داو جونز يخسر 617 نقطة بجلسة واحدة
اختتمت الأسهم الأمريكية تعاملات الثلاثاء على انخفاض، بعدما اجتمعت ثلاثة عوامل ضاغطة على المستثمرين في جلسة واحدة؛ تجدد المخاوف بشأن مستقبل شركات البرمجيات في مواجهة التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وارتفاع أسعار النفط بفعل الأعمال القتالية في الشرق الأوسط، وتصاعد الرهانات على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة بعد قوة بيانات سوق العمل.
وأظهـرت البيانـات الأوليـة تراجع مؤشر «ستانـدرد آند بورز 500» بنحـو 44.66 نقطة، أو 0.58 %، ليغلق عند 7673.94 نقطة، بينما فقد مؤشر «ناسداك» المجمع 83.30 نقطة، أو 0.31 %، لينهي الجلسة عند 26423.69 نقطة. وكان «داو جونز» الأكثر تضرراً بين المؤشرات الرئيسية، إذ هبط 617.15 نقطـة، بما يعادل 1.16 %، إلى 52797.10 نقطة.
وتكشف التحركات عن حالة من الحذر المتزايد داخل السوق، إذ لم تعد حسابات المستثمرين مرتبطة بمسار السياسة النقدية وحده، بل دخلت عليها متغيرات جديدة تتعلق بالتطور السريع للذكاء الاصطناعي وقدرته على تغيير نماذج أعمال قطاعات كاملة، بالتزامن مع عودة المخاطر الجيوسياسية إلى التأثير بقوة في أسعار الطاقة.
صدمة البرمجيات
وجاء قطاع البرمجيات في مقدمة المتضررين، مع تراجع أسهم «سيلزفورس» و«سيرفيس ناو» و«إنتويت»، فيما انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للبرمجيات والخدمات للجلسة الثانية على التوالي.
وأعاد إطلاق «أوبن إيه آي» الأسبوع الماضي أحدث نماذجها «جي بي تي-6 أسترا» إشعال نقاش قديم جديد في وول ستريت بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على منافسة الخدمات التي تقدمها حالياً شركات البرمجيات المتخصصة.
وبالنسبة إلى المستثمرين، لم يعد السؤال مقتصراً على حجم الاستفادة التي يمكن أن تحققها شركات التكنولوجيا من الذكاء الاصطناعي، بل امتد إلى تحديد الشركات التي قد تتضرر نماذج أعمالها إذا استطاعت النماذج الجديدة تنفيذ مهام كانت تتطلب سابقاً برمجيات متخصصة أو اشتراكات منفصلة.
ويضع ذلك شركات البرمجيات أمام تحد جديد، لأن المستثمرين باتوا مطالبين بإعادة تقييم قدرتها على المحافظة على معدلات النمو وهوامش الأرباح في حال توسعت قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع من المتوقع.
رابحون وخاسرون
وقال جيد إليربروك، مدير المحافظ لدى «أرجينت كابيتال مانيجمنت»، إن إطلاق «أسترا» أعاد إثارة المخاوف المتعلقة باضطراب سوق البرمجيات، وأعاد إلى الواجهة اتجاهاً اعتادت عليه الأسواق خلال الفترة الماضية، يتمثل في تحقيق شركات أشباه الموصلات والمستفيدين من الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات أداء قوياً، مقابل ضعف أسهم شركات البرمجيات.
وتكشف هذه المفارقة عن انقسام متزايد داخل قطاع التكنولوجيا نفسه. فالذكاء الاصطناعي الذي يمثل تهديداً محتملاً لبعض شركات البرمجيات، يتحول في الجانب الآخر إلى محرك قوي للطلب على الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية.
وبذلك لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي قادرة على دفع جميع أسهم التكنولوجيا في اتجاه واحد، وإنما بدأت السوق تميز بصورة أكثر وضوحاً بين الشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة لهذه الثورة، وتلك التي يمكن أن تواجه منافسة مباشرة من قدرات النماذج الجديدة.
مكاسب الرقائق
ظهر الجانب الآخر من معادلة الذكاء الاصطناعي في أداء شركات أشباه الموصلات، إذ قفز سهم «إنتل»، كما ارتفع سهم «كوالكوم»، بعد إبرام صفقة مع «أمازون» لتطوير رقائق ذكاء اصطناعي مخصصة.
ويؤكد صعود السهمين استمرار شهية المستثمرين تجاه الشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع استمرار الإنفاق الكبير على مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيل النماذج المتطورة.
وتحتاج طفرة الذكاء الاصطناعي إلى استثمارات رأسمالية ضخمة في الرقائق والخوادم ومراكز البيانات، وهو ما يجعل مصنعي أشباه الموصلات في موقع مختلف عن شركات البرمجيات التي تواجه تساؤلات بشأن قدرة منتجات الذكاء الاصطناعي الجديدة على منافسة خدماتها.
