رسوم ترامب تدفع التجارة نحو التحايل
تواجه السياسة التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدياً جديداً يتمثل في تنامي محاولات الالتفاف على الرسوم الجمركية المرتفعة، بعدما خلقت الزيادات الكبيرة في التعريفات حوافز أقوى أمام الشركات والمصدرين لإخفاء المنشأ الحقيقي للبضائع أو تمريرها عبر دول تتمتع بمعاملة جمركية أفضل. وبينما تتحرك واشنطن لتشديد الرقابة والاستعانة بالذكاء الاصطناعي، تبرز مشكلة أكثر تعقيداً تتعلق بقدرتها على التحقق فعلياً مما يحدث للبضائع عبر سلاسل التوريد العالمية.
وأصدرت الإدارة الأميركية تقريراً مطولاً حمل بوضوح توجهات مستشار التجارة في البيت الأبيض بيتر نافارو، منتقداً الشركاء التجاريين لعدم بذل جهود كافية لمنع ما تصفه الإدارة بعمليات «إعادة الشحن». لكن المشكلة التي تستهدفها واشنطن تتعلق بصورة أدق بالاحتيال في تحديد بلد المنشأ، وليس بعملية إعادة الشحن نفسها، التي تعد ممارسة طبيعية ومشروعة في التجارة الدولية.
منشأ مزيف
ويتمثل الاحتيال في إعادة تصنيف سلع قادمة من دولة تواجه رسوماً أميركية مرتفعة، مثل الصين، باعتبارها قادمة من دولة تخضع لتعريفات أقل، مثل المكسيك. ويمكن أيضاً تمرير المنتجات عبر دولة ثانية والادعاء بأنها خضعت هناك لـ«تحول جوهري» يؤهلها للحصول على معاملة جمركية تفضيلية عند دخول السوق الأميركية.
أما إعادة الشحن في مفهومها التجاري، فهي مجرد تفريغ البضائع وإعادة تحميلها خلال رحلتها إلى الوجهة النهائية، ويمكن أن تحدث بصورة قانونية لأسباب لوجستية متعددة. لذلك فإن الخلط بين العملية المشروعة والاحتيال في قواعد المنشأ قد يعقد مهمة الإدارة نفسها، خصوصاً في ظل طبيعة شبكات التجارة الحديثة التي تمر فيها السلع والمكونات عبر عدة دول قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.
وتزداد المشكلة كلما ارتفعت الرسوم الجمركية، لأن الفارق الكبير بين التعريفات المفروضة على الدول المختلفة يجعل تغيير منشأ السلعة، سواء على الأوراق أو من خلال عمليات محدودة في دولة وسيطة، أكثر إغراءً من الناحية المالية.
قفزة ضخمة
وتكشف تقديرات شركة البيانات «ألتانا»، التي استعانت بها الإدارة الأميركية لرصد أنماط التجارة المشبوهة باستخدام الذكاء الاصطناعي، عن اتساع محتمل للمشكلة منذ الإعلان عن الرسوم الجمركية في «يوم التحرير» خلال أبريل الماضي.
وبحسب الشركة، ارتفعت قيمة الشحنات المصنفة ضمن عمليات «إعادة الشحن» خمسة أضعاف، لتقفز من نحو 5 مليارات دولار إلى 25 مليار دولار بعد الرسوم الجديدة. وتركز جانب مهم من الزيادة عبر المكسيك، التي تتمتع بمعاملة جمركية منخفضة بموجب اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «USMCA».
وتسعى إدارة ترامب نتيجة لذلك إلى تشديد قواعد المنشأ ضمن الاتفاقية، بما يجعل تمرير السلع الصينية أو غيرها عبر المكسيك للاستفادة من التعريفات التفضيلية أكثر صعوبة. إلا أن وضع قواعد أكثر صرامة لا يضمن وحده وقف التحايل إذا لم تمتلك السلطات وسائل للتحقق مما حدث فعلياً للمنتجات في المراحل السابقة من سلسلة التوريد.
رقابة ذكية
ويرى إيفان سميث، الرئيس التنفيذي لشركة «ألتانا»، أن نجاح القواعد يعتمد على قدرة سلطات التفتيش على معرفة ما جرى للبضائع قبل وصولها إلى الحدود الأميركية، مشيراً إلى أن البيانات التي تقدمها الأطراف المعنية يمكن تزويرها بسهولة.
وهنا تراهن واشنطن على الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات ضخمة من بيانات التجارة والشحن واكتشاف الأنماط غير المعتادة. فمن الممكن، على سبيل المثال، مقارنة حجم الواردات والصادرات لدولة معينة، ورصد الزيادات المفاجئة في تدفقات سلع محددة بعد فرض الرسوم، وتتبع مسارات الحاويات ومدد بقائها في الموانئ.
لكن تحديد وجود مشكلة على مستوى مليارات الدولارات يختلف جذرياً عن إثبات الاحتيال في شحنة بعينها. فالبيانات يمكن أن تكشف أن حاوية بقيت في المكسيك لفترة قصيرة قبل دخول الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع وحدها إثبات ما إذا كانت المنتجات الموجودة داخلها خضعت بالفعل لعملية تصنيع كافية لتغيير بلد منشئها.
