مشروبات الطاقة تعيد رسم سوق المرطبات
لم تعد مشروبات الطاقة مجرد جرعة سريعة من الكافيين للتغلب على الإرهاق، بل تحولت تدريجياً إلى جزء من عادات الاستهلاك اليومية، مدفوعة بتغير أنماط الحياة وصعود المنتجات التي تجمع بين النشاط والصحة، إلى جانب التأثير المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي في قرارات الشراء.
وتشير التقديرات إلى أن حجم السوق العالمية قد يصل إلى 158.53 مليار دولار بحلول 2033، مقابل نحو 92 مليار دولار في 2026 و85.25 مليار دولار في 2025، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.1 % خلال الفترة من 2026 إلى 2033.
وتستحوذ أميركا الشمالية على نحو 37 % من إيرادات الصناعة، التي واصلت التوسع حتى خلال الجائحة، في مؤشر على تحول مشروبات الطاقة إلى سوق استهلاكية رئيسية تنافس القهوة والمشروبات الغازية على حصة متزايدة من إنفاق المستهلكين.
سباق العلامات
وتتصدر «ريد بول» السوق بحصة عالمية تبلغ 28 %، بعدما باعت العام الماضي 14 مليار عبوة، مسجلة نمواً سنوياً بنسبة 10 %، مقابل حصة تبلغ نحو 17 % لمنافستها الأقرب «مونستر بيفريدج».
لكن المنافسة لم تعد تتعلق فقط بحجم المبيعات، وإنما بقدرة الشركات على مواكبة تغير أولويات المستهلكين. ولهذا توسعت الصناعة في تقديم منتجات خالية من السكر ومنخفضة السعرات، ومدعمة بالفيتامينات والمكونات الطبيعية، لاستقطاب المستهلك الأكثر اهتماماً بالصحة.
وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «تيك توك»، ساحة رئيسية للمنافسة، إذ تستخدمها العلامات التجارية لربط منتجاتها بالرياضة والعمل والنشاط وأنماط الحياة المختلفة، ما يمنحها قدرة أكبر على الوصول مباشرة إلى الأجيال الأصغر سناً.
وكشف مسح أجرته «إي واي» وشمل أكثر من 2500 بالغ في الولايات المتحدة والبرازيل أن نحو 75 % من جيل الألفية و80 % من جيل «زد» يستهلكون مشروبات وظيفية متنوعة، تشمل مشروبات الطاقة والمنتجات المدعمة بالفيتامينات.
كما أظهر أن أكثر من نصف المشاركين مستعدون لدفع مبالغ إضافية مقابل منتجات تخدم أهدافهم الصحية، ما يعكس تحولاً في مفهوم مشروب الطاقة من مجرد مصدر للكافيين إلى منتج يقدم فوائد إضافية للمستهلك.
قلق صحي
ومع اتساع السوق، تتزايد المخاوف بشأن الإفراط في استهلاك الكافيين، خصوصاً بين الأطفال والمراهقين. وتوصي الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال وإدارة الغذاء والدواء الأميركية بتجنب الأطفال لهذه المشروبات، بينما فرضت دول مثل لاتفيا وليتوانيا وبولندا قيوداً على بيعها لمن تقل أعمارهم عن 18 عاماً.
وتضع هذه المخاوف الشركات أمام تحدي تحقيق التوازن بين توسيع قاعدة المستهلكين والحفاظ على صورة منتجاتها، خصوصاً مع تزايد التدقيق التنظيمي والوعي الصحي.
المطاعم تدخل
ولم تعد المنافسة محصورة داخل متاجر التجزئة، إذ بدأت مشروبات الطاقة تشق طريقها بقوة إلى المطاعم والمقاهي، في محاولة للاستفادة من تحولها إلى خيار يومي.
وبحسب «سيركانا»، ارتفعت طلبات مشروبات الطاقة في المطاعم بنسبة 9 % خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في فبراير، بينما تراجعت طلبات القهوة والشاي.
وأظهر استطلاع أجراه جون تاور، محلل قطاع المطاعم لدى «سيتي بنك»، وشمل 2400 مستهلك أميركي، أن 74 % لديهم اهتمام كبير أو متوسط بشراء مشروبات الطاقة من المطاعم والمقاهي، بينهم 44 % أبدوا اهتماماً كبيراً.
ودفع ذلك سلاسل كبرى إلى دخول السوق، إذ أطلقت «ماكدونالدز» مشروب «ريد بول دراغون بيري إنرجايزر» ضمن تحديث قائمة المشروبات الباردة في مطاعمها الأميركية، بينما طرحت «ستاربكس» تشكيلة تجمع بين الشاي الأخضر المثلج وعصير الفاكهة الفوار ومصادر نباتية للكافيين.
وجبة بديلة
وتوفر هذه المنتجات للمطاعم فرصة لرفع متوسط قيمة الطلب وهوامش الأرباح، خصوصاً إذا دفعت المستهلك إلى إضافة مأكولات أخرى. كما تستفيد الصناعة من تغير مفهوم الوجبة الخفيفة لدى الأجيال الأصغر.
وأظهر تقرير «سيركانا» لتطور المشروبات لعام 2026 أن 64 % من المستهلكين يتناولون أحياناً مشروباً بدلاً من وجبة خفيفة، وترتفع النسبة إلى 70 % بين الفئة العمرية من 25 إلى 34 عاماً.
ويفتح ذلك مجالاً أمام مشروبات الطاقة لمنافسة فئات أوسع، وعدم الاكتفاء بمزاحمة المشروبات الغازية، خصوصاً مع تزايد الطلب على المنتجات التي تجمع بين الراحة والطاقة والمكونات الوظيفية.
ضغوط التكلفة
ورغم توقعات النمو القوية، تواجه الشركات ارتفاع تكاليف الألومنيوم والوقود والشحن، خصوصاً في ظل الصراع الدائر في الشرق الأوسط، ما قد يضغط على هوامش الأرباح أو يدفع المنتجين إلى رفع الأسعار.
كما يمكن للقيود التنظيمية والمخاوف الصحية أن تحد من التوسع، خاصة بين المستهلكين الأصغر سناً، ما يجعل الابتكار في المكونات والتسويق عاملاً حاسماً للحفاظ على النمو.
المشروب اليومي يعيد تشكيل المنافسة
تتجه صناعة مشروبات الطاقة إلى مرحلة تتجاوز المنافسة بين «ريد بول» و«مونستر»، لتصبح سباقاً على حصة أكبر من إنفاق المستهلك اليومي. وبين سوق مرشحة لبلوغ 158.5 مليار دولار، وانتشار المنتجات الوظيفية، ودخول المطاعم والمقاهي بقوة، تبدو فرص التوسع كبيرة.
لكن الحفاظ على هذا الزخم سيعتمد على قدرة الشركات على الموازنة بين الصحة والسعر والابتكار، في سوق لم تعد تنافس المشروبات الغازية فقط، وإنما تسعى إلى اقتطاع حصة متزايدة من القهوة والوجبات الخفيفة أيضاً.