تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬تنفجر‭ ‬قنبلة‭ ‬الديون‭ ‬العالمية‭ ‬وتفجر‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬كبرى؟

هل‭ ‬تنفجر‭ ‬قنبلة‭ ‬الديون‭ ‬العالمية‭ ‬وتفجر‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬كبرى؟

يشهد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬تعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬ملامح‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬باحتمالات‭ ‬اضطراب‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭. ‬وبينما‭ ‬تبدو‭ ‬الأسواق‭ ‬مستقرة‭ ‬ظاهرياً،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بزهو‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬فإن‭ ‬التراكمات‭ ‬الهيكلية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬تضخم‭ ‬الديون‭ ‬السيادية،‭ ‬تضع‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬قواعده‭ ‬بالكامل‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭. ‬إننا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬هابطة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬احتمالية‭ ‬‮«‬صدع‭ ‬سيادي‮»‬‭ ‬يطال‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للنظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي‭.‬

انفجار‭ ‬الديون‭.. ‬القنبلة‭ ‬الموقوتة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬النظام

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬القلق‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬لمستويات‭ ‬الدين‭ ‬العام،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعد‭ ‬تاريخياً‭ ‬‮«‬الملاذات‭ ‬الآمنة‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬تجاوز‭ ‬الدين‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬حاجز‭ ‬39‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬حجم‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬‭(‬نحو‭ ‬125‭ %). ‬وإذا‭ ‬قارنا‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬بعام‭ ‬2007،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬النسبة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬60‭ %‬،‭ ‬ندرك‭ ‬حجم‭ ‬الفجوة‭ ‬التي‭ ‬اتسعت‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عقدين‭.‬
هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الإدمان‮»‬‭ ‬على‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭. ‬السياسات‭ ‬التوسعية‭ ‬التي‭ ‬انتهجتها‭ ‬الإدارات‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬حزم‭ ‬الإنقاذ‭ ‬بعد‭ ‬أزمة‭ ‬2008،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الإنفاق‭ ‬الهائل‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬وتمرير‭ ‬تخفيضات‭ ‬ضريبية‭ ‬غير‭ ‬ممولة،‭ ‬أدت‭ ‬جميعها‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬الالتزامات‭ ‬الحكومية‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬الحقيقي‭. ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدين‭ ‬لم‭ ‬يُستخدم‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬استثمارات‭ ‬إنتاجية‭ ‬ترفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬الكلية‭ ‬للاقتصاد،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منه‭ ‬لتمويل‭ ‬استهلاك‭ ‬جاري‭ ‬وسداد‭ ‬فوائد‭ ‬ديون‭ ‬سابقة‭.‬
اختلال‭ ‬الاستدامة‭ ‬وفجوة‭ ‬النمو

تكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الدين‭ ‬المطلق،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬‮«‬ديناميكيته‭ ‬المتسارعة‮»‬‭. ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬تعتبر‭ ‬الديون‭ ‬مستدامة‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬‮«‬g‮»‬‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أو‭ ‬يساوي‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقي‭ ‬‮«‬r‮»‬‭. ‬ولكن،‭ ‬حين‭ ‬ينمو‭ ‬الدين‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬تصبح‭ ‬الاستدامة‭ ‬المالية‭ ‬مجرد‭ ‬وهم‭ ‬إحصائي‭.‬
هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬خدمة‭ ‬ديونها‭ (‬سداد‭ ‬الفوائد‭ ‬والأقساط‭) ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬‮«‬القمع‭ ‬المالي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الحلول‭ ‬اليائسة‭ ‬مثل‭:‬
1‭. ‬طباعة‭ ‬النقود‭ (‬التسييل‭): ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬القيمة‭ ‬الشرائية‭ ‬والوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬التضخم‭ ‬المزمن‭.‬
2‭. ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭: ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬يعني‭ ‬عملياً‭ ‬‮«‬إفلاس‮»‬‭ ‬الدولة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬كارثية‭ ‬على‭ ‬المدخرات‭ ‬والنظام‭ ‬المصرفي‭.‬
وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬اليابان،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوز‭ ‬الدين‭ ‬260‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬وإيطاليا‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ركود‭ ‬هيكلي‭ ‬مع‭ ‬مديونية‭ ‬مرتفعة‭. ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الأسواق‭ ‬الناشئة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬صلب‭ ‬‮«‬نادي‭ ‬الأغنياء‮»‬‭ (‬G7‭)‬،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭ ‬عرضة‭ ‬للاهتزاز‭.‬