تكلفة الامتثال
ويحذر رايان بيترسن، الرئيس التنفيذي لشركة «فلكسبورت» المتخصصة في تكنولوجيا الخدمات اللوجستية، من محدودية الاعتماد على بيانات حركة البضائع وحدها. فمؤشرات مثل «مدة المكوث» تكشف مقدار الوقت الذي قضته الشحنة في مكان معين، لكنها لا توضح طبيعة العمليات التي أجريت عليها خلال تلك الفترة.
ومن دون وجود موظفين أميركيين قادرين على إجراء عمليات تفتيش واسعة في الموانئ الأجنبية، يصبح إثبات أن المنتجات لم تخضع لـ«تحول جوهري» مهمة شديدة الصعوبة. كما يبدو إنشاء قوة عالمية من موظفي الجمارك وحماية الحدود الأميركية ونشرها في الدول المصدرة، بما فيها الصين، خياراً بعيداً عن الواقع.
ونتيجة لذلك، قد ينتقل جانب كبير من المسؤولية إلى الوسطاء الجمركيين وشركات الخدمات اللوجستية. ويتوقع بيترسن أن تضطر هذه الشركات إلى إجراء عمليات تحقق أكثر شمولاً من العملاء، بصورة تقترب من إجراءات «اعرف عميلك» المستخدمة في القطاع المصرفي، وهو ما يعني المزيد من المستندات والموظفين والتكاليف.
وبالتالي، فإن محاولة واشنطن إغلاق منافذ الاحتيال قد تفرض في الوقت نفسه أعباء إضافية على الشركات التي تعمل بصورة قانونية، وتزيد تكلفة التجارة حتى بالنسبة للشحنات التي لا تتضمن أي تحايل.
حوافز الغش
ولا يقتصر الخطر على التلاعب ببلد المنشأ، إذ توجد وسائل أبسط للتهرب من الرسوم، أبرزها التصريح بقيمة أقل من القيمة الحقيقية للشحنة. وتصبح مثل هذه الممارسات أكثر جاذبية عندما ترتفع قيمة التعريفة التي يمكن تفاديها.
وهذه إحدى المفارقات الأساسية في سياسة الرسوم المرتفعة: فكلما زادت التعريفات بهدف حماية الاقتصاد المحلي أو الضغط على الشركاء التجاريين، ارتفع العائد المحتمل من التحايل عليها. وبالتالي، يتعين على السلطات تخصيص موارد أكبر للرقابة والتحقق والتفتيش، فيما تتحمل الشركات تكاليف إضافية لإثبات امتثالها.
وبالتوازي مع الجدل الأميركي حول طرق انتقال السلع، ظهر مسار تجاري مختلف تماماً يثير اهتمام قطاع الشحن العالمي، بعدما بدأت شركات نقل بحري صينية تشغيل خدمة منتظمة خلال أشهر الصيف عبر القطب الشمالي، ما أثار تساؤلات بشأن إمكانية ظهور طريق جديد يختصر الرحلات بين آسيا وأوروبا.
طريق قطبي
ومن الناحية النظرية، يوفر الممر الشمالي فرصة جذابة، إذ يمكنه خفض مدة بعض الرحلات بين الصين وأوروبا بصورة كبيرة مقارنة بالمرور عبر قناة السويس أو الدوران حول أفريقيا. كما يمنح بكين طريقاً بديلاً في وقت تتزايد فيه المخاوف من تسييس نقاط الاختناق البحرية العالمية.
لكن تحويل هذه الميزة الجغرافية إلى مسار تجاري واسع الاستخدام يواجه عقبات ضخمة. فالخدمة الحالية يمكن تشغيلها لنحو ثلاثة أشهر فقط خلال الصيف، كما تحتاج السفن إلى خدمات كاسحات الجليد، ما يضيف تكاليف تشغيلية ويحد من القدرة على الاعتماد على الطريق طوال العام.
وتواجه شركات الشحن الغربية أيضاً مخاطر بيئية وسمعة محتملة إذا وقع حادث في البيئة القطبية شديدة الحساسية، إلى جانب مشكلة سياسية أكثر تعقيداً تتمثل في وقوع أجزاء أساسية من الطريق تحت السيطرة الروسية.
وتحتاج الشركات المستخدمة للممر إلى التعامل مع شركة كاسحات الجليد الروسية «أتومفلوت»، الخاضعة لعقوبات أميركية وأوروبية، وهو ما يجعل استخدام الطريق غير متاح عملياً أمام عدد كبير من الشركات الغربية وعملائها.
الممر الشمالي يبقى ورقة استراتيجية
ويبدو الممر القطبي في المرحلة الراهنة أقرب إلى أداة جيوسياسية تمنح الصين القدرة على إظهار امتلاكها خيارات بديلة، وليس منافساً جاهزاً لقناة السويس أو طرق التجارة التقليدية. فبكين تستفيد استراتيجياً من إثبات قدرتها على تنويع المسارات في عالم أصبحت فيه المضائق والممرات البحرية جزءاً من الصراعات السياسية والاقتصادية.
لكن نقص البنية التحتية، وغياب الموانئ والأسواق على امتداد الطريق، وضحالة المياه، والحاجة إلى كاسحات الجليد، والعقوبات المفروضة على روسيا، كلها عوامل تحد من قدرته على التحول إلى ممر رئيسي للحاويات. وهكذا، سواء تعلق الأمر بمحاولات واشنطن منع التحايل على الرسوم أو بمحاولة الصين تطوير طريق قطبي جديد، تكشف التطورات أن إعادة رسم خريطة التجارة العالمية أكثر تعقيداً من مجرد رفع الحواجز الجمركية أو اختصار المسافة بين ميناءين.