فاتورة التحول الأخضر تنتقل إلى الشركات والمستثمرين
تواجه جهود التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات اختباراً مالياً ومؤسسياً متزايد الصعوبة، بعدما اتسعت الفجوة بين التعهدات المناخية المعلنة وحجم الاستثمارات والإجراءات اللازمة لتنفيذها. وفي الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة هيكلة منظومة الطاقة العالمية، تبرز تساؤلات جوهرية بشأن الجهة التي ينبغي أن تتحمل التكلفة، ومدى استعداد الشركات والمستثمرين للمساهمة في تمويل التحول بدلاً من الاعتماد المتواصل على الحكومات.
وتكشف هذه المعضلة عن خلل في طريقة توزيع المسؤوليات داخل الاقتصاد العالمي، إذ تتصرف الحكومات والشركات ومديرو الأصول وفق حسابات مالية وتنظيمية قد تبدو منطقية بصورة منفردة، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق الأهداف المناخية المشتركة. وبينما يحظى الحفاظ على بيئة صالحة للحياة بتأييد واسع، لا تنعكس هذه القناعة دائماً على قرارات الاستثمار وتخصيص رؤوس الأموال.
وتزداد أهمية هذه القضية بالنسبة إلى قطاع الطاقة، الذي يحتاج إلى استثمارات ضخمة لتطوير مصادر الكهرباء النظيفة وتحديث الشبكات والبنية التحتية وخفض الانبعاثات الصناعية. ولا يقتصر التحدي على توفير التمويل، بل يمتد إلى تصميم منظومة اقتصادية تجعل الاستثمار طويل الأجل في الاستدامة خياراً قابلاً للتنفيذ، دون تحميل المالية العامة أعباء تتجاوز قدرتها.
فجوة التمويل
تواجه الحكومات الغربية ضغوطاً متنامية على موازناتها، في ظل تزاحم أولويات الإنفاق العام وارتفاع تكلفة خدمة الديون والحاجة إلى تمويل الخدمات الأساسية. ويحد هذا الواقع من قدرتها على تحمل الجزء الأكبر من استثمارات التحول المناخي، خصوصاً أن تنفيذ هذه المشروعات يتطلب التزامات مالية طويلة الأجل لا يمكن تغطيتها بالإنفاق الحكومي وحده.
ويفرض ذلك إعادة النظر في النموذج الذي يعتمد على تدخل الدولة لتقليل مخاطر المشروعات، بينما يحتفظ المستثمرون بعوائدها التجارية. فاستمرار مطالبة الحكومات بتوفير الضمانات والحوافز، دون مشاركة كافية من رأس المال الخاص في تحمل المخاطر، قد يؤدي إلى إبطاء الاستثمارات الضرورية أو زيادة الأعباء على دافعي الضرائب.
النموذج البريطاني
تقدم تجربة المملكة المتحدة في التحول بعيداً عن توليد الكهرباء بالفحم مثالاً على قدرة السياسات الحكومية على إعادة تشكيل أسواق الطاقة وتحفيز الاستثمار الخاص. فقد ساعد الجمع بين التوجيهات التنظيمية الواضحة وآليات تسعير الكربون والدعم الموجه للكهرباء المتجددة في تغيير الجدوى الاقتصادية لمصادر التوليد المختلفة.
وكان لنظام تداول الانبعاثات وعقود الفروقات دور مهم في توفير بيئة استثمارية أكثر وضوحاً، إذ تتيح هذه العقود تقليل تعرض مشروعات الطاقة المتجددة لتقلبات أسعار الكهرباء، من خلال آليات تسوية مرتبطة بأسعار مرجعية متفق عليها.
وتوضح التجربة أن التدخل الحكومي لا يعني بالضرورة تمويل جميع المشروعات بصورة مباشرة، بل يمكن أن يتمثل في بناء أسواق قادرة على جذب الاستثمارات وتوجيهها نحو التقنيات المطلوبة. غير أن نجاح هذه الأدوات يرتبط بتصميمها المالي والتنظيمي، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين مصالح المستثمرين والمستهلكين.
تراجع الالتزامات
على الجانب الآخر، أثار تراجع عدد من الشركات عن تعهداتها المناخية خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية تساؤلات بشأن متانة الالتزامات المؤسسية، ومدى ارتباطها باستراتيجيات الأعمال الفعلية. فإعلان أهداف بعيدة المدى لا يضمن تنفيذها إذا لم تقترن بخطط استثمارية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
وتتعدد التفسيرات المحتملة لهذا التراجع، بين ارتفاع تكاليف التمويل وضغوط الربحية قصيرة الأجل وتغير البيئة التنظيمية، فضلاً عن إعادة تقييم المخاطر التجارية. لكن النتيجة الاقتصادية الأهم تتمثل في زيادة حالة عدم اليقين بالنسبة إلى المستثمرين والموردين والشركات العاملة في سلاسل توريد التقنيات النظيفة.
كما أن تعديل التعهدات دون توضيح المبررات قد يضعف الثقة في الإفصاحات المناخية، ويجعل تقييم المخاطر المستقبلية أكثر صعوبة. ولذلك تبرز أهمية مطالبة الشركات بنشر خطط انتقال محددة، توضح حجم الإنفاق الرأسمالي المستهدف، والجدول الزمني للتنفيذ، وآليات مراجعة التقدم المحقق.