ضغط‭ ‬الفائدة‭.. ‬نهاية‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬المال‭ ‬الرخيص‮»‬

لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬اقتات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬فائدة‭ ‬صفرية‭ ‬أو‭ ‬سالبة،‭ ‬مما‭ ‬شجع‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬المفرط‭. ‬ومع‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭ ‬الجامح‭ ‬نتيجة‭ ‬اضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والسياسات‭ ‬النقدية‭ ‬السائبة،‭ ‬اضطرت‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ (‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭) ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬برفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬الجذري‭ ‬خلق‭ ‬‮«‬صدمة‭ ‬تكلفة‮»‬‭. ‬فالحكومات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقترض‭ ‬بفوائد‭ ‬تقارب‭ ‬1‭ % ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬مضطرة‭ ‬لإعادة‭ ‬تمويل‭ ‬ديونها‭ ‬بفوائد‭ ‬تتجاوز‭ ‬4‭ % ‬أو‭ ‬5‭ %. ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬بند‭ ‬‮«‬خدمة‭ ‬الدين‮»‬‭ ‬في‭ ‬الميزانيات‭ ‬الحكومية‭ ‬أصبح‭ ‬يلتهم‭ ‬حصة‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬الإيرادات‭ ‬الضريبية،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭. ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬سنصل‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬‮«‬الانفجار‭ ‬المالي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬الضرائب‭ ‬حتى‭ ‬لتغطية‭ ‬فوائد‭ ‬الديون،‭ ‬مما‭ ‬يضطر‭ ‬الدول‭ ‬للاقتراض‭ ‬لمجرد‭ ‬دفع‭ ‬الفائدة،‭ ‬وهي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التعثر‭ ‬المالي‭.‬
هشاشة‭ ‬الأسواق‭ ‬والتقييمات‭ ‬المتضخمة

رغم‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر،‭ ‬تظهر‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‮»‬،‭ ‬أداءً‭ ‬قوياً‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬يخفي‭ ‬وراءه‭ ‬هشاشة‭ ‬مرعبة‭. ‬فالأسواق‭ ‬حالياً‭ ‬تتحرك‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬توقعات‭ ‬متفائلة‭ ‬جداً‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الهبوط‭ ‬الناعم‮»‬‭ (‬تراجع‭ ‬التضخم‭ ‬دون‭ ‬ركود‭)‬،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬طفرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬مكررات‭ ‬الربحية‭ ‬لعديد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الأساسيات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الفقاعة‮»‬‭ ‬المحتملة،‭ ‬تصبح‭ ‬الأسواق‭ ‬عرضة‭ ‬لتصحيحات‭ ‬حادة‭ ‬ومفاجئة‭ (‬Flash Crashes‭) ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬صدمة‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬مثل‭:‬
●‭ ‬فشل‭ ‬شركة‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬سداد‭ ‬التزاماتها‭.‬
●‭ ‬تصعيد‭ ‬جيوسياسي‭ ‬في‭ ‬ممرات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭.‬
●‭ ‬بيانات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تظهر‭ ‬دخول‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬ركود‭ ‬تقني‭ ‬مفاجئ‭.‬

تحولات‭ ‬الدولار‭ ‬وفقدان‭ ‬
‮«‬القدسية‮»‬‭ ‬المالية

يُعد‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬يمثل‭ ‬عملة‭ ‬الاحتياط‭ ‬الأولى‭ ‬والعملة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭. ‬لكن‭ ‬استمرار‭ ‬تراكم‭ ‬الدين‭ ‬الأمريكي‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬وجودية‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الثقة‮»‬‭. ‬
تاريخياً،‭ ‬كانت‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تُعتبر‭ ‬‮«‬الأصول‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬المخاطر‮»‬‭ (‬Risk‭-‬Free Assets‭). ‬ولكن،‭ ‬إذا‭ ‬بدأت‭ ‬الأسواق‭ ‬والبنك‭ ‬المركزية‭ ‬العالمية‭ (‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭) ‬في‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬دون‭ ‬خفض‭ ‬قيمة‭ ‬عملتها،‭ ‬فقد‭ ‬نشهد‭ ‬عمليات‭ ‬تخارج‭ ‬جماعية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السندات‭. ‬تراجع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السندات‭ ‬سيؤدي‭ ‬لرفع‭ ‬الفائدة‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر،‭ ‬مما‭ ‬يعمق‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الأمريكية‭. ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭:‬
تعددية‭ ‬الأقطاب‭ ‬النقدية‭: ‬صعود‭ ‬عملات‭ ‬أخرى‭ ‬أو‭ ‬سلات‭ ‬عملات‭ (‬مثل‭ ‬مقترحات‭ ‬مجموعة‭ ‬بريكس‭).‬
العودة‭ ‬للأصول‭ ‬الصلبة‭: ‬زيادة‭ ‬بريق‭ ‬الذهب‭ ‬كملجأ‭ ‬أخير‭ ‬للقيمة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬العملات‭ ‬الورقية‭ ‬المسيسة‭.‬

