عمالقة التكنولوجيا تبتلع 500 مليار دولار
يقوم عمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي» بمسح أسواق المال العالمية بحثاً عن السيولة اللازمة لتمويل توسعاتهم الهائلة في الذكاء الاصطناعي، في موجة اقتراض غير مسبوقة بدأت تعيد تشكيل أسواق الدين العالمية، وتغير طريقة اختيار الشركات والحكومات لتوقيت إصداراتها وآجالها وتكلفتها. ولم تعد المنافسة على الأموال مقتصرة على شركات القطاع نفسها، بعدما أصبحت الإصدارات التكنولوجية الضخمة تنافس الشركات التقليدية وحتى الحكومات على رؤوس الأموال المتاحة.
وتستعد أسواق السندات الأوروبية لاستقبال «ميتا» للمرة الأولى هذا الخريف لجمع تمويلات مخصصة لتوسعات الذكاء الاصطناعي، لتصبح أوروبا أحدث محطة في رحلة شركات التكنولوجيا للبحث عن الأموال عبر أكبر عدد ممكن من الأسواق. ويعكس التحرك اتساع الاحتياجات التمويلية للقطاع إلى مستوى لم تعد السوق الأميركية وحدها قادرة على استيعابه بسهولة، خصوصاً مع تسارع الاستثمار في مراكز البيانات والرقائق وشبكات الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ديون تاريخية
ويصف جريج بيترز، الرئيس التنفيذي المشارك في «بي جي آي إم» لإدارة الأصول، حجم الديون الحالية بأنه تاريخي بكل المقاييس، مشيراً إلى أن ضخامة الأرقام تحدث تحولاً جذريـاً فــي المشهــد. ولا يقتصر أثر هذه الموجة على زيادة المعروض من سندات الشركات، بل يمتد إلى الطريقة التي تقترض بها المؤسسات الأموال عالمياً، وأماكن طرح الديون وتوقيتها وتكلفتها.
وباتت شركات عديدة مضطرة إلى التنسيق بعناية أكبر قبل دخول أسواق السندات، لتجنب طرح إصداراتها بالتزامن مع صفقات بمليارات الدولارات من شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تستطيع اجتذاب كتلة ضخمة من المستثمرين في فترة قصيرة. كما تلجأ بعض المؤسسات إلى آجال استحقاق أقصر أو نوافذ زمنية مختلفة لتفادي المنافسة المباشرة مع الإصدارات التكنولوجية العملاقة.
مزاحمة الحكومات
وامتدت تداعيات الطفرة إلى أسواق الديون السيادية، وسط مخاوف من أن تتحول شركات التكنولوجيا إلى منافس مباشر للحكومات على السيولة العالمية. ويرى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن شركات القطاع باتت تزاحم سوق سندات الخزانة الأميركية، البالغ حجمها نحو 31 تريليون دولار، على رؤوس الأموال، في وقت ارتفعت فيه عوائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ 2007.
ولا تقتصر المخاوف على الولايات المتحدة؛ إذ أثار ارتفاع اقتراض شركات التكنولوجيا اهتمام خبراء البنك المركزي الأوروبي، في ظل احتمالات أن تؤدي الكميات الهائلة من الإصدارات الجديدة إلى زيادة تكلفة التمويل على القطاعات الأخرى. وكلما ارتفعت العوائد التي تقدمها الشركات التكنولوجية ذات الجدارة الائتمانية المرتفعة، أصبح على جهات الإصدار الأخرى تقديم عائد أكثر جاذبية لاستقطاب المستثمرين.
500 مليار
وتكشف أرقام «غولدمان ساكس» حجم التحول؛ إذ قدم المستثمرون نحو 500 مليار دولار لشركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي منذ بداية العام، فيما استحوذت خمس شركات كبرى، هي «أمازون» و«ألفابت» و«ميتا» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»، على نحو 200 مليار دولار من هذه الأموال. ولا يبدو أن الموجة تقترب من نهايتها، إذ تشير التوقعات إلى إمكانية احتياج الشركات الكبرى إلى ديون تتجاوز تريليون دولار خلال السنوات المقبلة لتمويل البنية التحتية اللازمة لسباق الذكاء الاصطناعي.
وتقدم «سوفت بنك» مثالاً على ضخامة الاحتياجات التمويلية الجديدة، بعدما جمعت الشركة اليابانية أكثر من 11 مليار دولار من خلال أكبر إصدار لسندات عالية العائد في التاريخ، لتمويل استثمارها في «أوبن إيه آي». وأصبحت سوق الائتمان مطالبة باستيعاب إصدارات كان من الصعب تصور أحجامها قبل سنوات قليلة، في وقت تتسابق فيه الشركات لتأمين الأموال قبل ارتفاع تكاليف التمويل أو اشتداد المنافسة عليها.
