تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسوم‭ ‬ترامب‭ ‬تدفع‭ ‬التجارة‭ ‬نحو‭ ‬التحايل

رسوم‭ ‬ترامب‭ ‬تدفع‭ ‬التجارة‭ ‬نحو‭ ‬التحايل

تواجه‭ ‬السياسة‭ ‬التجارية‭ ‬للرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬تحدياً‭ ‬جديداً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تنامي‭ ‬محاولات‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬المرتفعة،‭ ‬بعدما‭ ‬خلقت‭ ‬الزيادات‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬التعريفات‭ ‬حوافز‭ ‬أقوى‭ ‬أمام‭ ‬الشركات‭ ‬والمصدرين‭ ‬لإخفاء‭ ‬المنشأ‭ ‬الحقيقي‭ ‬للبضائع‭ ‬أو‭ ‬تمريرها‭ ‬عبر‭ ‬دول‭ ‬تتمتع‭ ‬بمعاملة‭ ‬جمركية‭ ‬أفضل‭. ‬وبينما‭ ‬تتحرك‭ ‬واشنطن‭ ‬لتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬والاستعانة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تبرز‭ ‬مشكلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬تتعلق‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬التحقق‭ ‬فعلياً‭ ‬مما‭ ‬يحدث‭ ‬للبضائع‭ ‬عبر‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭.‬
وأصدرت‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬تقريراً‭ ‬مطولاً‭ ‬حمل‭ ‬بوضوح‭ ‬توجهات‭ ‬مستشار‭ ‬التجارة‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بيتر‭ ‬نافارو،‭ ‬منتقداً‭ ‬الشركاء‭ ‬التجاريين‭ ‬لعدم‭ ‬بذل‭ ‬جهود‭ ‬كافية‭ ‬لمنع‭ ‬ما‭ ‬تصفه‭ ‬الإدارة‭ ‬بعمليات‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬الشحن‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬تستهدفها‭ ‬واشنطن‭ ‬تتعلق‭ ‬بصورة‭ ‬أدق‭ ‬بالاحتيال‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬بلد‭ ‬المنشأ،‭ ‬وليس‭ ‬بعملية‭ ‬إعادة‭ ‬الشحن‭ ‬نفسها،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬ممارسة‭ ‬طبيعية‭ ‬ومشروعة‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭.‬

منشأ‭ ‬مزيف

ويتمثل‭ ‬الاحتيال‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تصنيف‭ ‬سلع‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬تواجه‭ ‬رسوماً‭ ‬أميركية‭ ‬مرتفعة،‭ ‬مثل‭ ‬الصين،‭ ‬باعتبارها‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬تخضع‭ ‬لتعريفات‭ ‬أقل،‭ ‬مثل‭ ‬المكسيك‭. ‬ويمكن‭ ‬أيضاً‭ ‬تمرير‭ ‬المنتجات‭ ‬عبر‭ ‬دولة‭ ‬ثانية‭ ‬والادعاء‭ ‬بأنها‭ ‬خضعت‭ ‬هناك‭ ‬لـ«تحول‭ ‬جوهري‮»‬‭ ‬يؤهلها‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬معاملة‭ ‬جمركية‭ ‬تفضيلية‭ ‬عند‭ ‬دخول‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭.‬
أما‭ ‬إعادة‭ ‬الشحن‭ ‬في‭ ‬مفهومها‭ ‬التجاري،‭ ‬فهي‭ ‬مجرد‭ ‬تفريغ‭ ‬البضائع‭ ‬وإعادة‭ ‬تحميلها‭ ‬خلال‭ ‬رحلتها‭ ‬إلى‭ ‬الوجهة‭ ‬النهائية،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬بصورة‭ ‬قانونية‭ ‬لأسباب‭ ‬لوجستية‭ ‬متعددة‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬العملية‭ ‬المشروعة‭ ‬والاحتيال‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬المنشأ‭ ‬قد‭ ‬يعقد‭ ‬مهمة‭ ‬الإدارة‭ ‬نفسها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬طبيعة‭ ‬شبكات‭ ‬التجارة‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬فيها‭ ‬السلع‭ ‬والمكونات‭ ‬عبر‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬قبل‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي‭.‬
وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬كلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية،‭ ‬لأن‭ ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬التعريفات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬المختلفة‭ ‬يجعل‭ ‬تغيير‭ ‬منشأ‭ ‬السلعة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬الأوراق‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمليات‭ ‬محدودة‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬وسيطة،‭ ‬أكثر‭ ‬إغراءً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المالية‭.‬

