فائض الادخار وتبدّل معادلات الاقتصاد العالمي
في القسم السابق، أشرت إلى أن رفع قيمة الرنمينبي بصورة كبيرة خلال فترة قصيرة ليس خياراً خالياً من المخاطر، واستعرضت الجوانب المرتبطة بالزيادة المحتملة في قيمة العملة، قبل الوصول إلى استنتاج مفاده أن التضخم وارتفاع قيمة الرنمينبي يمثلان تطورين مرجحين على المدى الطويل.
ويطرح ذلك سؤالاً آخر: كيف يمكن للصين زيادة الاستهلاك؟ ولماذا أوصى بنك التنمية الآسيوي الهند وباكستان بزيادة الاستثمار خلال فترات التضخم المرتفع، في حين دعا الصين إلى خفض الاستثمار خلال فترة التضخم المنخفض؟
قد تبدو الإجابة التقليدية مرتبطة بالظروف الاقتصادية الخاصة بالصين، والتي تقتضي، وفق هذا الطرح، خفض الاستثمار وزيادة الاستهلاك في ظل وجود طاقة إنتاجية فائضة. وليس من الخطأ أن تعمل الصين على زيادة الاستهلاك، إلا أن الإشكالية تكمن في أن قرارات الإنفاق والاستهلاك تتخذ بصورة رئيسية من جانب الأسر والشركات، التي تتخذ قرارات إنفاقها في ضوء القيود التي تواجهها، ولا تحتاج بالضرورة إلى توجيه حكومي مباشر بشأن كيفية استخدام أموالها.
ويُجبر عدد كبير من الصينيين على ادخار نسبة مرتفعة من دخولهم تحسباً لمواجهة نفقات صحية كبيرة، في ظل الفارق بين تطور النظام المالي في الولايات المتحدة ومحدودية النظام المالي الصيني آنذاك. ففي نظام مالي أكثر تطوراً، يستطيع المواطنون الأميركيون الحفاظ على معدلات ادخار أقل، مع إمكانية تنمية ثرواتهم بصورة أكبر من خلال الاستثمار في أسواق رأس المال.
أما في النظام المالي الصيني الأقل تطوراً، فيميل المستهلكون إلى الاحتفاظ بمعدلات ادخار مرتفعة والحد من الاستهلاك، وهو ما ينعكس على مستويات معيشتهم. وفي المقابل، تبقى هذه المدخرات الضخمة، باعتبارها فائضاً في رأس المال، غير قادرة على الوصول بكفاءة إلى فائض قوة العمل وتوظيفه في الأنشطة القادرة على خلق الثروة.
وتنظر الولايات المتحدة إلى المنافسة الصينية باعتبارها مصدر قلق، وهي المخاوف التي كانت حاضرة أيضاً لدى سكان هونغ كونغ قبل سنوات، قبل أن يتضح لهم أن تسارع نمو الاقتصاد الصيني أوجد فرصاً اقتصادية إضافية.
ووفق هذا الطرح، فإن مساعدة الصين على تطوير نظام مالي أكثر كفاءة قد تتيح الجمع بصورة أفضل بين فائض قوة العمل وفائض رأس المال، بما يسمح بخلق مستويات أكبر من الثروة، ويولد في المقابل طلباً واسعاً على السلع والخدمات الأميركية. وعندها يمكن أن تتسع فرص التوظيف والعوائد في الولايات المتحدة بصورة مستمرة.
وفي المحصلة، لا تكمن القضية في حجم المدخرات المتاحة بقدر ما ترتبط بقدرة النظام المالي على توجيهها بكفاءة. فكلما انخفضت تكاليف المعاملات وارتفعت كفاءة الأسواق المالية، أصبح بالإمكان توجيه المدخرات نحو الاستثمارات الأكثر إنتاجية، وربط رأس المال بقوة العمل بصورة أكثر كفاءة، بما يسمح بتحويل الموارد المتاحة إلى إنتاج وثروة، ويفتح في الوقت نفسه مجالاً أوسع لزيادة الاستهلاك وتحسين مستويات المعيشة.
انبعاثات الكربون
منذ انطلاق الثورة الصناعية في الغرب، لم يكن المجتمع الإنساني يدرك على نحو كافٍ الأضرار الناجمة عن انبعاثات الكربون. فعلى مدى القرون الممتدة بين 200 و500 عام الماضية، لم تُحتسب هذه الانبعاثات ضمن التكاليف الاقتصادية للإنتاج، ما أدى إلى تراكم كميات مفرطة منها. ومع تحولها إلى تهديد للتغير المناخي واستدامة الحضارة الصناعية، بات من المرجح أن ترتفع تكلفة انبعاثات الكربون باستمرار على المدى الطويل.
