هل يفقد الذهب جاذبيته أمام الفائدة المرتفعة؟
تواجه أسواق الذهب مرحلة حاسمة قد تحدد اتجاه المعدن الأصفر خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار ارتفاع أسعار النفط وتصاعد المخاوف التضخمية، بالتزامن مع توقعات بإبقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة الذهب على استعادة جاذبيته الاستثمارية، خصوصاً بعدما أصبحت السندات والأصول المدرة للعوائد منافساً قوياً له.
وتتجه أنظار المستثمرين إلى قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبيانات الاقتصادية المرتقبة، بحثاً عن مؤشرات توضح مستقبل السياسة النقدية. وفي الوقت نفسه، تبرز مشتريات البنوك المركزية ومستويات الأسعار الفنية بوصفها عوامل قد تحدد فرص التعافي، وسط تباين التوقعات بشأن استمرار الضغوط أو عودة الطلب على الملاذات الآمنة.
اختبار الفائدة
يمثل مسار أسعار الفائدة الأميركية العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الذهب، بعدما عززت بيانات التضخم الأخيرة احتمالات اتخاذ الاحتياطي الفيدرالي خطوة تشديدية إضافية قبل نهاية العام.
وتشير توقعات الأسواق إلى تثبيت الفائدة خلال اجتماع أكتوبر، مع استمرار الرهانات على زيادة محتملة في ديسمبر، خصوصاً إذا ظلت الضغوط السعرية أعلى من المستويات المستهدفة.
وتكمن المشكلة بالنسبة للذهب في أنه لا يمنح حائزيه عائداً دورياً، بخلاف السندات والودائع المصرفية، ما يجعل ارتفاع الفائدة الحقيقية عاملاً يقلص جاذبيته الاستثمارية.
ويضيف ارتفاع أسعار النفط تحدياً جديداً، إذ يؤدي صعود الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويؤخر تراجع التضخم.
وتعني هذه العلاقة أن التوترات الجيوسياسية قد تتحول من عامل داعم للذهب إلى مصدر ضغط عليه، عندما تدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع وتعزز احتمالات تشديد السياسة النقدية.
وقد يستفيد المعدن من أي إشارات إلى تباطؤ التضخم أو تراجع العوائد الحقيقية، بينما ستظل فرص صعوده محدودة إذا واصل الفيدرالي تبني موقف متشدد.
ويترقب المستثمرون خصوصاً بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية، باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية التي يعتمد عليها البنك المركزي لتقييم مسار الأسعار.
طلب متباين
تمثل مشتريات البنوك المركزية أحد العوامل المهمة في تحديد التوازن بين العرض والطلب على الذهب، لكنها لا تسير في اتجاه موحد بين مختلف الدول.
فقد أظهرت بيانات البنك المركزي الروسي انخفاض احتياطياته بنحو 6.2 أطنان خلال سبتمبر، لتصل إلى 2264 طناً، وهو أدنى مستوى منذ نهاية 2019.
وبلغ إجمالي ما خفضته روسيا من حيازاتها نحو 62 طناً منذ ديسمبر 2025، في ظل ضغوط مالية مرتبطة بتمويل عجز الموازنة.
وفي المقابل، واصلت الصين زيادة احتياطياتها، بعدما أضاف بنك الشعب الصيني 23 طناً خلال سبتمبر، وهي أكبر مشتريات شهرية منذ أكتوبر 2023، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
ورفعت هذه الإضافات إجمالي مشتريات الصين منذ بداية العام إلى 103 أطنان، لتبلغ حيازاتها الرسمية نحو 2410 أطنان.
ويكشف اختلاف التوجهات أن مبيعات بعض البنوك المركزية لا تعني بالضرورة تراجع الطلب الرسمي عالمياً، خصوصاً مع استمرار توجه دول نحو تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الأصول التقليدية.
وقد تساعد المشتريات الرسمية على امتصاص جزء من المعروض ودعم الأسعار، لكن تأثيرها يظل مرتبطاً بحجم التدفقات الاستثمارية وتحركات الدولار والعوائد العالمية.
كما يراقب المستثمرون الطلب الفعلي في الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين والهند، لمعرفة ما إذا كانت مستويات الأسعار الحالية ستشجع عمليات شراء جديدة.
مستويات حاسمة
أصبح مستوى 4 آلاف دولار للأونصة محوراً مهماً في تقييم الاتجاه المقبل للذهب، بعدما تحول إلى حاجز نفسي وفني يراقبه المستثمرون عن كثب.
وقد تعزز استعادة هذا المستوى بصورة مستقرة ثقة المتعاملين وتشجع عودة بعض التدفقات الاستثمارية، خصوصاً إذا تزامنت مع تراجع العوائد الأميركية.
أما استمرار التداول دونه، فقد يزيد الضغوط الفنية ويدفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم، دون أن يعني ذلك بالضرورة استمرار الانخفاض لفترة طويلة. وتبرز السيولة عاملاً إضافياً في تحديد اتجاه السوق، إذ قد تضطر المؤسسات الاستثمارية إلى بيع الذهب لتغطية خسائر في أسواق الأسهم أو تلبية متطلبات الهامش.
وتوضح هذه الظاهرة أن المعدن قد يتعرض لضغوط مؤقتة حتى خلال فترات الاضطرابات، عندما تتقدم الحاجة إلى النقد على الرغبة في الاحتفاظ بالملاذات الآمنة.
وفي المقابل، قد يؤدي تراجع أسعار الطاقة أو ظهور مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد الأميركي إلى تغيير توقعات الفائدة وإعادة دعم الطلب الاستثماري.
القرارات النقدية تحدد المسار
ستعتمد فرص تعافي الذهب خلال الفترة المقبلة على التوازن بين مخاطر التضخم وتوقعات الفائدة والطلب الاستثماري، مع استمرار تأثير التطورات الجيوسياسية في أسواق الطاقة.
فإذا تراجعت الضغوط السعرية ومال الفيدرالي إلى موقف أقل تشدداً، فقد يستعيد المعدن جزءاً من جاذبيته، بينما سيؤدي استمرار ارتفاع العوائد إلى إبقاء المنافسة قوية مع الأصول المدرة للدخل. وبين هذين الاحتمالين، ستظل قدرة الذهب على الاستقرار فوق 4 آلاف دولار اختباراً رئيسياً لثقة المستثمرين، ومؤشراً على ما إذا كانت السوق تستعد لمرحلة تعافٍ جديدة أم لفترة أطول من التقلبات.