قفزة‭ ‬ضخمة

وتكشف‭ ‬تقديرات‭ ‬شركة‭ ‬البيانات‭ ‬‮«‬ألتانا‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬استعانت‭ ‬بها‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬لرصد‭ ‬أنماط‭ ‬التجارة‭ ‬المشبوهة‭ ‬باستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬عن‭ ‬اتساع‭ ‬محتمل‭ ‬للمشكلة‭ ‬منذ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬في‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬التحرير‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭.‬
وبحسب‭ ‬الشركة،‭ ‬ارتفعت‭ ‬قيمة‭ ‬الشحنات‭ ‬المصنفة‭ ‬ضمن‭ ‬عمليات‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬الشحن‮»‬‭ ‬خمسة‭ ‬أضعاف،‭ ‬لتقفز‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬25‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بعد‭ ‬الرسوم‭ ‬الجديدة‭. ‬وتركز‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬عبر‭ ‬المكسيك،‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بمعاملة‭ ‬جمركية‭ ‬منخفضة‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمكسيك‭ ‬وكندا‭ ‬‮«‬USMCA‮»‬‭.‬
وتسعى‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬نتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬قواعد‭ ‬المنشأ‭ ‬ضمن‭ ‬الاتفاقية،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬تمرير‭ ‬السلع‭ ‬الصينية‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬عبر‭ ‬المكسيك‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬التعريفات‭ ‬التفضيلية‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬وضع‭ ‬قواعد‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬وحده‭ ‬وقف‭ ‬التحايل‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تمتلك‭ ‬السلطات‭ ‬وسائل‭ ‬للتحقق‭ ‬مما‭ ‬حدث‭ ‬فعلياً‭ ‬للمنتجات‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد‭.‬
رقابة‭ ‬ذكية

ويرى‭ ‬إيفان‭ ‬سميث،‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ ‬‮«‬ألتانا‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬القواعد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬سلطات‭ ‬التفتيش‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬للبضائع‭ ‬قبل‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭ ‬الأميركية،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭ ‬يمكن‭ ‬تزويرها‭ ‬بسهولة‭.‬
وهنا‭ ‬تراهن‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬بيانات‭ ‬التجارة‭ ‬والشحن‭ ‬واكتشاف‭ ‬الأنماط‭ ‬غير‭ ‬المعتادة‭. ‬فمن‭ ‬الممكن،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬مقارنة‭ ‬حجم‭ ‬الواردات‭ ‬والصادرات‭ ‬لدولة‭ ‬معينة،‭ ‬ورصد‭ ‬الزيادات‭ ‬المفاجئة‭ ‬في‭ ‬تدفقات‭ ‬سلع‭ ‬محددة‭ ‬بعد‭ ‬فرض‭ ‬الرسوم،‭ ‬وتتبع‭ ‬مسارات‭ ‬الحاويات‭ ‬ومدد‭ ‬بقائها‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭.‬
لكن‭ ‬تحديد‭ ‬وجود‭ ‬مشكلة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬يختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬إثبات‭ ‬الاحتيال‭ ‬في‭ ‬شحنة‭ ‬بعينها‭. ‬فالبيانات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬حاوية‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬المكسيك‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة‭ ‬قبل‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬وحدها‭ ‬إثبات‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المنتجات‭ ‬الموجودة‭ ‬داخلها‭ ‬خضعت‭ ‬بالفعل‭ ‬لعملية‭ ‬تصنيع‭ ‬كافية‭ ‬لتغيير‭ ‬بلد‭ ‬منشئها‭.‬

