خلافات ترامب تعطل قانون العملات الرقمية
فشلت محاولة تمرير مشروع قانون أميركي تاريخي لتنظيم سوق العملات الرقمية، بعدما عجز الجمهوريون والديموقراطيون في مجلس الشيوخ عن تجاوز خلافاتهم المتعلقة بقواعد الأخلاقيات والخدمات المصرفية والإطار الرقابي للقطاع، لتتعرض جهود إنشاء أول منظومة فدرالية شاملة للأصول الرقمية لانتكاسة كبيرة.
وفشل مشروع «كلاريتي آكت» في الحصول على الأغلبية المطلوبة للانتقال إلى مرحلة المناقشة، إذ انتهى التصويت الإجرائي بنتيجة 50 صوتاً مؤيداً مقابل 49 معارضاً، بينما كان يحتاج إلى 60 صوتاً للتقدم في مجلس الشيوخ.
وكان المشروع يحظى بدعم إدارة الرئيس دونالد ترامب وقطاع العملات الرقمية، ويهدف إلى وضع قواعد أكثر وضوحاً لتحديد الإطار التنظيمي للأصول الرقمية والجهات المسؤولة عن الإشراف عليها، بعد سنوات من الجدل بشأن توزيع الاختصاصات التنظيمية.
خلافات الأخلاقيات
وتمثلت إحدى أبرز العقبات أمام المشروع في مطالب الديموقراطيين بفرض ضمانات أكثر صرامة لمعالجة المصالح المالية للرئيس ترامب في قطاع العملات الرقمية، وسط خلاف بشأن مدى كفاية القيود الأخلاقية التي تضمنتها الصيغة النهائية للمشروع.
وتشير تقارير صحافية إلى أن ترامب وعائلته حققوا إيرادات كبيرة من أنشطة مرتبطة بالأصول الرقمية، وهو ما دفع عدداً من المشرعين الديموقراطيين إلى المطالبة بقواعد أشد صرامة لمنع تضارب المصالح. وتختلف التقديرات المنشورة لحجم هذه العائدات وفق طريقة احتساب الإيرادات والمكاسب والأصول.
وكانت السيناتورة الديموقراطية إليزابيث وارن من أبرز المعارضين، إذ قالت إن المشروع لا يوفر ضمانات كافية لحماية الأسر والاقتصاد والأمن القومي، وانتقدت بصورة خاصة القواعد المتعلقة بالمصالح المالية للمسؤولين الحكوميين.
وفي المقابل، أكد الجمهوريون أن الصيغة النهائية أخذت في الاعتبار جانباً كبيراً من مطالب الديموقراطيين. وقالت السيناتورة الجمهورية سينثيا لوميس، المشاركة في صياغة المشروع، إن النص النهائي تضمن أكثر من 120 تعديلاً استجابة لمطالب ديموقراطية. ووفق بيان رسمي صادر عن مكتبها، شملت النسخة النهائية 126 تغييراً جوهرياً، إلى جانب تعديلات على قواعد الأخلاقيات وحماية البنوك من مخاطر خروج الودائع.
فراغ تنظيمي
ويشكل تعثر «كلاريتي آكت» ضربة لمساعي قطاع العملات الرقمية للحصول على إطار تشريعي موحد في الولايات المتحدة، بعد مفاوضات استمرت أكثر من عام بين المشرعين وأطراف الصناعة.
وكان المشروع يستهدف توضيح القواعد المنظمة لأسواق الأصول الرقمية، بما في ذلك توزيع جانب من الاختصاصات التنظيمية بين هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية ولجنة تداول السلع الآجلة، وتقليص حالة عدم اليقين التي واجهتها شركات القطاع.
وتضمنت النسخ المحدثة من التشريع قواعد تتعلق بتسجيل بعض بروتوكولات التمويل اللامركزي لدى لجنة تداول السلع الآجلة وإخضاعها لقانون السرية المصرفية، إضافة إلى توضيحات بشأن أنشطة المؤسسات المالية المرتبطة بالأصول الرقمية.
وبعد فشل التصويت، تبقى الجهات التنظيمية الأميركية، وفي مقدمتها هيئة الأوراق المالية ولجنة تداول السلع الآجلة، مسؤولة عن التعامل مع القطاع ضمن الصلاحيات الحالية، في وقت يرى مؤيدو التشريع أن غياب قانون صادر عن الكونغرس يبقي القواعد عرضة للتغير مع تبدل الإدارات والتوجهات التنظيمية.
ولا يغلق التصويت الباب نهائياً أمام إعادة طرح المشروع، إذ تسمح الإجراءات بإمكانية إعادة النظر فيه، لكن النتيجة أظهرت استمرار الفجوة السياسية بشأن القواعد الأخلاقية وحماية المستثمرين ودور البنوك في النظام الجديد.
ضغوط العملات
وانعكس تعثر المشروع سريعاً على سوق العملات الرقمية، إذ تعرضت بيتكوين لضغوط بعد فشل التصويت، بالتزامن مع ترقب المستثمرين قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات السوق هبوط بيتكوين بعد التصويت، مع تعرض أسهم شركات مرتبطة بالعملات الرقمية لضغوط أيضاً.
وفي التعاملات الصباحية الأربعاء، سجلت بيتكوين نحو 75946.75 دولار بانخفاض 0.18 %، فيما تراجعت الإيثريوم 0.11 % إلى 2403.94 دولارات، بينما ارتفعت الريبل 0.33 % إلى 1.2979 دولار، وفق الأسعار الواردة في البيانات عند الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت مكة المكرمة.
ولا يرتبط حذر المستثمرين بالتشريع وحده، إذ تترقب الأسواق كذلك قرار الفيدرالي الأميركي، في وقت كانت فيه العقود الآجلة تسعر احتمالاً مرتفعاً لرفع سعر الفائدة ربع نقطة مئوية.
ويضع فشل «كلاريتي آكت» صناعة العملات الرقمية الأميركية أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، بعدما كانت تراهن على التشريع لتوفير قواعد فدرالية أكثر وضوحاً وتشجيع المؤسسات على زيادة نشاطها في الأصول الرقمية.
وفي المقابل، يترك التصويت النقاش مفتوحاً بشأن كيفية تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المستثمرين والاستقرار المالي ومنع تضارب المصالح لدى المسؤولين، وهي القضايا التي حالت دون بناء أغلبية كافية لتمرير المشروع رغم التعديلات المتعددة التي أُدخلت عليه.
التنظيم ينتظر توافقاً سياسياً جديداً
ويكشف تعثر المشروع أن الخلاف حول العملات الرقمية في واشنطن لم يعد مرتبطاً فقط بكيفية تنظيم التكنولوجيا الجديدة، بل امتد إلى قواعد الأخلاقيات والخدمات المصرفية وحدود المصالح المالية للمسؤولين السياسيين.
ومع فشل المشروع في تجاوز حاجز 60 صوتاً، تتأجل محاولة إنشاء إطار تشريعي شامل للسوق، بينما تواصل الجهات الرقابية العمل وفق سلطاتها القائمة، وتبقى شركات العملات الرقمية والمستثمرون في انتظار ما إذا كان المشرعون سيتمكنون من إعادة بناء توافق يسمح بإحياء التشريع في مرحلة لاحقة.