وول ستريت تتراجع مع تصاعد القلق الجيوسياسي رغم قوة الأرباح
تراجعت الأسهم الأميركية في ختام تعاملات الثلاثاء، في انعكاس مباشر لحالة القلق المتزايدة التي تسيطر على المستثمرين، بعدما تبخرت المكاسب المبكرة التي تحققت في بداية الجلسة تحت ضغط تجدد المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وجاء هذا التراجع رغم انطلاقة قوية للأسواق مدفوعة بنتائج أرباح إيجابية للشركات، ما يعكس بوضوح حجم التناقض الذي تعيشه الأسواق حالياً بين أساسيات اقتصادية متينة ومخاطر سياسية يصعب التنبؤ بمسارها.
في بداية التداولات، بدت المؤشرات الأميركية في مسار صاعد، مستفيدة من موجة تفاؤل واسعة بشأن أداء الشركات، إلا أن هذا الزخم لم يدم طويلاً، حيث سرعان ما انقلب الاتجاه مع تصاعد القلق بشأن الحرب في المنطقة. وزادت التقارير التي تحدثت عن إمكانية انخراط إيران في محادثات مع الولايات المتحدة في باكستان، بشروط تتعلق بتخلي واشنطن عن سياسة الضغط، من حالة الترقب، في حين عمّق إلغاء زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى باكستان حالة عدم اليقين، ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم واللجوء إلى الحذر.
تذبذب السوق
تعكس تحركات الأسواق الحالية حالة من التذبذب العميق، حيث تتحرك المؤشرات بين موجات شراء مدفوعة بالتفاؤل الاقتصادي، وعمليات بيع ناتجة عن القلق السياسي. ويرى محللون أن هذه الازدواجية ستظل قائمة في الأجل القصير، في ظل غياب وضوح بشأن المسار الجيوسياسي، رغم وجود إشارات إيجابية على صعيد أرباح الشركات والنشاط الاقتصادي.
وأوضح توماس مارتن، كبير مديري المحافظ الاستثمارية في شركة GLOBALT Investments، أن الأسواق تواجه معادلة معقدة، حيث تقف أرباح الشركات القوية وتوقعات النمو الاقتصادي في مواجهة مخاطر جيوسياسية غير محسومة، وأشار إلى أن العامل الأكثر غموضاً في هذه المعادلة هو مسار الأزمة مع إيران، مؤكداً أن عدم وضوح هذا المسار يجعل من الصعب على المستثمرين بناء توقعات مستقرة أو اتخاذ قرارات طويلة الأجل بثقة.
وأضاف أن الافتراض بأن الوضع قد يتجه بسهولة نحو الاستقرار يبدو غير واقعي في ظل المعطيات الحالية، ما يعني أن الأسواق ستظل عرضة لتقلبات مفاجئة مع كل تطور جديد، سواء كان سياسياً أو عسكرياً.
أداء المؤشرات
على مستوى الأداء، أنهت المؤشرات الرئيسية تعاملاتها على تراجع ملحوظ، حيث فقد مؤشر داو جونز الصناعي 293.18 نقطـة، بما يعادل 0.59 %، ليغلق عند 49,149.38 نقطة. كما تراجع مؤشر إس آند بي 500 بنحو 45.13 نقطة، أو 0.63 %، ليصل إلى 7,064.01 نقطة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب 144.43 نقطة، أو 0.59 %، ليغلق عند 24,259.96 نقطة.
ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة بالنظر إلى أن الأسواق كانت قد سجلت مكاسب خلال الجلسة، حيث ارتفع مؤشر إس آند بي 500 بنسبة وصلت إلى 0.4 %، قبل أن يتخلى عن هذه المكاسب بالكامل. ويعكس هذا التحول السريع حالة الحساسية المفرطة لدى المستثمرين تجاه أي أخبار أو تطورات، وهو ما يزيد من حدة التقلبات اليومية في الأسواق.
دعم اقتصادي
ورغم الضغوط، أظهرت البيانات الاقتصادية الأميركية صورة أكثر إيجابية، حيث أعلنت وزارة التجارة ارتفاع مبيعات التجزئة في مارس بنسبة 1.7 %، متجاوزة توقعات المحللين التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 1.4 %، ويعكس هذا الأداء استمرار قوة الطلب الاستهلاكي، الذي يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الأميركي.
