وول ستريت تتراجع بعد اختراق 7800 نقطة
أنهت الأسهم الأميركية تعاملات الجمعة على انخفاض محدود، متخلية عن جزء من مكاسبها القياسية التي سجلتها في الجلسة السابقة، إلا أن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» نجح في تحقيق ثالث أسبوع متتالٍ من المكاسب، في ظل مزيج من نتائج الشركات القوية وقراءات التضخم الهادئة، مقابل مؤشرات متزايدة على ضعف إنفاق وثقة المستهلكين.
وأغلق «ستاندرد آند بورز 500» منخفضاً بنسبة 0.2 %، بعد يوم واحد فقط من تسجيل مستويات تاريخية، فيما تراجع مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.3 %، وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 107 نقاط، أو ما يعادل 0.2 %.
ورغم خسائر الجمعة، بقي الأداء الأسبوعي إيجابياً للمؤشرين الرئيسيين، إذ ارتفع «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.4 % على مدار الأسبوع، محققاً ثالث مكاسب أسبوعية متتالية، بينما تقدم «ناسداك» بنسبة 0.1 % ليسجل بدوره الأسبوع الثالث على التوالي من الصعود. وفي المقابل، أنهى «داو جونز» الأسبوع منخفضاً بنسبة 0.6 %.
قمة تاريخية
جاء التراجع بعد أسبوع شهد محطة تاريخية جديدة للأسهم الأميركية، بعدما تجاوز «ستاندرد آند بورز 500» خلال تعاملات الخميس مستوى 7800 نقطة للمرة الأولى، وسجل أعلى مستوى له على الإطلاق خلال الجلسة عند 7816.70 نقطة، كما أنهى الجلسة السابقة عند مستوى إغلاق قياسي.
وكانت قراءات التضخم الهادئة يومي الأربعاء والخميس من أبرز المحركات التي دفعت المؤشر إلى تسجيل القمم الجديدة، بعدما عززت توقعات المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يكون مضطراً إلى تشديد السياسة النقدية بصورة إضافية في المدى القريب.
ومع وصول السوق إلى مستويات تاريخية مرتفعة، أصبح المستثمرون أكثر حساسية لأي بيانات اقتصادية أو إشارات قد تؤثر في توقعات أسعار الفائدة والنمو، وهو ما جعل التراجع المحدود في نهاية الأسبوع أقرب إلى مرحلة تهدئة بعد موجة المكاسب منه إلى تحول واضح في اتجاه السوق.
أرباح قوية
تمثل نتائج الشركات أحد أهم مصادر الدعم للأسهم الأميركية في الوقت الحالي، إذ أعلنت أكثر من 90 % من الشركات المدرجة ضمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» نتائج أعمالها للربع الثاني، ما يعني أن المستثمرين باتت لديهم صورة شبه مكتملة عن أداء الشركات الأميركية خلال الفترة.
وتشير بيانات «فاكتست» إلى نمو الأرباح مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بنحو 50%، وهو معدل قوي يوفر دعماً أساسياً لتقييمات الأسهم المرتفعة، ويخفف المخاوف من أن تكون المكاسب الأخيرة قائمة فقط على التفاؤل بشأن السياسة النقدية.
وتكتسب قوة الأرباح أهمية خاصة في ظل تزايد الحديث عن تباطؤ الاقتصاد الأميركي، إذ تسمح قدرة الشركات على الحفاظ على نمو أرباحها للمستثمرين بالفصل، ولو مؤقتاً، بين ضعف بعض البيانات الاقتصادية والأداء التشغيلي للشركات الكبرى.
هدف 8100
رغم التراجع في جلسة الجمعة، لا تزال بعض التوقعات تشير إلى إمكانية استمرار الصعود حتى نهاية العام. ويتوقع هاتفيليد وصول مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى مستوى 8100 نقطة بنهاية 2026، إذا استمرت مجموعة من الظروف الحالية.
وتقوم هذه الرؤية على بقاء نمو أرباح الشركات عند المستويات القوية المسجلة خلال موسم النتائج، إلى جانب استمرار أسعار النفط فوق 80 دولاراً للبرميل في ظل إغلاق مضيق هرمز، وعدم إقدام الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة.
ومن مستوى القمة المسجل الخميس عند 7816.70 نقطة، يعني الوصول إلى 8100 نقطة وجود مساحة إضافية للصعود، وإن كانت أقل من المكاسب التي حققتها السوق بالفعل حتى الآن.