سلطة المساهمين
تطرح حوكمة الشركات إشكالية أخرى تتعلق بمن يمتلك القرار الفعلي بشأن الاستراتيجيات المناخية. فمجالس الإدارة غالباً ما تستند إلى مشاورات مع كبار المستثمرين المؤسسيين ومديري الصناديق لتحديد توجهات المساهمين، رغم أن هؤلاء الوسطاء لا يمثلون بالضرورة التفضيلات التفصيلية لأصحاب الأموال النهائيين.
وتتضح المشكلة في صناديق التقاعد والاستثمارات المرتبطة بالمؤشرات، حيث يمتلك المدخرون حصصاً اقتصادية غير مباشرة في شركات عديدة، بينما تتولى مؤسسات إدارة الأصول ممارسة حقوق التصويت نيابة عنهم وفق سياساتها الداخلية.
وقد يؤدي تعدد حلقات الوساطة إلى اتساع المسافة بين المستثمر النهائي والقرارات التي تؤثر في قيمة مدخراته ومستقبل استثماراته. وتصبح هذه الفجوة أكثر أهمية عندما تتعلق القرارات بتخصيص رؤوس أموال ضخمة لمشروعات تمتد آثارها الاقتصادية والبيئية لعقود.
قرارات ملزمة
تتجه المقترحات المطروحة لإصلاح هذه المنظومة نحو تعزيز دور الجمعيات العمومية في مراجعة الاستراتيجيات المناخية، وعدم الاكتفاء بالتصويت الاستشاري الذي تستطيع مجالس الإدارة تجاوزه دون التزام مباشر.
ويقوم أحد المقترحات على تحويل الخطط المناخية إلى قرارات ملزمة تتعلق بالاستراتيجية وتخصيص رأس المال، بما يمنح المساهمين تأثيراً أكبر في تحديد مسارات الاستثمار ومستويات المخاطر المقبولة.
لكن تطبيق هذا التوجه يثير تحديات قانونية وإدارية، خصوصاً فيما يتعلق بتوزيع الصلاحيات بين مجالس الإدارة والمساهمين، وقدرة المستثمرين على تقييم التفاصيل الفنية للمشروعات. ولذلك يتطلب أي إصلاح وضع ضوابط واضحة تحافظ على كفاءة الإدارة التنفيذية، مع تعزيز المساءلة والشفافية.
وقد تصبح الإفصاحات المنتظمة عن الإنفاق المناخي والعوائد المتوقعة والمخاطر المرتبطة بالتحول أدوات أساسية لتمكين المساهمين من اتخاذ قرارات مبنية على معلومات، بدلاً من الاكتفاء بالموافقة العامة على أهداف طويلة الأجل.
عوائد الاستدامة
تتمثل إحدى القضايا الأكثر حساسية في تحديد حجم العائد الذي يمكن للمستثمر التنازل عنه على المدى القصير مقابل تقليل المخاطر المناخية طويلة الأجل. فمدخرات التقاعد والاستثمارات الفردية ترتبط بأهداف مالية حقيقية، ولا يمكن افتراض استعداد جميع أصحابها لتحمل التكلفة نفسها.
وفي المقابل، قد يؤدي تجاهل المخاطر البيئية إلى خسائر اقتصادية مستقبلية، سواء نتيجة الأضرار المادية أو تغير التشريعات أو تراجع قيمة الأصول المعتمدة على تقنيات مرتفعة الانبعاثات.
ومن ثم، لا ينبغي اختزال العلاقة بين الاستدامة والربحية في تعارض دائم، إذ قد تحقق بعض الاستثمارات النظيفة عوائد تنافسية، بينما تتطلب مشروعات أخرى حوافز إضافية أو آجالاً أطول لاسترداد رأس المال.
التصويت الرقمي
يمكن للتكنولوجيا أن تؤدي دوراً مهماً في تقليص الفجوة بين المستثمرين النهائيين ومديري الأصول، من خلال تطوير منصات تتيح للمدخرين التعبير عن تفضيلاتهم بشأن القضايا المناخية والاستراتيجيات الاستثمارية.
وقد تساعد أدوات التصويت الرقمي على تحويل هذه التفضيلات إلى تعليمات قابلة للتنفيذ، بما يمنح أصحاب المدخرات تأثيراً أكثر مباشرة في القرارات المتعلقة بالشركات التي تستثمر فيها صناديقهم.
غير أن نجاح هذه الآليات يتطلب معالجة تحديات تتعلق بتثقيف المستثمرين وحماية البيانات وتبسيط المعلومات الفنية، فضلاً عن ضمان عدم تعارض التعليمات مع الالتزامات القانونية لمديري الأصول.
وتكمن القيمة الاقتصادية لهذا التحول في تعزيز وضوح العلاقة بين ملكية رأس المال والمسؤولية عن استخدامه، بما قد يرفع مستوى الثقة في المؤسسات الاستثمارية ويحد من القرارات التي لا تعكس تفضيلات المستفيدين الفعليين.