وجاءت هذه الزيادة مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الوقود نتيجة التوترات الجيوسياسية، إضافة إلى قفزة ملحوظة في إنفاق المستهلكين في محطات الوقود. ومع ذلك، لم تكن هذه البيانات كافية لدعم الأسواق، حيث طغت المخاوف السياسية على التأثير الإيجابي للأرقام الاقتصادية، ما يعكس أن الأسواق في الوقت الراهن تعطي وزناً أكبر للعوامل الجيوسياسية مقارنة بالمؤشرات الاقتصادية التقليدية.
زخم الأرباح
في المقابل، لا تزال أرباح الشركات تمثل أحد أبرز مصادر الدعم للأسواق، إذ تشير البيانات إلى توقعات بنمو أرباح الشركات بنحو 14% خلال الربع الأول، وهو معدل قوي يعكس تحسن الأداء التشغيلي في العديد من القطاعات، خاصة التكنولوجيا.
كما عززت المؤسسات المالية الكبرى هذه النظرة الإيجابية، حيث قام بنك JPMorgan برفع توقعاته لمؤشر إس آند بي 500 بنهاية العام، مستنداً إلى الأداء القوي لشركات التكنولوجيا واستمرار الزخم في قطاع الذكاء الاصطناعي. ويُعد هذا القطاع أحد المحركات الرئيسية للأسواق في السنوات الأخيرة، في ظل الاستثمارات الضخمة والتطورات السريعة في هذا المجال.
وفي هذا الإطار، أعلنت شركة أمازون عن استثمار يصل إلى 25 مليار دولار في شركة أنثروبيك، في خطوة تعكس استمرار سباق الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي باتت تمثل أحد أهم روافع النمو في الاقتصاد الرقمي العالمي.
تحركات الأسهم
وعلى صعيد الشركات، عكست التداولات تبايناً واضحاً في أداء الأسهم، حيث ارتفعت أسهم شركة يونايتد هيلث بنسبة 7 % بعد إعلانها نتائج أرباح تجاوزت التوقعات ورفعها لتقديراتها السنوية، ما ساهم بشكل ملحوظ في دعم مؤشر داو جونز بإضافة نحو 138 نقطة.
في المقابل، تعرضت أسهم شركة أبل لضغوط، حيث تراجعت بنسبة 2.52 % بعد إعلانها انتقال القيادة التنفيذية من تيم كوك إلى جون تيرنوس، وهو ما أثار تساؤلات لدى المستثمرين حول مستقبل الشركة في ظل هذا التغيير القيادي.
أما قطاع الطاقة، فقد كان الاستثناء الإيجابي الوحيد داخل مؤشر إس آند بي 500، حيث ارتفع بنسبة 1.31 % مدفوعاً بارتفاع أسعار النفط، في ظل التوترات الجيوسياسية التي دعمت أسعار الخام وزادت من جاذبية أسهم شركات الطاقة.
السياسة النقدية
في واشنطن، استحوذت السياسة النقدية على اهتمام المستثمرين، مع متابعة جلسة الاستماع الخاصة بمرشح الرئيس دونالد ترامب لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش. وخلال الجلسة، أكد وورش أنه لم يقدم أي التزامات بشأن خفض أسعار الفائدة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على استقلالية البنك المركزي.
ورغم ذلك، لا تزال حالة الجدل السياسي قائمة، حيث يواجه ترشيحه معارضة من بعض أعضاء مجلس الشيوخ، الذين لوّحوا بإمكانية عرقلة تثبيته. ويعكس هذا الجدل انقساماً أوسع حول مستقبل السياسة النقدية في الولايات المتحدة، وهو ما يضيف طبقة إضافية من عدم اليقين إلى الأسواق المالية.
صورة التداول
تعكس بيانات السوق صورة مختلطة تميل إلى السلبية، حيث تفوقت الأسهم المتراجعة على المرتفعة بنسبة 2.67 إلى 1 في بورصة نيويورك، وبنسبة 2.53 إلى 1 في ناسداك، ما يشير إلى اتساع نطاق البيع في السوق.
وفي الوقت نفسه، سجلت المؤشرات 50 قمة سنوية جديدة مقابل 4 قيعان فقط ضمن مؤشر إس آند بي 500، وهو ما يعكس وجود قوة كامنة في بعض الأسهم، رغم التراجع العام. وبلغ حجم التداول نحو 18.08 مليار سهم، وهو مستوى قريب من متوسط 20 يوماً البالغ 18.4 مليار سهم، ما يشير إلى استمرار النشاط عند مستويات طبيعية مع ميل واضح نحو الحذر.