ومن هنا، يتشكل داخل وول ستريت مساران متعاكسان تحت المظلة التقنية نفسها: مخاوف تضغط على تقييمات بعض شركات البرمجيات، وتوقعات بزيادة الطلب تمنح شركات الرقائق والبنية التحتية دفعة إضافية.
عودة الفائدة
ولم تكن التكنولوجيا وحدها مصدر القلق، إذ زاد المتعاملون رهاناتهم على احتمال رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر، بعدما أظهرت بيانات وزارة العمل الأمريكية الأسبوع الماضي أن أصحاب الأعمال أضافوا وظائف أكثر بكثير مما توقعه الاقتصاديون خلال أغسطس.
وتعني قوة سوق العمل أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بقدر كبير من الزخم، وهو ما قد يمنح مجلس الاحتياطي الفدرالي مساحة أكبر للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو الاتجاه إلى رفع أسعار الفائدة إذا أظهرت الضغوط التضخمية استمراراً. ولهذا تتجه الأنظار بصورة أكبر إلى بيانات التضخم المرتقبة، التي قد تصبح عاملاً حاسماً في إعادة تسعير توقعات المستثمرين بشأن اجتماع سبتمبر. وأي قراءة أعلى من المتوقع يمكن أن تعزز احتمالات رفع الفائدة، وتزيد الضغط على تقييمات الأسهم، ولا سيما أسهم النمو والتكنولوجيا الحساسة لتحركات عوائد السندات.
نفط مشتعل
في الوقت نفسه، أضاف ارتفاع أسعار النفط بفعل تصاعد الأعمال القتالية في الشرق الأوسط طبقة جديدة من القلق. فارتفاع الخام لا يمثل مجرد تطور إيجابي لشركات الطاقة، وإنما يحمل انعكاسات أوسع على الاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية بسبب تأثير أسعار الوقود والطاقة في التضخم. ويأتي ذلك في توقيت حساس للغاية بالنسبة إلى المستثمرين، الذين ينتظرون بيانات الأسعار لتقدير المسار المقبل للفائدة. وبالتالي، فإن استمرار ارتفاع النفط يمكن أن يزيد صعوبة مهمة الاحتياطي الفدرالي إذا انتقلت الزيادة في تكاليف الطاقة إلى أسعار المستهلكين والمنتجين.
وهنا تتداخل المخاطر الجيوسياسية مع السياسة النقدية؛ فكلما طال التصعيد وارتفعت أسعار الطاقة، زادت احتمالات استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما قد يضعف الآمال في سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
سوق انتقائية
وتشير جلسة الثلاثاء إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يعيد رسم الخريطة الداخلية لسوق التكنولوجيا الأمريكية. فالقطاع الذي استفاد بصورة جماعية من الحماس تجاه التقنية الجديدة يشهد الآن عملية فرز أكثر وضوحاً بين الفائزين المحتملين والمتضررين.
شركات الرقائق ومراكز البيانات تستفيد من الإنفاق الرأسمالي الهائل المطلوب لبناء وتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بينما تواجه بعض شركات البرمجيات احتمال دخول منافسين يمتلكون أدوات قادرة على تنفيذ خدمات كانت تشكل مصدراً أساسياً لإيراداتها.
وهذه المعادلة تجعل تقييم الشركات أكثر تعقيداً، لأن المستثمر لم يعد يستطيع التعامل مع «الذكاء الاصطناعي» باعتباره قصة صعود واحدة، وإنما كقوة اقتصادية يمكن أن تخلق قيمة في قطاع وتسحبها من قطاع آخر.
ثلاثة اختبارات أمام وول ستريت
تدخل وول ستريت الأيام المقبلة أمام ثلاثة اختبارات متزامنة قد تحدد اتجاه السوق على المدى القصير؛ الأول هو قدرة شركات البرمجيات على إقناع المستثمرين بأن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لنمو أعمالها وليس تهديداً لنماذجها التقليدية، والثاني يتعلق بمسار أسعار النفط ومدى استمرار الضغوط الجيوسياسية في الشرق الأوسط، أما الثالث والأكثر حساسية فيتمثل في بيانات التضخم وما ستعنيه لقرار الاحتياطي الفدرالي. وبينما تتألق شركات الرقائق المستفيدة من سباق الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، تتعرض البرمجيات لضغوط متزايدة، في وقت يعيد فيه المستثمرون حساباتهم بشأن الفائدة. وهكذا تجد الأسهم الأمريكية نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد مصدر الخطر واحداً، بل أصبحت التكنولوجيا والطاقة والسياسة النقدية تتحرك جميعاً في وقت واحد.