مستهلك أضعف
في مقابل قوة نتائج الشركات، ظهرت إشارات أقل إيجابية من جانب المستهلك الأميركي، بعدما كشفت أحدث البيانات عن تراجع غير متوقع في مبيعات التجزئة خلال يوليو على أساس شهري.
وتعد مبيعات التجزئة مؤشراً مهماً على قوة الاقتصاد الأميركي بسبب الوزن الكبير للاستهلاك في النشاط الاقتصادي، ولذلك فإن تراجعها يثير تساؤلات بشأن قدرة الأسر على مواصلة الإنفاق في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والفائدة وأسعار الطاقة.
ولم تكن مبيعات التجزئة الإشارة السلبية الوحيدة، إذ تراجعت ثقة المستهلكين في الاقتصاد خلال أغسطس، لتفقد جزءاً من التحسن الذي سجلته خلال يونيو ويوليو.
وتأتي هذه البيانات في وقت يراقب فيه المستثمرون بالفعل مؤشرات أخرى أقل قوة، بما في ذلك بيانات الناتج المحلي الإجمالي وسوق العمل، ما يجعل الصورة الاقتصادية أكثر تعقيداً من تلك التي تعكسها مستويات الأسهم القياسية.
معادلة الفائدة
قد يحمل ضعف البيانات الاقتصادية جانباً إيجابياً للأسواق يتمثل في تقليل الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة. فكلما تراجعت ضغوط الطلب، أصبحت مهمة الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على التضخم أكثر سهولة، خصوصاً إذا استمرت مؤشرات الأسعار في التحرك بما يتوافق مع التوقعات.
وقال بريت كينويل، محلل الاستثمار لدى «إي تورو»، إن شهراً واحداً ضعيفاً من الإنفاق لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد يتجه نحو الانهيار، إلا أنه يصعب تجاهل هذه الإشارة عندما تأتي بالتزامن مع بيانات مخيبة للآمال للناتج المحلي الإجمالي والوظائف.
ويرى أن اجتماع هذه البيانات مع أرقام التضخم المتوافقة مع التوقعات يفترض أن يخفف الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة.
ويضع ذلك المستثمرين أمام معادلة دقيقة: البيانات الضعيفة قد تكون إيجابية للأسهم إذا منعت زيادة الفائدة، لكنها تتحول إلى عامل سلبي إذا أصبحت ضعيفة بالقدر الذي يهدد أرباح الشركات والنمو الاقتصادي.
ثمن التباطؤ
حذر كينويل المستثمرين من المبالغة في الترحيب بالبيانات الاقتصادية الضعيفة لمجرد أنها تقلص احتمالات رفع أسعار الفائدة، مشيراً إلى أن ضعف الاقتصاد يمثل ثمناً مرتفعاً لتجنب زيادة قدرها 25 نقطة أساس.
وتبرز هذه الملاحظة أحد أهم التناقضات التي تواجه وول ستريت حالياً. فالأسواق عادة ما تستفيد من انخفاض توقعات الفائدة، لكن السبب الذي يؤدي إلى تراجع تلك التوقعات يظل مهماً للغاية.
فإذا استقرت الفائدة بسبب انحسار التضخم مع استمرار نمو الاقتصاد وأرباح الشركات، فإن ذلك يمثل سيناريو إيجابياً للأسهم. أما إذا جاء تثبيت الفائدة نتيجة تراجع سريع في الاستهلاك والتوظيف والنشاط، فإن التأثير الإيجابي لانخفاض العوائد قد لا يكون كافياً لتعويض المخاوف المتعلقة بالنمو.
اختبار المستهلك
تبقى قدرة المستهلك الأميركي على الصمود عاملاً رئيسياً في تحديد مسار الاقتصاد والأسهم خلال الأشهر المقبلة، نظراً إلى الدور المحوري للإنفاق الأسري في دعم النشاط الاقتصادي.
ويشير كينويل إلى أن استمرار مرونة الاقتصاد يتطلب بقاء المستهلك نفسه قادراً على الصمود. وإذا تحول ضعف مبيعات التجزئة في يوليو إلى اتجاه مستمر، فقد تبدأ الشركات في الشعور بتأثير تباطؤ الطلب، وهو ما يمكن أن ينعكس لاحقاً على الإيرادات والأرباح والتوظيف.
وفي المقابل، إذا تبين أن تراجع يوليو مؤقت وعادت مبيعات التجزئة للتحسن، فقد تحصل السوق على السيناريو الأكثر دعماً لها: تضخم تحت السيطرة، ومستهلك قادر على الإنفاق، وأرباح قوية، واحتياطي فيدرالي غير مضطر إلى رفع الفائدة.