ثورة الفينتك في الكويت
يشهد القطاع المصرفي والمالي في الكويت تحولاً هيكلياً شاسعاً مع تسارع وتيرة التكنولوجيا المالية «الفينتك»، والتي نجحت في إعادة رسم خريطة تدفق الأموال، وتغيير السلوك الاستهلاكي اليومي للمواطنين والمقيمين، فضلاً عن جذب حصة جوهرية من السيولة الاستثمارية نحو منصات المدفوعات والاستثمار الذكي.
تراجع المعاملات النقدية
كشفت أحدث البيانات الصادرة عن بنك الكويت المركزي أن إجمالي عمليات الدفع الإلكتروني في الكويت بلغت 27.92 مليار دينار خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، عبر تنفيذ أكثر من 809.6 مليون معاملة إلكترونية، بنمو قدره 5 % مقارنة بالفترة نفسها من العام السابـق.
وفي المقابل، تراجعت عمليات السحب النقدي عبر أجهزة السحب الآلي (ATM) بنسبة 5.4 % لتصل إلى 4.36 مليار دينار، مما يؤكد تراجع الاعتماد على النقد الكاش واستحواذ المعاملات اللا تلامسية والرقمية على نحو 78 % من إجمالي قيمة معاملات التجزئة في البلاد.
التكنولوجيا المالية
مع تجاوز نسبة اختراق الهواتف الذكية في الكويت حاجز 98 % ووصول نسبة الشمول المالي للبالغين إلى 95 %، شهدت وسائل الدفع اللحظي طفرة قياسية. فقد سجلت خدمة «ومض» للدفع اللحظي عبر الهاتف قفزة نمو بنسبة 52.3 % في القيمة الإجمالية لتصل إلى 5.55 مليار دينار في النصف الأول من 2026 عبر 85.6 مليون معاملة بزيادة 78.6 % في حجم العمليات.
ودفعت هذه المرونة الشديدة المستهلكين إلى الاعتماد اليومي على المحافظ الرقمية وتطبيقات تتبع الميزانيات والادخار التلقائي.
البيئة التنظيمية
يلعب بنك الكويت المركزي دوراً حاسماً عبر تطوير البيئة التنظيمية التجريبية التي سمحت لأكثر من 120 شركة تكنولوجيا مالية وشركة ناشئة باختبار تطبيقاتها في بيئة آمنة. واشتملت التحديثات الأخيرة الصادرة عن شبكة «كي نت» على تطوير بوابة الدفع عبر إلغاء خطوة اختيار البنك لتسريع المعاملات ورفع المعايير الأمنية عبر التوثيق بكلمة المرور المرة الواحدة OTP، مما يقلل مخاطر الاحتيال ويُعزز ثقة المتعاملين.
الاستثمارات الشبابية
اتجهت رؤوس الأموال الشابة والمستثمرون الأفراد نحو جولات التمويل الجريء الموجهة لقطاع الفينتك بدلاً من الأصول التقليدية، وتشير التقديرات إلى أن سوق بطاقات الدفع والحلول المالية في الكويت يُتوقع له النمو بمعدل سنوي مركب قدره 10.5 % ليرتفع من 2.2 مليار دولار في 2025 ليصل إلى 5.40 مليار دولار بحلول عام 2034، وهو ما فتح آفاقاً استثمارية واعدة أمام ريادة الأعمال الشبابية في الكويت.
الشراء الآن والدفع لاحقاً
أحدثت نماذج «الشراء الآن والدفع لاحقاً» تحولاً كبيراً في قطاع التجارة الإلكترونية بالكويت، الذي تجاوز حجم تعاملاته السنوية 3 مليارات دولار مع وجود أكثر من 4.5 مليون متسوق رقمي.
ويتم إجراء أكثر من 85 % من عمليات الشراء عبر الهواتف المحمولة، حيث تستحوذ شبكة «كي نت» والمحافظ الرقمية والتطبيقات التمويلية على أكثر من 70% من إجمالي المدفوعات الإلكترونية للمتاجر.
الاستثمار الذكي
أتاح إدماج الذكاء الاصطناعي والخوارزميات عبر تطبيقات المستشار الآلي للمستثمرين الجدد التداول وإدارة المحافظ بمرونة عالية، مع خفض العمولات وتوفير تحليلات لحظية للمخاطر.
وأسهم هذا التحول في جذب شرائح واسعة من الشباب نحو ادخار واستثمار أجزاء من دخلهم في الأسواق المحلية والعالمية بطرق مؤسسية ومدروسة.
الأمن السيبراني
مع ضخامة حجم التعاملات الرقمية، كثفت البنوك الكويتية استثماراتها في التقنيات السيبرانية والتشفير المتقدم ونظم التوكين.
واستهدفت هذه الاستثمارات حماية البيانات المالية وتعزيز أمان المعاملات اللا تلامسية التي أصبحـت تشكـل 64 % من إجمالي التعاملات بالبطاقات المصرفية.
الشراكات بين البنوك
بدلاً من الصدام أو المنافسة، اتجهت البنوك الكبرى في الكويت نحو الشراكة والتكامل مع المنصات الناشئة. وأسهمت هذه الشراكات في إطلاق خدمات مشتركة سريعة وتوفير واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة لتقديم تجارب مصرفية مخصصة.
تحديات المنافسة
على الرغم من النمو القوي، تفرض المنافسة الإقليمية في منطقة الخليج حتمية التسريع في إصدار الأطر التشريعية للمصرفية المفتوحة والأصول المرمزة. وتحتاج الشركات الكويتية الناشئة للقدرة على التوسع العابر للحدود لجذب الكفاءات البرمجية وتوسيع قاعدة عملائها.
الآفاق المستقبلية
تؤكد القراءة الاقتصادية لبيانات عام 2026 أن قطاع التكنولوجيا المالية يمثل محركاً رئيسياً للتنوع الاقتصادي غير النفطي وضمن أهداف رؤية «كويت جديدة». ويسهم التوسع الرقمي في خفض التكاليف التشغيلية للقطاع المصرفي وزيادة الإنتاجية الاقتصادية، مما يدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي ويوفر فرص عمل جديدة عالية التخصص للشباب الكويتي