عوائد السندات فوق 5 % تربك وول ستريت
اختتمت وول ستريت أسبوعاً حافلاً بالتقلبات بأداء متحفظ، بعدما تجاوزت عوائد سندات الخزانة الأميركية القياسية مستوى 5 %، في وقت ظلت فيه أسعار النفط أعلى من 100 دولار للبرميل رغم تراجعها عن مكاسب سجلتها في وقت سابق، ما أبقى التضخم وتداعياته المحتملة على السياسة النقدية في صدارة اهتمامات المستثمرين. وبين ضغوط سوق السندات ومخاوف الطاقة، قدمت أسهم شركات أشباه الموصلات دعماً مهماً للمؤشرات الأميركية، وساعدتها على تجنب موجة بيع أكثر حدة في ختام أسبوع استنزفت تحركاته المتعاملين.
عوائد مرتفعة
شكل تجاوز عوائد سندات الخزانة الأميركية القياسية حاجز 5 % أحد أبرز مصادر الضغط على الأسهم، إذ يؤدي ارتفاع العائد على أدوات الدين الحكومية إلى زيادة جاذبيتها مقارنة بالأصول عالية المخاطر، كما يرفع تكلفة الاقتراض بالنسبة إلى الشركات والمستهلكين ويضغط على تقييمات الأسهم.
وتكتسب حركة العوائد أهمية أكبر بالنسبة إلى أسهم النمو والتكنولوجيا التي تعتمد تقييماتها بدرجة كبيرة على توقعات الأرباح المستقبلية، لأن ارتفاع معدلات الخصم يقلص القيمة الحالية لتلك الأرباح. ومع ذلك، استطاعت مكاسب قطاع أشباه الموصلات توفير دعم للسوق ومنع الضغوط القادمة من السندات والطاقة من التحول إلى موجة هبوط واسعة.
ويأتي تجاوز مستوى 5 % بعد أسبوع شهد تحركات قوية في أسواق المال، ما جعل المستثمرين أكثر حذراً في بناء مراكز جديدة قبيل عطلة نهاية الأسبوع، خصوصاً مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن التضخم وأسعار الطاقة ومسار السياسة النقدية الأميركية.
وعكست تعاملات الجمعة حالة من الترقب بعد أسبوع اتسم بتحركات حادة في الأصول المختلفة، من الأسهم والسندات إلى النفط. وقال تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «هوريزون إنفستمنت سيرفيسيز»، إن المستثمرين وصلوا تقريباً إلى نهاية الأسبوع بعد استنزاف طاقتهم بفعل كثافة الأحداث، ما دفعهم إلى تبني نهج أكثر حذراً.
وتوضح هذه الحالة سبب محدودية تحركات المؤشرات الرئيسية رغم وجود عوامل متعارضة قوية. فمن جهة، واجهت السوق ضغوطاً ناتجة عن ارتفاع عوائد السندات واستمرار النفط عند مستويات مرتفعة، ومن جهة أخرى تلقت دعماً من أسهم الرقائق، بالتزامن مع تراجع الخام عن أعلى مستوياته خلال الجلسة.
وأصبحت حساسية المستثمرين تجاه أي تحرك في العوائد أكبر مع ارتفاعها إلى مستويات تتجاوز 5 %، لأن استمرارها عند تلك المستويات قد يعيد تشكيل قرارات توزيع الأصول بين الأسهم والسندات ويزيد تكلفة التمويل في الاقتصاد الأميركي.
ضغط النفط
وظلت أسعار الطاقة عاملاً رئيسياً في حسابات وول ستريت، إذ استقرت أسعار النفط الخام أعلى من 100 دولار للبرميل، وهو مستوى يعزز المخاوف من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات، وبالتالي إبطاء مسار تراجع التضخم.
وتراجعت أسعار الخام عن أعلى مستوياتها المسجلة خلال جلسة الجمعة بعد تحركات دبلوماسية مرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط. وجاء ذلك بعدما دعت الصين، بناء على طلب من السعودية، إيران إلى العمل على خفض نطاق الهجمات التي يشنها الحوثيون على البنية التحتية النفطية في المملكة.
وساعد انحسار جانب من المخاوف المرتبطة بالإمدادات على تقليص مكاسب الخام، إلا أن بقاء الأسعار فوق حاجز 100 دولار أبقى المخاوف التضخمية قائمة. وتراقب الأسواق أسعار الطاقة بصورة خاصة لما لها من تأثير مباشر في تكاليف النقل والإنتاج والاستهلاك، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على توقعات التضخم لدى الأسر والشركات.
دعم الرقائق
وفي مواجهة تلك الضغوط، لعبت أسهم شركات أشباه الموصلات دوراً رئيسياً في دعم السوق الأميركية، وساعد صعودها المؤشرات على تفادي عمليات بيع واسعة. ويتميز قطاع الرقائق بثقله الكبير في المؤشرات التي تضم شركات التكنولوجيا، لذلك تستطيع تحركاته القوية التأثير بصورة واضحة في اتجاه السوق ككل.