تكلفة‭ ‬الامتثال

ويحذر‭ ‬رايان‭ ‬بيترسن،‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ ‬‮«‬فلكسبورت‮»‬‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬حركة‭ ‬البضائع‭ ‬وحدها‭. ‬فمؤشرات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬مدة‭ ‬المكوث‮»‬‭ ‬تكشف‭ ‬مقدار‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬قضته‭ ‬الشحنة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬معين،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬توضح‭ ‬طبيعة‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬أجريت‭ ‬عليها‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭.‬
ومن‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬موظفين‭ ‬أميركيين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬تفتيش‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭ ‬الأجنبية،‭ ‬يصبح‭ ‬إثبات‭ ‬أن‭ ‬المنتجات‭ ‬لم‭ ‬تخضع‭ ‬لـ«تحول‭ ‬جوهري‮»‬‭ ‬مهمة‭ ‬شديدة‭ ‬الصعوبة‭. ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬إنشاء‭ ‬قوة‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬موظفي‭ ‬الجمارك‭ ‬وحماية‭ ‬الحدود‭ ‬الأميركية‭ ‬ونشرها‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المصدرة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الصين،‭ ‬خياراً‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭.‬
ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬قد‭ ‬ينتقل‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬إلى‭ ‬الوسطاء‭ ‬الجمركيين‭ ‬وشركات‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭. ‬ويتوقع‭ ‬بيترسن‭ ‬أن‭ ‬تضطر‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬تحقق‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬من‭ ‬العملاء،‭ ‬بصورة‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬‮«‬اعرف‭ ‬عميلك‮»‬‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المستندات‭ ‬والموظفين‭ ‬والتكاليف‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬واشنطن‭ ‬إغلاق‭ ‬منافذ‭ ‬الاحتيال‭ ‬قد‭ ‬تفرض‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أعباء‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بصورة‭ ‬قانونية،‭ ‬وتزيد‭ ‬تكلفة‭ ‬التجارة‭ ‬حتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬للشحنات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتضمن‭ ‬أي‭ ‬تحايل‭.‬

حوافز‭ ‬الغش

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الخطر‭ ‬على‭ ‬التلاعب‭ ‬ببلد‭ ‬المنشأ،‭ ‬إذ‭ ‬توجد‭ ‬وسائل‭ ‬أبسط‭ ‬للتهرب‭ ‬من‭ ‬الرسوم،‭ ‬أبرزها‭ ‬التصريح‭ ‬بقيمة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للشحنة‭. ‬وتصبح‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬قيمة‭ ‬التعريفة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تفاديها‭.‬
وهذه‭ ‬إحدى‭ ‬المفارقات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الرسوم‭ ‬المرتفعة‭: ‬فكلما‭ ‬زادت‭ ‬التعريفات‭ ‬بهدف‭ ‬حماية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الشركاء‭ ‬التجاريين،‭ ‬ارتفع‭ ‬العائد‭ ‬المحتمل‭ ‬من‭ ‬التحايل‭ ‬عليها‭. ‬وبالتالي،‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬تخصيص‭ ‬موارد‭ ‬أكبر‭ ‬للرقابة‭ ‬والتحقق‭ ‬والتفتيش،‭ ‬فيما‭ ‬تتحمل‭ ‬الشركات‭ ‬تكاليف‭ ‬إضافية‭ ‬لإثبات‭ ‬امتثالها‭.‬
وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الجدل‭ ‬الأميركي‭ ‬حول‭ ‬طرق‭ ‬انتقال‭ ‬السلع،‭ ‬ظهر‭ ‬مسار‭ ‬تجاري‭ ‬مختلف‭ ‬تماماً‭ ‬يثير‭ ‬اهتمام‭ ‬قطاع‭ ‬الشحن‭ ‬العالمي،‭ ‬بعدما‭ ‬بدأت‭ ‬شركات‭ ‬نقل‭ ‬بحري‭ ‬صينية‭ ‬تشغيل‭ ‬خدمة‭ ‬منتظمة‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭ ‬عبر‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬تساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬إمكانية‭ ‬ظهور‭ ‬طريق‭ ‬جديد‭ ‬يختصر‭ ‬الرحلات‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭.‬

