شهرة خبراء الاستثمار لا تضمن الأرباح
أصبحت النصائح الاستثمارية جزءاً من صناعة المحتوى، حيث يتابع ملايين المستثمرين مذيعين ومؤلفين ومديري صناديق ومؤثرين بحثاً عن الأسهم والعملات والأصول القادرة على تحقيق الأرباح، لكن التجارب تكشف أن معرفة رأي الخبير، أو حتى معرفة أنه يخطئ كثيراً، لا تكفي لبناء استراتيجية ناجحة.
وفي مارس 2023، تحولت السخرية من توصيات المذيع الأمريكي جيم كرامر إلى منتج مالي حقيقي مع إطلاق صندوق «إنفرس كرامر»، الذي بُنيت فكرته على اتخاذ مراكز معاكسة لتوصياته.
لكن الصندوق خسر نحو 15 % منذ إطلاقه، ولم تتجاوز أصوله بضعة ملايين من الدولارات، قبل اتخاذ قرار بإغلاقه بعد أقل من عام، ليكشف أن عبارة «افعل عكس كرامر» أبسط كثيراً من أن تتحول وحدها إلى استراتيجية استثمار.
فأي استراتيجية تحتاج إلى تحديد التوصية التي تستحق التنفيذ، وتوقيت الدخول والخروج، ومدة الاحتفاظ وحجم المركز، وهي متغيرات تستطيع تغيير النتيجة بالكامل.
نتائج متباينة
وتؤكد تجربة أخرى هذه الفكرة، إذ حققت محفظة أطلقتها منصة «أوتوبيلوت» للمراهنة عكس توصيات كرامر مكاسب بنحو 158 % منذ 2023، مقابل 68 % للسوق، ما يظهر أن الاختلاف في آلية التنفيذ يمكن أن ينتج نتائج متناقضة من الفكرة نفسها.
كما أظهرت دراسة لتوصيات كرامر بين 2005 و2008 أن محفظة مبنية على اختياراته خسرت 22.9 %، مقابل تراجع 26.8 % لمؤشر «إس آند بي 500»، وهي نتيجة لا تدعم الصورة الشائعة بأن اتخاذ الاتجاه المعاكس له يضمن تحقيق الأرباح.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن توصية شخصية مؤثرة يمكن أن تحرك السوق بنفسها، خصوصاً في الأسهم الصغيرة والأقل سيولة. فإذا أوصى كرامر بشراء سهم واندفع آلاف المشاهدين إلى تنفيذه، قد يرتفع السعر بسبب التوصية نفسها، ما يجعل الفصل بين جودة التوقع وتأثير صاحبه أمراً صعباً.
وتظهر المشكلة بصورة مختلفة مع روبرت كيوساكي، مؤلف «الأب الغني والأب الفقير»، الذي ارتبط اسمه بتقارير عن ديون تقدر بنحو 1.2 مليار دولار، بينما تشير المعلومات المتاحة إلى ارتباط جزء كبير منها باستثمارات عقارية وشراكات ونحو 1500 وحدة سكنية.
فالرقم وحده لا يكشف حقيقة وضعه المالي من دون معرفة قيمة الأصول والتدفقات النقدية وشروط التمويل، كما أن نجاح نموذج استثماري يعتمد على العقارات والأعمال وحقوق الملكية الفكرية والديون لا يعني أن المتابع يستطيع تكراره بمجرد شراء الذهب أو الفضة أو البيتكوين.
توقيت الاستثمار
وتكشف تجربة مايكل بَري، الذي اشتهر بتوقع أزمة الرهن العقاري في 2008، مشكلة أخرى تتمثل في تحويل النجاح الكبير في توقع حدث معين إلى افتراض بأن صاحبه قادر على توقع جميع تحركات الأسواق.
فنجاح بَري في الأزمة المالية جاء نتيجة سنوات من دراسة القروض ومعايير الإقراض واختيار سندات محددة والمراهنة عليها باستخدام أدوات مالية متخصصة، لكن ذلك لم يمنع وقوعه في توقعات خاطئة لاحقاً، ففي يناير 2023 كتب كلمة «Sell»، قبل أن يعترف بعد أقل من شهرين بأنه كان مخطئاً.
وتبدو تجربة كاثي وود أكثر وضوحاً، لأن المستثمر يستطيع شراء صندوق «ARK Innovation» ومتابعة الاستراتيجية نفسها تقريباً، ومع ذلك كشفت بيانات نشرتها «وول ستريت جورنال» في 2023 عن فجوة ضخمة بين أداء الصندوق وتجربة المستثمر الفعلية.
فقد بلغ العائد السنوي للصندوق منذ تأسيسه نحو 11 % عند نقطة القياس، بينما وصلت خسارة المستثمر المتوسط المرجحة بتدفقات الأموال إلى نحو 21 % سنوياً.
والسبب أن كثيراً من الأموال تدفقت إلى الصندوق بعد ارتفاعاته الكبيرة، عندما أصبحت وود نجمة استثمارية عالمية، وبالتالي اشترى المستثمرون المتأخرون عند مستويات مرتفعة وتحملوا الجزء الأكبر من الهبوط اللاحق.
وهنا يمكن أن يكون مدير الاستثمار ناجحاً، بينما يخسر أتباعه بسبب توقيت دخولهم، وهو ما يجعل سعر الشراء ومدة الاستثمار عاملين لا يقلان أهمية عن اختيار الأصل نفسه.
الشهرة والمخاطر
وتعزز الدراسات المتعلقة بالمؤثرين الماليين هذه المخاوف، إذ قسمت إحدى أبرز الدراسات الحسابات التي تناولتها إلى 28 % «ماهرة»، و16% بلا مهارة واضحة، و56 % «مضادة للمهارة»، أي إن توصيات المجموعة الأخيرة ارتبطت بعوائد سالبة معدلة بالمخاطر.
والأكثر إثارة أن هذه المجموعة امتلكت عدداً أكبر من المتابعين وتأثيراً أقوى على تداولات المستثمرين الأفراد، ما يشير إلى أن الشهرة والانتشار لا يمثلان بالضرورة دليلاً على جودة النصيحة الاستثمارية.
كما أن صلاحية التوصية تختلف من مستثمر إلى آخر. فشراء أصل شديد التقلب قد يكون مناسباً لشاب لديه دخل ثابت وأفق استثماري يمتد لعقود، لكنه قد يمثل مخاطرة كبيرة لشخص يقترب من التقاعد ويحتاج أمواله خلال فترة قصيرة.
ولهذا تعتمد التوصيات المهنية على معرفة العمر والدخل والديون والسيولة والأهداف والأفق الزمني والقدرة على تحمل المخاطر، وهي معلومات لا يمتلكها المذيع أو المؤثر عندما يقدم نصيحة واحدة إلى ملايين الأشخاص.
النصيحة وحدها لا تكفي
تكشف تجارب كرامر وكيوساكي وبَري ووود أن السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كان الخبير محقاً أو مخطئاً، وإنما كيف ومتى وبأي حجم ينفذ المستثمر التوصية، وما إذا كانت مناسبة أصلاً لظروفه المالية. فقد يكون الخبير محقاً في اتجاه السوق ويخطئ في التوقيت، وقد يحقق الصندوق أرباحاً بينما يخسر المستثمر بسبب دخوله المتأخر. وفي عالم أصبحت فيه النصائح المالية محتوى سريع الانتشار، قد يكون السؤال الأكثر أهمية قبل تنفيذ أي توصية: ما المعلومات التي لا أعرفها عنها، وهل تناسب بالفعل قدرتي على تحمل الخسارة؟