حقوق الملكية وأثرها في كفاءة الاقتصاد
يقوم نظام حقوق الملكية على شرطين أساسيين. يتمثل الأول في ندرة الموارد، إذ لا تصبح عملية تحديد حقوق الملكية ذات جدوى اقتصادية إلا عندما تكون الموارد محدودة. ورغم أن تحديد هذه الحقوق قد يكون مفيداً في بعض الحالات حتى مع وفرة الموارد، فإن فرض الحقوق الحصرية وحمايتها وإنفاذها ينطوي عادةً على تكاليف مرتفعة، وقد تتجاوز هذه التكاليف المكاسب المتحققة منها.
ويتمثل الهدف من تحديد حقوق الملكية للموارد النادرة، الملموسة وغير الملموسة، في إنشاء حقوق حصرية تتيح لأصحابها الاستفادة من تلك الموارد. وتوفر هذه الحقوق حوافز للأفراد للتوسع والابتكار بصورة مستمرة بهدف تحقيق عوائد اقتصادية، بما يسهم في الحد من ندرة الموارد بمرور الوقت، على غرار الدور الذي أدته براءات الاختراع في تحفيز مزيد من الابتكارات.
أما الشرط الثاني، فيتمثل في إمكانية فرض رقابة حصرية على استخدام الموارد النادرة. وينطبق ذلك، على سبيل المثال، على موارد المياه العذبة، التي تتوافر في مناطق محدودة، بينما يصعب منع الآخرين من استخدام مياه الأمطار قبل سقوطها. ولذلك، يصبح من الصعب عملياً تحديد حقوق ملكية لمياه الأمطار التي لم تسقط بعد.
حماية الحقوق
وبالتالي، فإن وجود نظام فعال لحقوق الملكية يتطلب، من الناحية النظرية، أن تكون قيمة الحقوق المتوقعة أكبر من تكاليف تحديدها وحمايتها وإنفاذها، وتدعم بعض الوقائع التاريخية هذه النظرية، إذ كان الصيد في غابات شمال شرق الولايات المتحدة غير مقيد قبل ظهور سوق الفراء الأوروبي، قبل أن تؤدي التغيرات في قيمة الموارد والحوافز الاقتصادية إلى تطور ترتيبات أكثر تحديداً لحقوق الملكية.
ويرتبط تطور نظام حقوق الملكية بصورة وثيقة بالتغيرات التي تطرأ على الأنظمة الاقتصادية والقانونية والمجتمعية والسياسية. فالتطور التاريخي يؤدي بصورة مستمرة إلى استبدال الترتيبات المؤسسية القائمة بترتيبات جديدة، نتيجة الحاجة إلى التكيف مع واقع اقتصادي واجتماعي دائم التغير.
ويظهر التغير المؤسسي عادةً في مسارين رئيسيين: من القاعدة إلى القمة، ومن القمة إلى القاعدة. ففي المسار الأول، ينشأ الابتكار المؤسسي بصورة تلقائية من الأفراد والمجموعات التي تستفيد من فرص الربح الناتجة عن أوجه القصور في الترتيبات القائمة. وغالباً ما يظهر ذلك في التغيرات التي تطرأ على العقود وأشكال التعاون والابتكار بين الوحدات الاقتصادية المختلفة.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالتغيرات المؤسسية التي تفرضها السلطات العامة، وتظهر عادةً في صورة تعديلات اقتصادية وسياسية وقانونية وغيرها من التغييرات الجوهرية في بنية المؤسسات داخل الدولة.
ويتطور المجتمع من خلال التفاعل المتبادل بين هذين المسارين من التغيير المؤسسي، إذ يمكن للمبادرات التي تنشأ من الأفراد والأسواق أن تدفع نحو تعديلات مؤسسية، كما يمكن للقرارات والقواعد التي تصدر عن السلطات العامة أن تعيد تشكيل الحوافز والبيئة التي تتحرك فيها الوحدات الاقتصادية.