طريق‭ ‬قطبي

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬النظرية،‭ ‬يوفر‭ ‬الممر‭ ‬الشمالي‭ ‬فرصة‭ ‬جذابة،‭ ‬إذ‭ ‬يمكنه‭ ‬خفض‭ ‬مدة‭ ‬بعض‭ ‬الرحلات‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وأوروبا‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمرور‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬أو‭ ‬الدوران‭ ‬حول‭ ‬أفريقيا‭. ‬كما‭ ‬يمنح‭ ‬بكين‭ ‬طريقاً‭ ‬بديلاً‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تسييس‭ ‬نقاط‭ ‬الاختناق‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية‭.‬
لكن‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬الجغرافية‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬تجاري‭ ‬واسع‭ ‬الاستخدام‭ ‬يواجه‭ ‬عقبات‭ ‬ضخمة‭. ‬فالخدمة‭ ‬الحالية‭ ‬يمكن‭ ‬تشغيلها‭ ‬لنحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬فقط‭ ‬خلال‭ ‬الصيف،‭ ‬كما‭ ‬تحتاج‭ ‬السفن‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬كاسحات‭ ‬الجليد،‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬تكاليف‭ ‬تشغيلية‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬طوال‭ ‬العام‭.‬
وتواجه‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬الغربية‭ ‬أيضاً‭ ‬مخاطر‭ ‬بيئية‭ ‬وسمعة‭ ‬محتملة‭ ‬إذا‭ ‬وقع‭ ‬حادث‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬القطبية‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشكلة‭ ‬سياسية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬وقوع‭ ‬أجزاء‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬الطريق‭ ‬تحت‭ ‬السيطرة‭ ‬الروسية‭.‬
وتحتاج‭ ‬الشركات‭ ‬المستخدمة‭ ‬للممر‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬كاسحات‭ ‬الجليد‭ ‬الروسية‭ ‬‮«‬أتومفلوت‮»‬،‭ ‬الخاضعة‭ ‬لعقوبات‭ ‬أميركية‭ ‬وأوروبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استخدام‭ ‬الطريق‭ ‬غير‭ ‬متاح‭ ‬عملياً‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الغربية‭ ‬وعملائها‭.‬

الممر‭ ‬الشمالي‭ ‬يبقى‭ ‬ورقة‭ ‬استراتيجية

ويبدو‭ ‬الممر‭ ‬القطبي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬تمنح‭ ‬الصين‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إظهار‭ ‬امتلاكها‭ ‬خيارات‭ ‬بديلة،‭ ‬وليس‭ ‬منافساً‭ ‬جاهزاً‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭ ‬أو‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬التقليدية‭. ‬فبكين‭ ‬تستفيد‭ ‬استراتيجياً‭ ‬من‭ ‬إثبات‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تنويع‭ ‬المسارات‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬المضائق‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭.‬
لكن‭ ‬نقص‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وغياب‭ ‬الموانئ‭ ‬والأسواق‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الطريق،‭ ‬وضحالة‭ ‬المياه،‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬كاسحات‭ ‬الجليد،‭ ‬والعقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬روسيا،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬ممر‭ ‬رئيسي‭ ‬للحاويات‭. ‬وهكذا،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمحاولات‭ ‬واشنطن‭ ‬منع‭ ‬التحايل‭ ‬على‭ ‬الرسوم‭ ‬أو‭ ‬بمحاولة‭ ‬الصين‭ ‬تطوير‭ ‬طريق‭ ‬قطبي‭ ‬جديد،‭ ‬تكشف‭ ‬التطورات‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬رفع‭ ‬الحواجز‭ ‬الجمركية‭ ‬أو‭ ‬اختصار‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬ميناءين‭.‬

رجوع لأعلى