عمالقة الذكاء الاصطناعي يطالبون بفرملة السباق
دخل سباق الذكاء الاصطناعي العالمي منعطفاً جديداً بعدما دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات النماذج الأكثر تقدماً، محذراً من وصول الصناعة إلى مرحلة قد يصبح فيها تطور التقنية أسرع من قدرة البشر على فهمها والسيطرة عليها.
ولم تبق الدعوة داخل حدود النقاش التقني في وادي السيليكون، إذ تحولت سريعاً إلى قضية اقتصادية وجيوسياسية تتقاطع فيها سلامة الذكاء الاصطناعي مع المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين. فبينما يطالب أمودي بوضع سقف لسرعة تطور النماذج، يؤكد في الوقت نفسه ضرورة احتفاظ واشنطن وحلفائها بتفوقهم على بكين، ما يثير تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين المخاوف الحقيقية على السلامة ومحاولات حماية النفوذ التكنولوجي الأميركي.
خطر متسارع
ينطلق أمودي في تحذيراته من مفهوم «التحسين الذاتي المتكرر»، الذي تصبح فيه نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية أداة لتطوير نماذج أكثر تقدماً منها، لتنشأ حلقة متسارعة من التحسين قد يصعب على البشر مواكبة سرعتها أو فهم تداعياتها.
ويستند الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك» إلى مخاطر يراها عملية وليست نظرية فقط، مشيراً إلى واقعة تمكن فيها نظام تابع لـ«أوبن إيه آي» من مهاجمة منصة «هاجينغ فيس»، قبل أن تكتشف الشركة المطورة ما جرى بعد أسابيع.
وفي رسالة مطولة بلغت نحو 3800 كلمة، طرح أمودي خطة من ثلاث خطوات تبدأ بإخضاع شركات الذكاء الاصطناعي لتقييمات سلامة مستقلة، والسماح لمقيمين خارجيين بالعمل داخل الشركات، مع نشر النتائج حتى إذا كانت سلبية.
وتتمثل الخطوة الثانية في اتفاق شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية ونظيراتها في الدول الديمقراطية على معايير مشتركة للسلامة، تشمل وضع سقف لسرعة تطور قدرات النماذج بدعم حكومي. أما الخطوة الثالثة فتتمثل في محاولة إقناع حكومات أخرى، وفي مقدمتها الصين، بتطبيق قيود مماثلة تشمل اختبار النماذج قبل إطلاقها وحظر الاستخدامات الخطرة وإمكانية وقف التطوير في الحالات القصوى.
صراع النفوذ
تبدأ المعضلة عندما تنتقل مقترحات أمودي من السلامة إلى الجغرافيا السياسية. فهو يدعو بالتوازي مع إبطاء تطوير النماذج إلى استمرار القيود الأميركية على وصول الشركات الصينية إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وتشديد التدابير لمنع استغلال النماذج الأميركية.
وتطرح هذه المعادلة سؤالاً بشأن ما إذا كانت قواعد السلامة يمكن فصلها فعلياً عن المنافسة الاقتصادية. فالولايات المتحدة تريد الحد من سرعة تطوير تقنيات قد تشكل خطراً مستقبلياً، لكنها لا تريد أن يؤدي تباطؤ شركاتها إلى منح الصين فرصة لتقليص الفجوة التكنولوجية.
وحصلت مبادرة أمودي على تأييد شخصيات بارزة في القطاع، من بينها سام ألتمان الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه.آي»، وإيلون ماسك رئيس «إكس إيه.آي»، وديميس هاسابيس رئيس «غوغل ديب مايند»، في مؤشر إلى اتساع القلق داخل الصناعة بشأن السرعة الحالية لتطوير النماذج.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض الدعوات إلى التباطؤ، متمسكاً بأن الولايات المتحدة تتقدم على الصين وأن المحافظة على هذا التفوق أولوية استراتيجية. ومن وجهة نظره، فإن الدولة التي تفوز بسباق الذكاء الاصطناعي ستحصل على أفضلية اقتصادية واستراتيجية يصعب تعويضها لاحقاً.
كما رفض ديفيد ساكس فكرة الحاجة إلى تدخل حكومي لفرض التباطؤ، معتبراً أن الشركات تستطيع خفض وتيرة التطوير بنفسها، وعليها تحمل المسؤولية القانونية عن منتجاتها بدلاً من انتظار قواعد تفرضها الحكومة.
رد بكين
في الصين، قوبلت مبادرة أمودي بتشكك واضح. ولفتت صحيفة «غلوبال تايمز» إلى ذكر الصين 12 مرة في رسالته، واعتبرت المقترحات امتداداً لمنطق «الحرب الباردة» ومحاولة لتغليف سياسات احتواء التقدم الصيني بمبررات تتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي.
ويكتسب هذا الاعتراض أهمية أكبر مع تسارع تطور نماذج المصادر المفتوحة الصينية، التي بات بعضها يقدم أداءً منافساً للنماذج الأميركية بتكاليف أقل، ما يزيد الضغوط على الشركات الأميركية التي استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في تطوير النماذج ومراكز البيانات.
ومن المنظور الصيني، يمكن أن تتحول القيود المفروضة على الرقائق ومعايير السلامة إلى حواجز تكنولوجية تحافظ من خلالها الشركات الأميركية على تقدمها، خصوصاً مع استعداد بعض عمالقة القطاع لجولات تمويل وتقييمات ضخمة.
وفي المقابل، تطرح بكين نموذجاً مختلفاً للحوكمة. فقد دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى إطار عالمي للذكاء الاصطناعي يقوم على التعاون والشفافية والمصادر المفتوحة، في وقت تتجه فيه واشنطن بدرجة أكبر إلى حماية التقنيات المتقدمة وتقييد وصول المنافسين إليها.
من يتحكم بسرعة السباق؟
تكشف دعوة أمودي أن المعركة العالمية حول الذكاء الاصطناعي لم تعد تتعلق فقط بمن يمتلك النموذج الأقوى، وإنما بمن يستطيع تحديد القواعد والسرعة التي ستتطور بها الصناعة. فإبطاء السباق قد يقلص بعض المخاطر، لكنه قد يعيد في الوقت نفسه توزيع القوة بين الشركات والدول.
ولا تبدو المخاوف المتعلقة بالسلامة منفصلة تماماً عن المصالح الاقتصادية والجيوسياسية. فالولايات المتحدة تخشى أن يمنح التباطؤ الصين فرصة للحاق بها، بينما تخشى بكين أن تتحول معايير السلامة إلى أداة جديدة لمنعها من الحصول على الرقائق والتقنيات الأكثر تقدماً.
وبين المخاوف الوجودية والمنافسة على مليارات الدولارات والنفوذ الاستراتيجي، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان سباق الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى فرامل، بل من سيمتلك القدرة على الضغط عليها، ومن سيواصل السباق عندما يفعل الآخرون ذلك.