تشوه التسعير
وأدت وفرة الإصدارات إلى ظاهرة غير معتادة في أسواق الائتمان، إذ أصبحت بعض سندات الشركات ذات التصنيف الائتماني المرتفع تتداول بخصم، وبعائد أعلى، مقارنة بإصدارات لشركات أقل جودة ائتمانية، نتيجة الفائض المفاجئ في المعروض. وبذلك لم تعد الجدارة الائتمانية وحدها العامل الحاسم في تحديد تكلفة التمويل، بعدما أصبح حجم الإصدارات وتوقيتها وقدرة المستثمرين على استيعابها عوامل أكثر تأثيراً.
وأوضح لطفي كاروي من «بيمكو» أن إعادة تسعير سندات عمالقة التكنولوجيا لتصل أحياناً إلى مستويات تقترب من السندات الأعلى مخاطرة ترتبط بعدم استقرار جدول الإصدارات والإنفاق. وفي الوقت نفسه، يرى أندي تشورلتون من «إم أند جي» أن أسواق الائتمان أصبحت تتعامل عملياً مع سوقين منفصلين؛ الأول لشركات الذكاء الاصطناعي والثاني لبقية الشركات، مع احتمال انتقال ارتفاع تكاليف الاقتراض لاحقاً إلى مؤسسات مرموقة خارج قطاع التكنولوجيا.
745 ملياراً
وتفسر خطط الإنفاق الضخمة سبب استمرار شهية الشركات للديون، بعدما رفعت «غوغل» و«أمازون» و«مايكروسوفت» و«ميتا» توقعاتها للإنفاق الرأسمالي خلال العام إلى نحو 745 مليار دولار. وتحتاج الشركات إلى مبالغ هائلة لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتطوير شبكات الحوسبة وتأمين احتياجات الطاقة، ما يجعل سباق الذكاء الاصطناعي واحداً من أكثر التحولات الاقتصادية كثافة في رأس المال خلال العقود الأخيرة.
لكن هذه الدورة الاستثمارية تخلق شبكة متزايدة التعقيد من الالتزامات المالية؛ فمصنعو الرقائق ومصممو مراكز البيانات ومزودو الطاقة وشركات التكنولوجيا يتعاملون جميعاً مع أسواق الائتمان، كما يقدم بعضهم التمويل أو الالتزامات لبعض، الأمر الذي يصعب على صناديق التقاعد وشركات التأمين تحديد حجم تعرضها الحقيقي للمخاطر. وحذر سكوت شولتي من «باركليز» من أن المنظومة أصبحت شديدة الترابط، وبالتالي فإن ظهور مشكلة لدى أحد الأطراف قد ينقل آثارها إلى أطراف أخرى.
أسواق بديلة
ودفعت ضخامة الاحتياجات التمويلية الشركات الأميركية إلى تجاوز حدود وول ستريت والبحث عن الأموال في مختلف أنحاء العالم. فقد باعت «أمازون» ديوناً بقيمة 14 مليار دولار كندي، محطمة الرقم القياسي السابق لـ«ألفابت» البالغ 8.5 مليارات دولار كندي، في مؤشر على تحول الأسواق المحلية خارج الولايات المتحدة إلى مصادر رئيسية لتمويل توسعات التكنولوجيا الأميركية.
وسلكت «ألفابت» المسار نفسه، فأصدرت سندات بنحو 5.5 مليارات دولار أسترالي، وجمعت 3.1 مليارات فرنك سويسري، إضافة إلى إصدار بقيمة 5.5 مليارات جنيه إسترليني تضمن سندات نادرة تستحق بعد 100 عام. ويكشف هذا التنوع الجغرافي والعملاتي مدى اتساع عملية البحث عن السيولة، إذ تسعى الشركات إلى توزيع اقتراضها وتجنب الضغط المفرط على سوق واحدة والاستفادة من قواعد مختلفة من المستثمرين.
ضغط سيادي
وتأتي طفرة الاقتراض التكنولوجي في توقيت تواجه فيه حكومات كبرى بالفعل ارتفاعاً في تكلفة خدمة ديونها، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا. وقالت ماريون لو مورهيديك من «فيديلتي إنترناشيونال» إن ديون التكنولوجيا أصبحت تنافس السندات الحكومية بصورة مباشرة، إذ تعرض الشركات الكبرى نماذج ائتمانية تبدو جذابة للمستثمرين في وقت يتراجع فيه التسامح مع مستويات العجز الحكومي المرتفعة.
وأشار ماتيو هورنباخ من «مورغان ستانلي» إلى أن جزءاً من عمليات بيع سندات الخزانة الأميركية يرتبط بتحوط المتعاملين الرئيسيين من انكشافهم على ديون شركات التكنولوجيا. وبدأ التأثير يمتد حتى إلى جداول الاقتراض السيادي؛ إذ أوضحت هنرييتا باكومنت من «أولسبرينج» أن بعض الدول أصبحت تتجنب توقيت مزادات ديونها خلال الفترات التي تشهد إصدارات ضخمة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في انعكاس واضح للقوة التي اكتسبها القطاع داخل أسواق رأس المال.