تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هرمز‭.. ‬عقدة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬معادلة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية

هرمز‭.. ‬عقدة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬معادلة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية

يحتل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬موقعاً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬الملاحة‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬يشكل‭ ‬حلقة‭ ‬الوصل‭ ‬البحرية‭ ‬بين‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وخليج‭ ‬عُمان،‭ ‬وبوابة‭ ‬رئيسية‭ ‬لعبور‭ ‬السفن‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬المياه‭ ‬المفتوحة‭. ‬وقد‭ ‬منحته‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتجاوز‭ ‬محيطه‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ليصبح‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الممرات‭ ‬التي‭ ‬تتقاطع‭ ‬عندها‭ ‬مصالح‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬للطاقة‭ ‬والمستهلكة‭ ‬لها‭.‬
ولا‭ ‬تنحصر‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬في‭ ‬موقعه‭ ‬الجغرافي،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وأمن‭ ‬الإمدادات،‭ ‬حيث‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬المحملة‭ ‬بمختلف‭ ‬البضائع‭. ‬وتجعله‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬أحد‭ ‬الشرايين‭ ‬الأساسية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬مرور‭ ‬نحو‭ ‬11‭ % ‬من‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬عبره‭.‬
وتبرز‭ ‬مكانته‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬إذ‭ ‬يستوعب‭ ‬عبور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬المنقولة‭ ‬بحراً،‭ ‬وما‭ ‬يقارب‭ ‬خُمس‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬ومشتقاته،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬نحو‭ ‬خُمس‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركية‭ ‬لعام‭ ‬2024‭ ‬والربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2025‭.‬
ومع‭ ‬هذا‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هرمز‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬لعبور‭ ‬السفن،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬تاريخه‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬تنافس‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬وورقة‭ ‬ضغط‭ ‬ترتبط‭ ‬بأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬واستقرار‭ ‬الأسواق‭. ‬ومنذ‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬بضمان‭ ‬استمرار‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬وتدفق‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
يقع‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والشمالي‭ ‬الغربي‭ ‬لخليج‭ ‬عُمان،‭ ‬وهما‭ ‬مسطحان‭ ‬مائيان‭ ‬يتصلان‭ ‬بالمحيط‭ ‬الهندي‭. ‬ويحده‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬والشرق‭ ‬الساحل‭ ‬الإيراني،‭ ‬بينما‭ ‬تشرف‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬على‭ ‬جانبه‭ ‬الجنوبي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مناطق‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭.‬
وتبدأ‭ ‬حدوده‭ ‬الشمالية‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬الخط‭ ‬الواصل‭ ‬بين‭ ‬رأس‭ ‬الشيخ‭ ‬مسعود‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬مسندم‭ ‬العُمانية‭ ‬وجزيرة‭ ‬هنجام،‭ ‬مروراً‭ ‬بجزيرة‭ ‬قشم‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الساحل‭ ‬الإيراني،‭ ‬وهو‭ ‬الخط‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬المضيق‭ ‬عن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬
أما‭ ‬حدوده‭ ‬الجنوبية‭ ‬الشرقية،‭ ‬فتمتد‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬دبا‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الإماراتي‭ ‬إلى‭ ‬دماجة‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الإيراني،‭ ‬ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬الحد‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬المضيق‭ ‬وخليج‭ ‬عُمان‭.‬
وتتكون‭ ‬الشواطئ‭ ‬الشمالية‭ ‬من‭ ‬الأجزاء‭ ‬الشرقية‭ ‬لجزيرتي‭ ‬قشم‭ ‬ولاراك،‭ ‬فيما‭ ‬تمتد‭ ‬الشواطئ‭ ‬الجنوبية‭ ‬على‭ ‬الساحلين‭ ‬الغربي‭ ‬والشمالي‭ ‬لشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬رأس‭ ‬مسندم‭.‬
وبفضل‭ ‬ظروفه‭ ‬المناخية،‭ ‬يظل‭ ‬المضيق‭ ‬صالحاً‭ ‬للملاحة‭ ‬طوال‭ ‬العام‭. ‬ويبلغ‭ ‬طوله‭ ‬نحو‭ ‬167‭ ‬كيلومتراً،‭ ‬ويتراوح‭ ‬عرضه‭ ‬بين‭ ‬33‭ ‬و95‭ ‬كيلومتراً‭ ‬تقريباً،‭ ‬فيما‭ ‬تتراوح‭ ‬أعماقه‭ ‬بين‭ ‬60‭ ‬و100‭ ‬متر‭.‬
وتنتشر‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الجزر‭ ‬ذات‭ ‬الأهمية‭ ‬الجغرافية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬فمن‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني،‭ ‬تبرز‭ ‬جزر‭ ‬قشم‭ ‬وهرمز‭ ‬ولارك‭ ‬وهنجام،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تقع‭ ‬جزر‭ ‬أخرى‭ ‬تحت‭ ‬الإدارة‭ ‬العُمانية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬مجموعة‭ ‬جزر‭ ‬سلامة‭ ‬وبناتها‭ ‬وجزيرة‭ ‬الغنم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬مسندم‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الامتداد‭ ‬العُماني‭ ‬المطل‭ ‬على‭ ‬المضيق‭.‬
أصل‭ ‬التسمية