وتبدأ التغيرات المؤسسية من التصور الذي يكوّنه البشر للعالم من حولهم. ووفقاً لهذا التصور، تتشكل لدى الأفراد والمجتمعات مجموعة من الآراء والمعتقدات التي تتطور لاحقاً إلى ترتيبات مؤسسية، تتضمن سياسات وقواعد ملائمة. وتؤثر هذه الترتيبات بدورها في التصورات الأولية للأفراد وتدفعها إلى التطور، ومع تغير الواقع المحيط، تتشكل معتقدات وأفكار جديدة، لتستمر هذه الدورة في دفع المجتمع البشري نحو التطور بصورة متواصلة.
ومن أبرز سمات التغير المؤسسي اعتماده على المسار، إذ تظل المؤسسات الجديدة مقيدة إلى حد كبير بالمؤسسات السابقة، ولا تستطيع الانفصال بصورة كاملة عن الأسس التي قامت عليها. وينشأ هذا الاعتماد، من ناحية، عن استمرار انتقال الثقافة وتوارثها، بما يجعل الانتقال بين الأنظمة العقائدية القديمة والجديدة عملية تدريجية، ولا يسمح عادةً بحدوث قفزات مفاجئة خلال مسار التغير المؤسسي.
ومن ناحية أخرى، يرتبط الاعتماد على المسار بطبيعة الترتيبات المؤسسية القائمة، إذ توجد دائماً منظمات يعتمد وجودها وتطورها على هذه الترتيبات، وتكون لديها حوافز للحفاظ على المؤسسة القائمة، الأمر الذي يشكل أساساً جزئياً لاستمرار الاعتماد على المسار.
إصلاح المؤسسات
منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، خضعت بعض البلدان ذات الاقتصادات المخططة لإصلاحات تهدف إلى الانتقال نحو آليات السوق، شملت تحرير الأسعار، والخصخصة، وتحرير الأسواق وغيرها من الإجراءات. وغالباً ما واجهت المؤسسات المملوكة للدولة في الاقتصادات المتحولة مشكلات تتعلق بحقوق ملكية ناقصة أو غير متلائمة.
ويقصد بحقوق الملكية الناقصة الحالات التي تستخدم فيها الدول القوانين وغيرها من الوسائل لتقييد حقوق الملكية، بما يشمل القيود المفروضة على الملكية والدخل والأسعار والتبادلات. وتظهر هذه القيود بصورة خاصة في الاقتصادات المخططة والمؤسسات المملوكة للدولة، وقد تؤدي إلى خسائر في الكفاءة الاقتصادية.
أما حقوق الملكية غير المتلائمة، فتشير إلى عدم توافق حقوق الرقابة والمكاسب المرتبطة بالموارد مع الأفراد أو المنظمات التي تتولى استخدامها أو إدارتها، بما قد يؤدي إلى تضارب في المصالح، ونزاعات حول حقوق الملكية، وخسائر في الكفاءة الاقتصادية.
وفي المؤسسات المملوكة للدولة، تتوزع حقوق الرقابة والمكاسب بصورة غير مكتملة وغير متلائمة بين الأفراد والمديرين والموظفين الحكوميين وغيرهم من الأطراف. فعلى سبيل المثال، لا يمتلك العمال حقوق التصرف في كثير من موارد المؤسسة، بما في ذلك الأرباح التي تستخدم في تمويل الأجور والمكافآت والتقاعد والإسكان والخدمات الطبية والترفيهية والمدارس التابعة وغيرها من المنافع، في حين تكون لديهم حقوق في الحصول على مكاسب مرتبطة بهذه الموارد.
ومن ناحية أخرى، يتحكم المديرون والموظفون الحكوميون في موارد المؤسسة، لكنهم لا يحصلون بصورة مباشرة أو متناسبة على مكاسب من إدارتهم لهذه الموارد. ومن النتائج المباشرة لعدم اكتمال حقوق الملكية وعدم تلاؤمها، عدم التناسب بين الحقوق والمسؤوليات. فالأفراد الذين يتمتعون بحقوق في المكاسب دون امتلاك حقوق الرقابة، قد لا يأخذون في الاعتبار تكلفة هدر الموارد، في حين يسعون إلى تعظيم مكاسبهم. وفي المقابل، فإن من يمتلكون حقوق الرقابة دون حقوق في المكاسب قد يفتقرون إلى الحافز والجهد الكافي لتحسين أساليب الرقابة وزيادة العوائد، بما يؤدي في الحالتين إلى انخفاض كفاءة استخدام الموارد.