مخاطر‭ ‬السياسة‭ ‬والإنفاق‭ ‬العسكري

لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭. ‬فالتوجهات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الحالية‭ ‬تفرض‭ ‬ضغوطاً‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬الارتباك‭ ‬الجيوسياسي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تتسابق‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬لزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدفاعي‭. ‬
تشير‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬ترفع‭ ‬ميزانيتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬لمستويات‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً‭. ‬هذا‭ ‬الإنفاق،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للدول،‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬اقتصادي‭ ‬بحت‭ ‬إنفاقاً‭ ‬‮«‬غير‭ ‬استهلاكي‮»‬‭ ‬و‮«‬غير‭ ‬إنتاجي‮»‬‭ ‬بالمعنى‭ ‬المباشر،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬عوائد‭ ‬مالية‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬سداد‭ ‬الدين،‭ ‬بل‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الحروب‭ ‬التجارية‭ ‬والسياسات‭ ‬الحمائية‭ ‬‭(‬مثل‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬ترفع‭ ‬التكاليف‭ ‬على‭ ‬المستهلك‭ ‬وتعيق‭ ‬كفاءة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬مما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬المخرج‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬الديون‭.‬

سيناريو‭ ‬الأزمة‭ ‬المقبلة‭.. ‬
‮«‬الزلزال‭ ‬السيادي‮»‬

إن‭ ‬‮«‬الزلزال‭ ‬السيادي‮»‬‭ ‬المرتقب‭ ‬يمثل‭ ‬تحولاً‭ ‬دراماتيكياً‭ ‬وجوهرياً‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية؛‭ ‬فبينما‭ ‬تمحورت‭ ‬أزمة‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬حول‭ ‬‮«‬ديون‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‮»‬‭ ‬وتداعي‭ ‬مؤسسات‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري‭ ‬التي‭ ‬سارعت‭ ‬الحكومات‭ ‬حينها‭ ‬لإنقاذها‭ ‬عبر‭ ‬ضخ‭ ‬سيولة‭ ‬هائلة،‭ ‬فإن‭ ‬الأزمة‭ ‬القادمة‭ ‬تضع‭ ‬‮«‬المنقذ‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬فوهة‭ ‬المدفع،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬ميزانيات‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬هيكلي‭ ‬متفجر‭ ‬يهدد‭ ‬بانهيار‭ ‬الضامن‭ ‬الأخير‭ ‬والوحيد‭ ‬للنظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬يتجاوز‭ ‬فكرة‭ ‬التعثر‭ ‬المصرفي‭ ‬التقليدي‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬تآكل‭ ‬اليقين‮»‬‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬السندات‭ ‬الحكومية،‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬اعتبرت‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬ومقياس‭ ‬الاستقرار؛‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اهتزاز‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬بقدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬سداد‭ ‬ديونها‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬شلل‭ ‬فوري‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬ويجرد‭ ‬الحكومات‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الوظائف‭ ‬الحيوية،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬الرواتب‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والصحة‭. ‬إن‭ ‬الخطورة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬دخول‭ ‬العالم‭ ‬‮«‬حلقة‭ ‬مفرغة‮»‬‭ (‬Doom Loop‭) ‬حيث‭ ‬يؤدي‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬البنوك‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬سنداتها،‭ ‬وفشل‭ ‬البنوك‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬الدولة،‭ ‬مما‭ ‬يفضي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬المطلق‭ ‬في‭ ‬العملات‭ ‬الورقية‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭.‬

رجوع لأعلى