وانعكس ذلك بصورة خاصة على ناسداك، الذي سجل أفضل أداء بين المؤشرات الرئيسية الثلاثة في تعاملات الجمعة. كما تمكن ستاندرد آند بورز 500 من الاحتفاظ بمكاسب محدودة، في حين لم يكن الدعم كافياً لدفع داو جونز إلى المنطقة الخضراء.
ويبرز هذا التباين اعتماد أداء المؤشرات على تركيبتها القطاعية، إذ تستفيد المؤشرات ذات الوزن الأكبر لأسهم التكنولوجيا والرقائق بصورة مباشرة من صعود تلك الشركات، بينما تكون المؤشرات الأخرى أكثر تعرضاً لتحركات قطاعات الاقتصاد التقليدية التي قد تتأثر بصورة أكبر بارتفاع تكاليف الاقتراض والطاقة.
ووفقاً للبيانات الأولية، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 11.53 نقطة، أو 0.12 %، ليصل إلى 7647.19 نقطة، في إشارة إلى قدرة المؤشر الأوسع نطاقاً على مقاومة ضغوط العوائد والنفط وإنهاء الجلسة في المنطقة الإيجابية.
وصعد مؤشر ناسداك المجمع 92.72 نقطة، بما يعادل 0.35 %، إلى 26511.01 نقطة، مستفيداً بصورة رئيسية من قوة أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات. وجاء أداؤه الأفضل بين المؤشرات الرئيسية ليؤكد أهمية الرقائق في موازنة الضغوط التي فرضتها سوق السندات على أسهم النمو.
في المقابل، تراجع مؤشر داو جونز الصناعي 114.74 نقطة، أو 0.22 %، ليغلق عند 51663.30 نقطة، ما يعكس التباين الواضح في أداء قطاعات السوق. وبذلك أنهت المؤشرات الجلسة من دون اتجاه موحد، في صورة تتسق مع حالة الحذر التي سيطرت على المستثمرين في نهاية أسبوع شديد التقلب.
معادلة السندات
ويضع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأسهم أمام منافسة متزايدة على أموال المستثمرين، إذ توفر السندات الحكومية عائداً أعلى مع مستوى مخاطر أقل نسبياً مقارنة بالأسهم. وكلما ارتفعت العوائد، أصبحت المبررات المطلوبة لتحمل مخاطر سوق الأسهم أكبر، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات ذات التقييمات المرتفعة.
وفي الوقت ذاته، لا يقتصر أثر العوائد على قرارات المستثمرين، بل يمتد إلى الاقتصاد الحقيقي من خلال ارتفاع تكلفة الرهون العقارية وقروض الشركات والتمويل الاستهلاكي. ويمكن لاستمرار تكاليف الاقتراض المرتفعة أن يضغط على الطلب والاستثمار، ما يجعل تحركات سوق السندات عاملاً مهماً في توقعات أرباح الشركات.
لكن أسهم أشباه الموصلات أثبتت خلال جلسة الجمعة قدرتها على موازنة جانب من هذه الضغوط، وهو ما حال دون حدوث هبوط أكبر للمؤشرات. ويبقى استمرار هذا الدعم مرتبطاً بقدرة القطاع على الاحتفاظ بزخمه في مواجهة البيئة المالية الأكثر تشدداً.
الأسواق تترقب أسبوعاً جديداً
تدخل وول ستريت الأسبوع الجديد وسط معادلة تجمع بين عـوائد سنـدات تجـاوزت 5 % وأسعار نفط لا تزال أعلى من 100 دولار ومخاوف مستمرة من التضخم، في مقابل قوة بعض قطاعات التكنولوجيا التي توفر دعماً للمؤشرات. وسيظل اتجاه عوائد الخزانة عاملاً حاسماً في تحديد شهية المستثمرين للمخاطرة، بينما ستخضع أسعار الخام لمراقبة دقيقة لمعرفة ما إذا كانت التحركات الدبلوماسية قادرة على تخفيف المخاوف المتعلقة بالإمدادات بصورة مستدامة. وفي الوقت نفسه، سيبحث المستثمرون عن مؤشرات توضح قدرة شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات على مواصلة تعويض الضغوط القادمة من قطاعات أخرى. وبعد أسبوع اتسم بالتقلبات الحادة، تبدو السوق أكثر ميلاً إلى الحذر، إذ إن استمرار النفط عند مستويات مرتفعة قد يعيد إشعال المخاوف التضخمية، بينما يمكن لأي صعود إضافي في عوائد السندات أن يزيد الضغط على تقييمات الأسهم. وبين هذين العاملين، سيظل أداء الشركات الكبرى والقطاعات ذات الوزن الثقيل في المؤشرات عاملاً رئيسياً في تحديد ما إذا كانت وول ستريت قادرة على امتصاص الضغوط أو ستواجه موجة جديدة من التقلبات.