وخلال عصر الحضارة الزراعية، اعتمدت الصين في تنميتها الاقتصادية أساساً على السكان والأراضي الزراعية، ولم تكن بحاجة إلى استخدام الفحم والمحركات البخارية على نطاق واسع. في المقابل، ابتكر الغرب المحرك البخاري الذي يعمل بالفحم، ما أسهم في رفع إنتاجية العمل بدرجة كبيرة. غير أن حسابات التكلفة اقتصرت على نفقات استخراج الفحم واستخدامه، من دون احتساب الأضرار الناجمة عن انبعاثات الكربون وتأثيرها في المناخ والتنمية المستدامة على المستوى العالمي.
وخلال السنوات الخمس الأخيرة، بدأ الغرب يدرك أن تعميم مستويات المعيشة وأنماط المجتمع الصناعي الحديث السائدة لدى نحو 20 % من سكان العالم في البلدان المتقدمة على النسبة المتبقية البالغة 80 %، سيؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية للانبعاثات الكربونية، بما قد يهدد فرص التنمية المستدامة للجميع. وقد دفع ذلك المجتمعات الغربية إلى إيلاء هذه الانبعاثات اهتماماً متزايداً. وفي ظل هذه الضغوط، يُرجح أن ترتفع تكلفة انبعاثات الكربون، وإن ظل توقيت هذه الزيادة موضعاً للتقدير.
السياسات النقدية
بعد تخلي المجتمع البشري عن نظام قاعدة الذهب، تراجعت القيود التي كان يفرضها هذا النظام على السياسات النقدية للدول، في ظل الاعتماد على النقود الورقية. وأسهم ذلك، وفق هذا الطرح، في انخفاض تكلفة رأس المال، وظهور فقاعات مالية، وتفاقم أزمات الديون. وفي الوقت نفسه، كانت البلدان المتقدمة قد بدأت بالفعل عمليات التصنيع والتحديث التي تتطلب كميات كبيرة من رأس المال والمواد الخام، ما يرجح ارتفاع تكلفة رأس المال، ممثلة في أسعار الفائدة الفعلية، مستقبلاً.
وتاريخياً، اعتمدت البشرية على المعادن، مثل الذهب والفضة، بوصفها أساساً للنقود. وقد أدى استخدام الذهب إلى ارتفاع تكلفة الحصول على رأس المال، نتيجة محدودية المعروض منه. ولم تكن المشكلة في ارتفاع تكلفة رأس المال وحدها، بل أيضاً في عدم كفاية المعروض النقدي القائم على الذهب لتلبية احتياجات النشاط الاقتصادي، الأمر الذي حدّ من انتشار التنمية وتوسعها.
أما في عصر النقود الورقية، وخصوصاً بعد أن أنهت الولايات المتحدة قابلية تحويل الدولار إلى ذهب عام 1971، فقد غابت نقطة مرجعية ثابتة لتحديد تكلفة رأس المال النقدي على المستوى العالمي، وأصبحت هذه التكلفة تتأثر بدرجة كبيرة بقيمة الدولار والسياسات النقدية الأميركية. وأسهمت السياسة النقدية التيسيرية في خفض تكلفة رأس المال إلى مستويات متدنية، ما ساعد على نشوء اختلالات مالية كانت من بين العوامل التي أسهمت في الأزمة المالية العالمية. كما ارتبط انخفاض تكلفة التمويل بتضخم أسعار العقارات والأسهم في الولايات المتحدة، وتسارع نمو الثروة المالية، وزيادة الاستهلاك.
وامتدت تدفقات رأس المال الرخيص إلى البلدان النامية، بما فيها الصين، وأسهمت في إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة. وشجع ذلك على التوسع السريع في الصناعات التحويلية وغيرها من القطاعات كثيفة رأس المال، الأمر الذي أدى إلى نشوء طاقات إنتاجية فائضة.
ومن الواضح، وفق هذا التحليل، أن انخفاض تكلفة رأس المال يمثل أحد العوامل الأساسية وراء اختلال التوازن الاقتصادي العالمي. ويتحمل النظام المالي الدولي، الذي يؤدي الدولار الأميركي دوراً محورياً فيه، جانباً مهماً من المسؤولية عن هذه الاختلالات، نظراً إلى مكانة الدولار بوصفه العملة الرئيسية للاحتياطيات الأجنبية والتجارة العالمية وأسواق رأس المال.
وعقب الأزمة المالية العالمية، واجهت الولايات المتحدة مشكلة الاختلال في تكلفة رأس المال، لكنها لم تتجه إلى رفعها، بل لجأت إلى سياسات نقدية تستهدف إبقاء التمويل منخفض التكلفة، بما في ذلك خفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، بهدف منع انهيار النظام المالي الأميركي. وقد تكون هذه الإجراءات مفهومة في الأجل القصير، إلا أن استمرار أسعار الفائدة المنخفضة لا يعالج بالضرورة الاختلالات في تكلفة رأس المال على المدى الطويل، ولا يضمن تحقيق متطلبات التنمية المستدامة في الولايات المتحدة واليابان والصين وبقية العالم.