تعددت‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬أصل‭ ‬اسم‭ ‬هرمز،‭ ‬واختلفت‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬دلالته‭ ‬وجذوره‭ ‬اللغوية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الآراء‭ ‬يربطه‭ ‬باللغة‭ ‬الفارسية،‭ ‬مع‭ ‬تباين‭ ‬المعاني‭ ‬المنسوبة‭ ‬إليه‭.‬
وتشير‭ ‬بعض‭ ‬المعاجم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اللفظ‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬‮«‬الإله‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬كوكب‭ ‬المشتري‮»‬،‭ ‬فيما‭ ‬استُخدمت‭ ‬صيغ‭ ‬متعددة‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ملوك‭ ‬الفرس‭.‬
وتربط‭ ‬تفسيرات‭ ‬أخرى‭ ‬الاسم‭ ‬بـ«أهورا‭ ‬مزدا‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬الإله‭ ‬المرتبط‭ ‬بالديانة‭ ‬الزرادشتية‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬هرمز‭ ‬المزدهرة‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الميلادي‭.‬
وهناك‭ ‬روايات‭ ‬تعيد‭ ‬التسمية‭ ‬إلى‭ ‬العهد‭ ‬الفارسي‭ ‬القديم،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬الاسم‭ ‬يُنطق‭ ‬‮«‬هرمزد‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬حذف‭ ‬حرفه‭ ‬الأخير‭ ‬للتخفيف‭. ‬كما‭ ‬يذهب‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصله‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬لفظ‭ ‬‮«‬أورموس‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬تربطه‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬بكلمة‭ ‬فارسية‭ ‬تعني‭ ‬نخلة‭ ‬التمر‭.‬
أما‭ ‬سبب‭ ‬إطلاق‭ ‬الاسم‭ ‬على‭ ‬المضيق،‭ ‬فتتعدد‭ ‬بشأنه‭ ‬الاحتمالات؛‭ ‬إذ‭ ‬يرجح‭ ‬بعضهم‭ ‬ارتباطه‭ ‬بجزيرة‭ ‬هرمز،‭ ‬بينما‭ ‬يعيده‭ ‬آخرون‭ ‬إلى‭ ‬مملكة‭ ‬هرمز‭ ‬التاريخية‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الملوك‭ ‬الساسانيين‭ ‬الذين‭ ‬حملوا‭ ‬الاسم،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة‭ ‬والممر‭ ‬البحري‭.‬

تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التنافس
تعود‭ ‬الأهمية‭ ‬التاريخية‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬إذ‭ ‬تعاقبت‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬حضارات‭ ‬وقوى‭ ‬سياسية‭ ‬وتجارية‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الحضارات‭ ‬السومرية‭ ‬والبابلية‭ ‬والفارسية‭ ‬والإغريقية‭ ‬والفينيقية‭.‬
ومنذ‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬شهدت‭ ‬المنطقة‭ ‬تنافساً‭ ‬بين‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ازدهرت‭ ‬فيه‭ ‬الحركة‭ ‬التجارية‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬العباسي‭.‬
وفي‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬نشأت‭ ‬مملكة‭ ‬هرمز‭ ‬القديمة‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الشرقي‭ ‬للخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وأصبحت‭ ‬حلقة‭ ‬اتصال‭ ‬تجاري‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭.‬
لكن‭ ‬الغارات‭ ‬المغولية‭ ‬دفعت‭ ‬سكان‭ ‬المملكة‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬نحو‭ ‬جزيرة‭ ‬قشم،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬جيرون،‭ ‬حيث‭ ‬تأسست‭ ‬هرمز‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬سياسي‭ ‬وتجاري‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬واستمرت‭ ‬مكانتها‭ ‬نحو‭ ‬مئة‭ ‬عام‭.‬
واحتفظ‭ ‬المضيق‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬خلال‭ ‬القرون‭ ‬اللاحقة،‭ ‬وقد‭ ‬زار‭ ‬الرحالة‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭ ‬المنطقة‭ ‬وكتب‭ ‬عنها‭ ‬خلال‭ ‬رحلاته‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1325‭ ‬و1349،‭ ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬شهدت‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬ازدهارها‭ ‬التجاري‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1507،‭ ‬هاجم‭ ‬البرتغاليون‭ ‬جزيرة‭ ‬هرمز،‭ ‬وتمكنوا‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬1514‭ ‬من‭ ‬احتلالها،‭ ‬وأقاموا‭ ‬فيها‭ ‬الحصون،‭ ‬ووسعوا‭ ‬نفوذهم‭ ‬على‭ ‬السواحل‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المضيق‭.‬
وسعى‭ ‬العثمانيون‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬السيطرة‭ ‬البرتغالية،‭ ‬فأطلقوا‭ ‬حملة‭ ‬عسكرية‭ ‬عام‭ ‬1552،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬أهدافها‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تمكن‭ ‬الشاه‭ ‬الإيراني‭ ‬عباس‭ ‬الأول،‭ ‬عام‭ ‬1622،‭ ‬بالتحالف‭ ‬مع‭ ‬الإنجليز،‭ ‬من‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬البرتغاليين‭ ‬واستعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المضيق،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بريطانيا‭ ‬بتوسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬تدريجياً‭.‬
وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬أبرمت‭ ‬إنجلترا‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المعاهدات‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬إيران‭ ‬وعُمان،‭ ‬بهدف‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬الفرنسي‭ ‬وتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز‭.‬
واستمر‭ ‬النفوذ‭ ‬البريطاني‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1971،‭ ‬عندما‭ ‬أعلنت‭ ‬لندن‭ ‬انسحابها‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭. ‬وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬ذلك،‭ ‬اتجهت‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬على‭ ‬السواحل‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬المضيق‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬البحرية‭.‬
ومنذ‭ ‬أواخر‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬عملت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬مبررة‭ ‬ذلك‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬وضمان‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

الأهمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستراتيجية
تنبع‭ ‬الأهمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬مناطق‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬بمراكز‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬موقعه‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية‭. ‬وتتركز‭ ‬حوله‭ ‬مصالح‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز،‭ ‬كما‭ ‬تعتمد‭ ‬عليه‭ ‬اقتصادات‭ ‬عديدة‭ ‬لضمان‭ ‬وصول‭ ‬الإمدادات‭ ‬إلى‭ ‬أسواقها‭.‬
وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬يمثل‭ ‬المضيق‭ ‬ممراً‭ ‬بحرياً‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬لدول‭ ‬مثل‭ ‬قطر‭ ‬والبحرين‭ ‬والعراق‭ ‬والكويت،‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬عبره‭ ‬بشبكات‭ ‬الملاحة‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬فيما‭ ‬يشكل‭ ‬بوابة‭ ‬رئيسية‭ ‬لحركة‭ ‬السفن‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالإمارات‭ ‬والسعودية‭ ‬وسلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬وإيران‭.‬
أما‭ ‬عالمياً،‭ ‬فتظهر‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬التي‭ ‬تعبره‭. ‬ووفق‭ ‬تقرير‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتجارة‭ ‬والتنمية‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬نحـو‭ ‬11‭ % ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬نحو‭ ‬34‭ % ‬مـن‭ ‬صـادرات‭ ‬النفط‭ ‬المنقولـة‭ ‬بحـراً‭ ‬و30‭ % ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭.‬
وبحلول‭ ‬منتصف‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬نحو‭ ‬144‭ ‬سفينة‭ ‬يومياً،‭ ‬بينها‭ ‬37‭ % ‬من‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط،‭ ‬و17‭ % ‬من‭ ‬سفن‭ ‬الحاويات،‭ ‬و13‭ % ‬من‭ ‬سفن‭ ‬الشحن‭ ‬السائب،‭ ‬بحسب‭ ‬البيانات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬التقرير‭.‬
وتتضاعف‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محدودية‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬لنقل‭ ‬منتجات‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭. ‬فتعطل‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة،‭ ‬حتى‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬ويرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين،‭ ‬بما‭ ‬يزيد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭.‬
وتتجه‭ ‬الحصة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬العابرة‭ ‬للمضيق‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭. ‬فقد‭ ‬أظـهر‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬نحـو‭ ‬83‭ % ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬آسيا،‭ ‬وكانت‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬أبرز‭ ‬الوجهات‭.‬
ويجعل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتماد‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتأثر‭ ‬بأي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الإمدادات،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬تشغيل‭ ‬قطاعات‭ ‬الصناعة‭ ‬والنقل‭ ‬وتوليد‭ ‬الكهرباء،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دورهما‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬الاستهلاك‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تستورد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أيضاً‭ ‬كميات‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭. ‬وخلال‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬والمكثفات‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬قرابة‭ ‬7‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬والمكثفات،‭ ‬ونحو‭ ‬2‭ % ‬من‭ ‬استهلاكها‭ ‬من‭ ‬السوائل‭ ‬البترولية‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهمية‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬الحاويات‭ ‬والبضائع‭ ‬المختلفة‭. ‬ووفق‭ ‬تقرير‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتجارة‭ ‬والتنمية‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬تتجاوز‭ ‬عمليات‭ ‬مناولة‭ ‬الحاويات‭ ‬النمطية‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭ ‬المجاورة‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬حاوية‭ ‬سنوياً‭.‬
وتجعل‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬المضيق‭ ‬نقطة‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬وإنما‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬وتدفقات‭ ‬البضائع‭ ‬والأنشطة‭ ‬الصناعية‭ ‬والتجارية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.‬

رجوع لأعلى