ضعف البصر يستنزف 411 مليار دولار
تواجه الاقتصادات العالمية تحدياً متزايداً مع ارتفاع متوسط العمر وانخفاض معدلات المواليد، ما يدفع الحكومات والشركات إلى البحث عن وسائل لإبقاء الموظفين في سوق العمل لفترات أطول والاستفادة من الخبرات التي راكموها على مدى عقود.
لكن تمديد سنوات العمل لا يتوقف على رفع سن التقاعد، إذ قد تحول مشكلات صحية تبدو بسيطة دون قدرة الموظفين الأكبر سناً على الاستمرار في وظائفهم بالكفاءة نفسها، وتبرز صحة العين باعتبارها أحد العوامل التي تحظى باهتمام متزايد في هذا السياق.
فالموظف الذي يمتلك عقوداً من الخبرة قد يكون قادراً على العطاء لسنوات إضافية، لكن تراجع قدرته على قراءة النصوص أو التعامل مع الشاشات أو رؤية التفاصيل الدقيقة يمكن أن يتحول تدريجياً إلى عائق أمام الإنتاجية والاستمرار في العمل.
اقتصاد فضي
يبرز مفهوم «الاقتصاد الفضي» مع التحولات الديموغرافية باعتباره نموذجاً يسعى إلى تحويل الشيخوخة الصحية إلى فرصة اقتصادية، عبر تعزيز مشاركة كبار السن في سوق العمل والاستفادة من خبراتهم والحفاظ على المعرفة المتراكمة داخل المؤسسات.
وتشير مبادرة اقتصاد طول العمر التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن إطالة متوسط العمر أصبحت قوة اقتصادية مؤثرة، بينما تتجه حكومات عدة إلى رفع سن التقاعد لمواجهة نقص القوى العاملة والضغوط الناتجة عن شيخوخة السكان.
ووفق منظمة الصحة العالمية، من المتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً عالمياً بحلول 2050 ليتجاوز ملياري شخص، ما يعني أن الاحتفاظ بالموظفين الأكبر سناً سيصبح أكثر أهمية للاقتصادات والشركات.
لكن نجاح هذا النموذج يحتاج إلى أكثر من إبقاء العاملين في وظائفهم سنوات إضافية، إذ يجب توفير الظروف الصحية وبيئات العمل التي تسمح لهم بمواصلة الإنتاج بكفاءة، وفي مقدمتها معالجة التراجع الطبيعي في القدرة البصرية المصاحب للتقدم في العمر.
تكلفة خفية
تبدأ لدى معظم الأشخاص في سن الأربعين تقريباً حالة طول النظر الشيخوخي، التي تفقد فيها العين تدريجياً قدرتها على التركيز على الأشياء القريبة، وهو تغير يصبح أكثر تأثيراً في بيئات العمل الحديثة المعتمدة على الشاشات والوثائق الرقمية.
وترتفع كذلك احتمالات الإصابة بالمياه البيضاء مع التقدم في العمر، ما قد يؤدي إلى ضبابية الرؤية وضعف تمييز التباين، بينما تمثل الجلوكوما خطراً أكبر بسبب إمكانية تطورها من دون ألم أو أعراض واضحة في مراحلها الأولى، قبل أن تؤدي إلى تلف العصب البصري.
كما يؤثر الضمور البقعي المرتبط بالعمر في الرؤية المركزية، بما قد يصعب قراءة النصوص والتعرف على الوجوه وتنفيذ المهام الدقيقة.
وتشير تقديرات منشورة في مجلة «ذا لانست غلوبال هيلث» إلى أن ضعف البصر غير المعالج يكلف الاقتصاد العالمي نحو 411 مليار دولار سنوياً من الإنتاجية المفقودة، فيما يأتي جانب مهم من الخسائر نتيجة ضعف الرؤية القريبة الذي يمكن تصحيحه في حالات كثيرة بسهولة نسبية.
ولا تظهر التكلفة دائماً في صورة غياب الموظف عن العمل، فقد تتمثل في انخفاض سرعة إنجاز المهام وزيادة الأخطاء وصعوبة قراءة البيانات وفحص المنتجات أو التعامل مع التفاصيل الفنية.
وقد يضطر الموظف إلى الاقتراب من الشاشة أو التحديق لفترات أطول، ما يزيد الإجهاد البصري والجسدي ويمكن أن يرتبط بالصداع وآلام الرقبة والكتفين، ليصبح ضعف الرؤية مشكلة إنتاجية تتجاوز حدود الرعاية الصحية.
كما أظهرت أبحاث تابعت أشخاصاً أصيبوا بضعف الرؤية بين 44 و64 عاماً ارتباط هذه المشكلات بالخروج من سوق العمل، مع ارتفاع احتمالات التقاعد غير الطوعي لدى بعض المتضررين.
استثمار وقائي
إذا كانت الحكومات تريد الاستفادة من القوى العاملة الأكبر سناً، فإن صحة العين لا يمكن أن تظل مسؤولية فردية فقط، بل تحتاج إلى أن تصبح جزءاً من سياسات الصحة المهنية وإدارة المواهب والتخطيط الاقتصادي طويل الأجل.
ويمكن للشركات البدء ببرامج للفحص البصري، خصوصاً للعاملين فوق سن الأربعين، بما يسمح باكتشاف مشكلات مثل الجلوكوما مبكراً قبل ظهور أعراض واضحة أو حدوث أضرار دائمة.
كما تحتاج المؤسسات إلى تهيئة بيئات العمل للموظفين الأكبر سناً من خلال تحسين الإضاءة وتقليل انعكاسات الشاشات وتوفير خيارات تكبير النصوص وتعديل إعدادات العرض وتنظيم فترات قصيرة للراحة البصرية.
ويمتد الدور إلى الحكومات من خلال إدماج صحة العين في سياسات الشيخوخة النشطة والرعاية الأولية، وتسهيل الحصول على الفحوص والعدسات التصحيحية والعلاجات المناسبة بتكلفة يمكن تحملها.
فالإنفاق على الوقاية والعلاج قد يمنع مشكلة قابلة للتصحيح من التحول إلى سبب لخروج موظف خبير من سوق العمل، بما يحافظ على رأس المال البشري ويقلل الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالتقاعد المبكر.
اقتصاد أطول يحتاج رؤية
لا يمثل التحول الديموغرافي العالمي مجرد زيادة في أعداد كبار السن، بل إعادة تشكيل لسوق العمل تفرض على الحكومات والشركات التفكير في كيفية إطالة سنوات الحياة المنتجة بالتوازي مع ارتفاع متوسط العمر. ومن هنا تصبح حماية بصر العاملين استثماراً اقتصادياً، وليس مجرد امتياز صحي، لأن الموظف المخضرم الذي يحتفظ بقدرته على أداء مهامه يمثل معرفة وخبرة يصعب تعويضهما سريعاً. ولن ينجح «الاقتصاد الفضي» بمجرد رفع سن التقاعد ومطالبة الناس بالعمل سنوات إضافية، وإنما بتهيئة الظروف التي تسمح لهم بذلك. وإذا كان العالم يستعد لعصر يعيش ويعمل فيه البشر لفترة أطول، فإن الحفاظ على قدرتهم على الرؤية بوضوح قد يصبح أحد الشروط الأساسية للحفاظ على إنتاجيتهم أيضاً.