عوائد الـ10 سنوات فوق 5 % تضرب وول ستريت
اختتمت وول ستريت تعاملات الاثنين على انخفاض، بعدما اجتمعت ضغوط عدة في جلسة واحدة، من هبوط أسهم شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي إلى قفزة عوائد سندات الخزانة الأميركية وارتفاع أسعار النفط، في وقت يستعد فيه المستثمرون لقرار بالغ الأهمية من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وتراجعت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بعد تحذيرات غير معتادة من مسؤولين تنفيذيين بارزين في القطاع بشأن مخاطر التطور المتسارع للتكنولوجيا، فيما تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة مستوى 5% للمرة الأولى منذ 2023، ليضيف مصدراً جديداً للضغط على تقييمات الأسهم التي وصلت إلى مستويات مرتفعة.
هبوط المؤشرات
وأظهرت البيانات الأولية انخفاض مؤشر «ستاندرد أند بورز 500» بنحو 36.93 نقطة، أو 0.48 %، لينهي الجلسة عند 7620.05 نقطة، في انعكاس لتزايد الحذر تجاه الأصول عالية المخاطر.
وتراجع مؤشر «ناسداك» المجمـع، الأكثـر تأثراً بأسهم التكنولوجيا، بمقدار 145.25 نقطـة، أو 0.55 %، إلى 26187.79 نقطة، بينما فقد مؤشر «داو جونز» الصناعي 151.66 نقطة، تعــادل 0.29 %، ليغلق عند 52421.63 نقطة.
وجاء الهبوط بعد فترة من المكاسب القوية للأسهم الأميركية، وهو ما جعل السوق أكثر حساسية لأي تطورات يمكن أن تغير التوقعات بشأن أرباح شركات التكنولوجيا أو أسعار الفائدة أو تكلفة تمويل الشركات.
صدمة الذكاء
وكانت شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات في قلب موجة البيع، بعدما حذر قادة شركات أميركية بارزة تعمل في الذكاء الاصطناعي من المخاطر التي قد تنتج عن تسارع تطوير النماذج المتقدمة، ودعوا إلى إبطاء وتيرة التطوير.
وأثارت التحذيرات الصادرة عن مسؤولين في «أنثروبيك» و«أوبن إيه.آي» و«إكس إيه.آي» قلق المستثمرين، لأنها جاءت من داخل الصناعة نفسها التي كانت أحد المحركات الرئيسية لصعود الأسواق العالمية والإنفاق الاستثماري خلال الفترة الماضية.
ويمثل أي تباطؤ محتمل في تطوير التكنولوجيا أو تشديد للضوابط المرتبطة بها تهديداً للتوقعات المتفائلة التي دفعت الشركات إلى تخصيص مليارات الدولارات لمراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية للحوسبة.
رقائق تتراجع
وتصدرت «إنفيديا» موجة التراجع بين الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وانضمت إليها شركات كبرى في صناعة أشباه الموصلات، من بينها «برودكوم» و«مايكرون تكنولوجي» و«إيه.إم.دي»، وسط عمليات بيع امتدت إلى القطاع عالمياً.
وتعرض مؤشر «بي.إتش.إل.إكس» لأشباه الموصلات لانخفاض حاد، في إشارة إلى أن المستثمرين لم يتعاملوا مع التحذيرات باعتبارها مشكلة تخص شركة بعينها، بل باعتبارها عاملاً يمكن أن يؤثر في سلسلة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بأكملها.
ويكتسب تراجع شركات الرقائق أهمية خاصة بسبب الوزن الكبير الذي أصبحت تتمتع به في المؤشرات الأميركية، ما يعني أن أي تصحيح واسع في تقييماتها يمكن أن يترك أثراً مباشراً في أداء «ناسداك» و«ستاندرد أند بورز 500».
عتبة خطرة
وبالتوازي مع خسائر التكنولوجيا، تلقت الأسهم ضربة ثانية من سوق السندات، بعدما تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 % لفترة وجيزة، وهي عتبة لم يبلغها منذ 2023.
ولا يمثل مستوى 5 % رقماً نفسياً فقط بالنسبة إلى الأسواق، إذ يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر والحكومة، كما يجعل السندات أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم، خصوصاً عندما تكون تقييمات الشركات مرتفعة.
ولهذا يحذر محللون من أن بقاء العائد فوق هذه المستويات يمكن أن يهدد السوق الصاعدة للأسهم الأميركية، لأن المستثمر يصبح قادراً على تحقيق عائد مرتفع من السندات الحكومية من دون تحمل مستوى المخاطر نفسه المرتبط بأسواق الأسهم.