مزايا وظيفية
وفي المؤسسات المملوكة للدولة، يستطيع المديرون والموظفون الحكوميون الاستفادة من مزايا مواقعهم الوظيفية للحصول على مكاسب من الأصول، في الوقت الذي يمكن فيه تحميل الدولة بالخسائر، وهو ما قد يظهر، على سبيل المثال، في صورة قروض مصرفية متعثرة أو معدومة. وباعتبار الدولة المساهم الوحيد أو المالك للحصة الأكبر من الأسهم في كثير من المؤسسات المملوكة لها، فإنها تتحمل في نهاية المطاف نطاقاً واسعاً من المسؤوليات المالية، على خلاف المؤسسات الخاصة التي تعمل في إطار المسؤولية المحدودة.
وبما أن المؤسسات المملوكة للدولة تعود ملكيتها إلى الدولة، فإن خسائرها وديونها يمكن تغطيتها من خلال الإيرادات، أو إصدار الأوراق المالية، أو الاقتراض محلياً ودولياً، أو حتى بيع الأصول. ولذلك، تستطيع هذه المؤسسات تحمل مستويات كبيرة من الخسائر والديون دون أن تتعرض للإفلاس بالمعنى التقليدي، إلا أن المجتمع قد يتحمل هذه الخسائر والديون بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال تكاليف التضخم، أو القروض المصرفية المتعثرة، أو ارتفاع الالتزامات الحكومية، أو المخاطر النظامية التي قد تنتقل إلى النظام المالي.
ووفقاً لنظرية حقوق الملكية، تبرز نقطتان رئيسيتان في إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة. تتمثل الأولى في مواءمة حقوق المكاسب وحقوق الرقابة لكل طرف، بما يضمن توافق الحقوق مع المسؤوليات وتحسين كفاءة استخدام الموارد. أما الثانية، فتتمثل في تحويل المؤسسات المملوكة للدولة إلى شركات مساهمة ذات مسؤولية محدودة، تقوم على مجموعة من العلاقات التعاقدية.
وفي إطار إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة في الصين، جرى تبني نظام تعاقدي يشبه إلى حد كبير نظام حصص الإنتاج الثابتة الذي طُبق في القطاع الزراعي. إلا أن الشركات القابضة المملوكة للدولة واجهت صعوبة في الخروج بصورة كاملة من إطار نظام العقود. وتكمن إحدى مشكلات هذا النظام في قدرته على تحديد حصص الأرباح، من دون توفير إطار مماثل لتحمل الديون أو الخسائر.
الديون الزراعية
وقد نجح هذا النظام بدرجة أكبر في المناطق الريفية الصينية، لأن المزارعين لم يكونوا بحاجة إلى مستويات كبيرة من الديون لزراعة الأراضي. إلا أن عدداً من المؤسسات المملوكة للدولة أظهر مراراً، عند تعرضه لخسائر في الأسواق المستقبلية أو في أنشطة تجارية أخرى، أن نظام العقود لا يوفر آلية كافية لتوزيع أعباء الديون والخسائر.
فما النهج الذي ينبغي أن تتبناه إصلاحات المؤسسات المملوكة للدولة؟ وفقاً لنظرية حقوق الملكية، لا توجد طريقة مختصرة للإجابة عن هذا السؤال، وربما لا توجد إجابة واحدة تصلح لجميع الحالات. وبالعودة إلى النظرية، فإن وجود المؤسسات المملوكة للدولة ليس ضرورياً. وبصياغة أكثر دقة، لا تحتاج الدول إلى امتلاك سندات وأسهم المؤسسات بصورة مباشرة كي تراكم الأصول، إذ يمكنها أن تتصرف كمساهم سلبي دون امتلاك حصة مسيطرة من الأسهم.
لكن بمجرد امتلاك الدولة لأسهم أو سندات المؤسسات، قد تجد نفسها مضطرة إلى تحمل أعباء واسعة من ديون تلك المؤسسات، وهو ما يمثل أحد أوجه الخطر الأخلاقي المرتبط بالمؤسسات المملوكة للدولة.