بشأن الفائدة.
وتبقى حركة البيتكوين والعملات الرئيسية مرتبطة بدرجة كبيرة بنتائج تلك البيانات؛ فأي مفاجأة تضخمية صعودية أو قوة أكبر من المتوقع في سوق العمل يمكن أن تعزز سيناريو استمرار التشديد النقدي وتزيد الضغوط على الأصول عالية المخاطر. وفي الاتجاه المقابل، قد يمنح تباطؤ التضخم أو ظهور علامات ضعف في سوق العمل العملات الرقمية مساحة لاستعادة جانب من خسائرها. وحتى تتضح الصورة، تبقى السوق أمام اختبار للسيولة وشهية المخاطرة، مع تحول السياسة النقدية الأميركية مجدداً إلى المحرك الأبرز لتحركات العملات المشفرة.