ديون متضخمة
وجاء صعود العوائد بعد شهر من الضغوط المتزايدة على سوق السندات، بفعل ارتفاع التضخم والاقتراض المكثف من جانب الحكومة والشركات، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بالمسار المالي طويل الأجل للولايات المتحدة.
فكلما ازدادت احتياجات الحكومة إلى التمويل، ارتفع حجم إصدارات سندات الخزانة التي يتعين على السوق استيعابها، وهو ما يمكن أن يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى، خصوصاً في بيئة تضخمية غير مستقرة.
وقال جيك دولارهايد، الرئيس التنفيذي لشركة «لونجبو أسيت مانيجمينت»، إن تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 5 % يحمل أهمية ودلالات كبيرة، محذراً من أنه قد يزيد الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لاتخاذ إجراءات تتجاوز رفعاً واحداً للفائدة.
نفط وتضخم
ويضيف ارتفاع أسعار الطاقة طبقة أخرى من التعقيد أمام البنك المركزي الأميركي، بعدما ارتفعت العقود الآجلة لخام «برنت» 1 % عند التسوية إلى 105.68 دولارات للبرميل، وسط تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة.
وجاء ارتفاع النفط في أعقاب هجمات جديدة استهدفت البنية التحتية للطاقة في السعودية والسفن في الشرق الأوسط، ما عزز القلق بشأن قدرة المنتجين على المحافظة على تدفقات مستقرة إلى الأسواق العالمية.
ويشكل النفط المرتفع تحدياً مباشراً للسياسة النقدية، لأن زيادة تكاليف الطاقة تنتقل إلى النقل والإنتاج والسلع والخدمات، ما قد يجعل التضخم أكثر صعوبة في الاحتواء ويعرقل أي مسار نحو تخفيف السياسة النقدية.
رهان الفائدة
وتتجه الأنظار الآن إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع تزايد الرهانات على أن البنك المركزي سيضطر إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة الضغوط التضخمية المتجددة.
وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» إلى أن المتعاملين يسعـرون احتمالاً بنحـو 90 % لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع السياسة النقدية يوم الأربعاء.
ولا يتركز اهتمام المستثمرين على قرار الفائدة وحده، بل على الرسائل التي سيقدمها مسؤولو البنك بشأن الخطوات اللاحقة، إذ يمكن لأي إشارة إلى سلسلة إضافية من الزيادات أن تؤدي إلى إعادة تسعير واسعة للسندات والأسهم والدولار.
ويواجه الاحتياطي الفيدرالي معادلة شديدة التعقيد، فهو مطالب بمواجهة التضخم الذي تغذيه أسعار الطاقة من دون تشديد السياسة النقدية إلى درجة تؤدي إلى إضعاف النمو والاستثمار والطلب.
تقييمات مرتفعة
ويأتي هذا التحول في وقت تتمتع فيه الأسهم الأميركية، ولا سيما شركات التكنولوجيا الكبرى، بتقييمات مرتفعة بني جزء مهم منها على توقعات نمو استثنائي للذكاء الاصطناعي واستمرار التدفقات الاستثمارية الضخمة إلى القطاع.
وكل ارتفاع في أسعار الفائدة أو عوائد السندات يقلل القيمة الحالية للأرباح المستقبلية للشركات، وهو ما يجعل أسهم النمو والتكنولوجيا أكثر عرضة للضغط مقارنة بالشركات ذات التدفقات النقدية القريبة والمستقرة.
وفي الوقت نفسه، فإن ظهور علامات استفهام حول سرعة تطوير الذكاء الاصطناعي يضع المستثمرين أمام عامل ضغط مزدوج: ارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأسهم، وتراجع محتمل في افتراضات النمو التي بررت التقييمات المرتفعة أصلاً.
اختبار السوق
ولذلك ستكون الجلسات المقبلة اختباراً لقدرة السوق الصاعدة على استيعاب تحول كبير في البيئة الاستثمارية. فقد استفادت وول ستريت طويلاً من التفاؤل بالذكاء الاصطناعي، لكن مزيج النفط فوق 100 دولار والعوائد قرب 5% واحتمال رفع الفائدة يغير المعادلة.
وإذا استمرت عوائد السندات عند مستويات مرتفعة، فقد تتسع عمليات إعادة توزيع المحافظ بعيداً عن أسهم النمو نحو السندات والقطاعات الأقل حساسية للفائدة، بينما يمكن لأي تراجع إضافي في شركات الرقائق أن يزيد الضغوط على المؤشرات الرئيسية.
أما إذا تمكن الاحتياطي الفيدرالي من تهدئة المخاوف بشأن مسار الفائدة، وتراجعت أسعار النفط والعوائد، فقد تستعيد الأسهم جزءاً من خسائرها، خصوصاً إذا اقتنع المستثمرون بأن التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لن تؤدي إلى تباطؤ ملموس في الإنفاق.