فعندما تنخفض تكلفة رأس المال إلى مستويات متدنية للغاية، تتراجع قدرة أسعار الفائدة على توجيه الاستثمارات نحو الاستخدامات الأكثر إنتاجية، ما يفضي إلى اضطراب القرارات الاستثمارية وتوزيع الموارد. ويُعد ذلك، وفق هذا الطرح، أحد مصادر الاختلالات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فنحو 80 % من سكان العالم يعيشون في البلدان النامية التي تحتاج إلى استثمارات واسعة لتحسين مستويات المعيشة، في حين يظل رأس المال مورداً محدوداً. وعندما تقترب تكلفة التمويل من الصفر، قد تتجه الاستثمارات إلى مشروعات منخفضة الجدوى، بينما تعجز مشروعات ضرورية للتنمية عن استقطاب التمويل اللازم، ما يؤدي إلى تراجع كفاءة تخصيص رأس المال على المستوى العالمي.
ولا يمكن استمرار هذا الوضع إلى أجل غير محدد. ومع تصحيح السياسات النقدية والمالية، يرجح هذا التحليل اتجاهاً نحو ارتفاع تكلفة رأس المال مستقبلاً. ويستند ذلك إلى توقـع أن ينتقل نحـو 80 % من سكان العالم، خلال الخمسين عاماً المقبلة، إلى أنماط معيشة حديثة، وهي عملية تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والإنتاج والخدمات.
تقدير معدلات التضخم
في 3 نوفمبر 2010، أعلن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أنه سيشتري سندات خزانة أميركية طويلة الأجل بقيمة 600 مليار دولار، بمعدل 75 مليار دولار شهرياً حتى يونيو 2011. كما أعلن الإبقاء على سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عند نطاق منخفض يصل إلى 0.25 %. ومثّل ذلك الجولة الثانية من برنامج «التسهيل الكمي»، الذي استهدف دعم النشاط الاقتصادي وتحفيز النمو في الولايات المتحدة.
وفي ظل ظروف اقتصادية صعبة، تتسم بأسعار فائدة تقترب من الصفر، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف الائتمان المتاح للاقتصاد الحقيقي، وتباطؤ النمو، ووجود ضغوط انكماشية، تلجأ البنوك المركزية إلى سياسات «التسهيل الكمي» في محاولة لدعم النشاط الاقتصادي والحد من مخاطر الانكماش، من خلال توسيع السيولة وخفض تكلفة التمويل.
وقبل ذلك بنحو عقد، كانت اليابان قد لجأت إلى سياسة «التسهيل الكمي»، لكنها لم تحقق نتائج بارزة في تحفيز النمو الاقتصادي. وفي عام 2008، وبعد اندلاع الأزمة المالية العالمية وإجراء تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة، تبنت كل من بريطانيا والولايات المتحدة سياسات مماثلة بهدف دعم النشاط الاقتصادي والنمو، إلا أن نتائجها في دفع النمو بقيت محدودة.
الولايات المتحدة تواجه الانكماش والأسواق الناشئة التضخم
تمثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وغيرها من الاقتصادات المتقدمة نحو 20 % من سكان العالم. وبعد الأزمة المالية العالمية، بدأت هذه الاقتصادات تنفيذ تعديلات هيكلية واسعة، شملت إعادة التوازن إلى أوضاع المالية العامة والقطاعين المؤسسي والأسري، من خلال زيادة المدخرات والإيرادات الضريبية، وخفض مستويات الدين والاستهلاك.
كما عملت هذه الاقتصادات على تعديل أنماطها الإنتاجية، بالانتقال تدريجياً من الاعتماد على المستهلك الأميركي إلى الاستفادة من الطلب المتزايد في الأسواق الناشئة، إلى جانب البحث عن مجالات جديدة للتوظيف والنشاط الاقتصادي. وشمل ذلك التحول من قطاعات العقارات والمال والمحاسبة والقانون والصناعات الأخرى التي ارتبط جزء كبير منها بارتفاع أسعار الأصول، نحو مجالات مثل الابتكار التكنولوجي والتعليم والطاقة الجديدة والبنية التحتية وغيرها من القطاعات التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر ارتباطاً بالاحتياجات المستقبلية للاقتصاد العالمي.
ويعني استمرار سياسة «التسهيل الكمي» الأميركية أن الأسواق المالية العالمية ستظل أمام بيئة من أسعار الفائدة المنخفضة لفترة زمنية طويلة نسبياً. ولن تتغير هذه السياسة بصورة جوهرية إلا في حال ظهور ارتفاع واضح ومستمر في معدل التضخم الأميركي.
لكن من منظور الأسواق المالية العالمية، تطرح هذه البيئة تحدياً يتعلق بالعائد على رأس المال. فمع تمركز نسبة كبيرة من التدفقات المالية العالمية في الأسواق الناشئة، فإن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات قريبة من الصفر، بالتزامن مع ارتفاع توقعات التضخم على المدى الطويل، قد يؤدي إلى تراجع العائد الحقيقي على الأصول المالية، وصولاً في بعض الحالات إلى عوائد تقترب من الصفر أو تصبح سلبية.