عوائد السندات تفقد الذهب بريقه الأسبوعي
ارتفعت أسعار الذهب بصورة طفيفة في ختام تعاملات الجمعة، لكن المكاسب المحدودة لم تكن كافية لإنقاذ المعدن النفيس من خسارة أسبوعية جديدة، في ظل ضغوط متزايدة فرضها ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، واستمرار المخاوف بشأن التضخم، إلى جانب الإشارات المتشددة الصادرة عن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن مسار السياسة النقدية. وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.16 % إلى 4285.03 دولار للأونصة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً بنحو 2.09 %.
وفي سوق العقود، زادت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.5 % عند التسوية لتصل إلى 4321.20 دولار للأونصة، إلا أنها سجلت بدورها خسارة أسبوعية بلغت نحو 2.34 %. ويكشف التباين بين ارتفاع جلسة الجمعة والحصيلة الأسبوعية السلبية عن استمرار الضغوط الأساسية على المعدن، الذي يجد صعوبة في بناء موجة صعود مستدامة مع ارتفاع العائد الذي يستطيع المستثمر الحصول عليه من الأصول الأميركية المنافسة.
وتشكل سندات الخزانة الأميركية حالياً أحد أبرز مصادر الضغط على الذهب، إذ أدى الارتفاع المتواصل في عوائدها إلى وضع المعدن على مسار تسجيل رابع خسارة أسبوعية خلال الأسابيع الخمسة الماضية. وتزداد حساسية الذهب لتحركات سوق الدين عندما ترتفع العوائد بقوة، نظراً إلى أن المعدن لا يمنح حائزه عائداً دورياً، ما يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به مقارنة بالسندات والأدوات التي توفر دخلاً ثابتاً.
وتتعاظم هذه المنافسة كلما ظلت العوائد عند مستويات مرتفعة، إذ يصبح الاحتفاظ بالسندات الأميركية أكثر جاذبية بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين، في الوقت الذي يحتاج فيه الذهب إلى عوامل دعم أقوى لتعويض فارق العائد. ولذلك لم يتمكن المعدن من الاستفادة بصورة كبيرة من بعض عوامل عدم اليقين التي عادة ما تعزز الطلب عليه كملاذ آمن، بعدما أصبحت حركة أسواق الفائدة والعوائد صاحبة التأثير الأقوى على قرارات المستثمرين.
كما يعكس تراجع الذهب الأسبوعي تغيراً في المعادلة التي حكمت تحركاته خلال فترات سابقة؛ فارتفاع المخاطر لا يقود بالضرورة إلى صعود المعدن عندما يتزامن مع قفزة قوية في عوائد السندات. ونتيجة لذلك، أصبحت السوق توازن بين الطلب الدفاعي على الذهب وبين العائد المتاح في أدوات الدين الأميركية، وهو ما يفسر بقاء الأسعار تحت الضغط رغم تسجيلها ارتفاعاً محدوداً الجمعة.
تشدد الفدرالي
ويأتي ضغط السندات بالتزامن مع استمرار المخاوف من التضخم، وهي مخاوف تقلص توقعات تحول الاحتياطي الفدرالي سريعاً نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً. فالإشارات المتشددة الصادرة عن مسؤولي البنك المركزي الأميركي تعزز احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو سيناريو غير مواتٍ عادة للذهب لأنه يدعم عوائد الأصول المقومة بالدولار ويرفع تكلفة الاحتفاظ بالمعدن.
وتراقب الأسواق بصورة خاصة العلاقة بين التضخم والفائدة، إذ إن استمرار ضغوط الأسعار قد يدفع الاحتياطي الفدرالي إلى الإبقاء على موقف حذر، حتى إذا ظهرت مؤشرات على تباطؤ أجزاء من الاقتصاد. وأصبحت توقعات السياسة النقدية عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الذهب، مع استجابة المستثمرين لكل بيانات يمكن أن تغير تقديراتهم بشأن توقيت وحجم أي تحرك مستقبلي للفائدة.
وفي الوقت نفسه، يظل التضخم عاملاً ذا تأثير مزدوج على المعدن النفيس. فمن الناحية التقليدية يمكن أن يعزز ارتفاع الأسعار جاذبية الذهب باعتباره أداة للتحوط من تآكل القوة الشرائية، لكن عندما يؤدي التضخم نفسه إلى رفع توقعات الفائدة وعوائد السندات، فقد يصبح التأثير السلبي للسياسة النقدية أقوى من الطلب على الذهب كأداة تحوط. وهذا تحديداً ما يزيد تعقيد المشهد الحالي أمام المستثمرين.
قوة الدولار
ويضاف الدولار إلى قائمة الضغوط، بعدما اتجهت العملة الأميركية إلى تسجيل مكاسب أسبوعية، ما يزيد تكلفة شراء المعادن المقومة بالدولار بالنسبة إلى المستثمرين الذين يحملون عملات أخرى. وعادة ما تتحرك العملة الأميركية والذهب في اتجاهين متعاكسين، وإن لم تكن العلاقة ثابتة، لأن ارتفاع الدولار يقلل القوة الشرائية للمستثمرين خارج الولايات المتحدة تجاه المعدن.
واجتماع الدولار القوي مع العوائد المرتفعة وتشدد الاحتياطي الفدرالي يشكل بيئة صعبة للذهب، ويشرح جانباً كبيراً من خسارته الأسبوعية رغم استمرار عوامل عدم اليقين في الأسواق العالمية. كما أن بقاء التضخم مرتفعاً بما يكفي لمنع تحول سريع في السياسة النقدية يمكن أن يطيل أمد هذه الضغوط، ويجعل بيانات الأسعار وسوق العمل الأميركية من أهم المؤشرات التي ستحدد حركة المعدن خلال الفترة المقبلة.
الذهب يترقب مسار الفائدة
يدخل الذهب الأسبوع الجديد بعدما نجح في إنهاء جلسة الجمعة على ارتفاع، لكنه لا يزال محاصراً بثلاثة عوامل مترابطة هي عوائد سندات الخزانة وقوة الدولار وتوقعات السياسة النقدية الأميركية. وتعني الخسارة الأسبوعية البالغة 2.09% في السوق الفورية و2.34 % في العقود الآجلة أن المكاسب المحدودة في نهاية الأسبوع لم تغير الاتجاه العام الذي فرضته أسواق الفائدة.
وستظل قدرة الذهب على استعادة الزخم مرتبطة بدرجة كبيرة باتجاه العوائد؛ فأي انحسار في المخاوف التضخمية أو تحول في لهجة الاحتياطي الفدرالي يمكن أن يقلص جاذبية السندات ويمنح المعدن مساحة للتعافي، بينما قد يؤدي استمرار ارتفاع العوائد والدولار إلى إبقاء الأسعار تحت الضغط. وبين الاتجاهين، يظل مستوى 4285 دولاراً للأونصة انعكاساً لسوق تحاول الموازنة بين مكانة الذهب التقليدية كملاذ آمن وواقع مالي أصبحت فيه الأصول الأميركية ذات العائد منافساً أكثر قوة للمعدن النفيس.