وول ستريت تتراجع والفائدة تهدد الأسهم
أنهت الأسهم الأمريكية تعاملات الجمعة على انخفاض جماعي، بعدما جاءت بيانات سوق العمل أقوى بكثير من توقعات المستثمرين، لتعيد إلى الواجهة مخاوف تشديد السياسة النقدية واحتمال إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب في سبتمبر.
وتراجعت المؤشرات الرئيسية الثلاثة في وول ستريت وسط موجة بيع واسعة النطاق، إذ فضّل المستثمرون تقليص المخاطر قبل عطلة نهاية أسبوع ممتدة لثلاثة أيام، مع إغلاق الأسواق الأمريكية الاثنين بمناسبة عطلة عيد العمال.
وبحسب البيانات الأولية، انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 29.58 نقطة، أو 0.38 %، لينهي الجلسة عند 7718.13 نقطة، بينما تراجع مؤشر «ناسداك» المجمع 78.62 نقطة، بما يعادل 0.30 %، إلى 26505.44 نقطة.
وكان «داو جونز الصناعي» الأكثر تراجعاً بين المؤشرات الرئيسية، بعدما فقد 279.20 نقطة، أو نحو 0.54 %، ليغلق عند 53398.15 نقطة.
وجاء الأداء السلبي رغم أن البيانات الاقتصادية حملت في ظاهرها مؤشرات إيجابية على استمرار قوة أكبر اقتصاد في العالم، إلا أن المستثمرين نظروا إليها من زاوية مختلفة، معتبرين أن متانة سوق العمل تمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لرفع الفائدة من أجل مواجهة الضغوط التضخمية.
وظائف قوية
وأظهر تقرير التوظيف الصادر عن وزارة العمل الأمريكية أن الاقتصاد أضاف 162 ألف وظيفة خلال أغسطس، وهو رقم تجاوز بفارق واسع توقعات الأسواق البالغة 56 ألف وظيفة فقط.
وبذلك جاءت الوظائف الجديدة عند ما يقارب ثلاثة أمثال التوقعات، ما بدد جانباً مهماً من المخاوف التي سادت في الفترة الماضية بشأن احتمال دخول سوق العمل في مرحلة ضعف حاد.
ولم تقتصر المفاجأة الإيجابية على أرقام أغسطس، إذ جرى تعديل بيانات شهري يونيو ويوليو بالزيادة بإجمالي 55 ألف وظيفة، ما عزز صورة سوق العمل القوية نسبياً.
وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل المشاركة في القوى العاملة، بينما استقر معدل البطالة عند 4.1%، وهي مجموعة من المؤشرات التي تؤكد أن سوق الوظائف لا تزال قادرة على الصمود رغم مستويات الفائدة المرتفعة والاضطرابات الاقتصادية المرتبطة بالحرب وارتفاع تكاليف الطاقة.
لكن قوة البيانات خلقت مفارقة بالنسبة للأسواق؛ فما يعد خبراً جيداً للاقتصاد أصبح عاملاً سلبياً للأسهم بسبب تأثيره المحتمل في قرارات السياسة النقدية.
رهانات الفائدة
وتحول تركيز المستثمرين سريعاً من قوة سوق العمل إلى ما تعنيه هذه القوة بالنسبة إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر.
فالبنك المركزي الأمريكي يعتمد بدرجة كبيرة على البيانات الاقتصادية عند اتخاذ قراراته، وبالتالي فإن إضافة وظائف تفوق التوقعات بهذا الحجم تقلل الحاجة إلى سياسة نقدية أكثر مرونة، وتزيد قدرته على مواجهة التضخم عبر رفع تكاليف الاقتراض.
وأظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» أن الأسواق باتت تسعّر احتمالاً بنسبة 58.4 % لرفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ختام اجتماع سبتمبر، مقابل 49.4 % فقط في اليوم السابق.
وتعني هذه القفزة أن المستثمرين انتقلوا خلال جلسة واحدة من ترجيحات شبه متوازنة إلى ميل أكثر وضوحاً نحو توقع زيادة جديدة في الفائدة.
ويضع ذلك الأسهم أمام ضغوط إضافية، إذ تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة عادة إلى زيادة تكلفة التمويل على الشركات، كما تقلل القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، وتزيد في الوقت نفسه جاذبية السندات وأدوات الدخل الثابت مقارنة بالأسهم.
اقتصاد متماسك
وقال رايان ديتريك، كبير استراتيجيي السوق في مجموعة «كارسون»، إن سوق العمل شهدت انتعاشاً جيداً خلال الشهر الماضي، مشيراً إلى صعوبة النظر إلى تحسن التوظيف باعتباره تطوراً غير إيجابي بالنسبة للاقتصاد.
لكن الجانب الآخر من الصورة يتمثل في أن قوة النشاط الاقتصادي رفعت بصورة طفيفة احتمالات زيادة الفائدة، خصوصاً مع استمرار الاقتصاد في العمل بوتيرة قوية نسبياً.
وتختصر هذه الرؤية المعضلة التي تواجهها وول ستريت حالياً. فالمستثمرون يريدون اقتصاداً قوياً بما يكفي لتجنب الركود، لكنهم في الوقت نفسه لا يريدون قوة مفرطة تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية.
وبالتالي، فإن كل بيانات اقتصادية قوية أصبحت تحمل تأثيراً مزدوجاً: فهي تقلص احتمالات الركود، لكنها قد تطيل في المقابل فترة الفائدة المرتفعة أو تدفع البنك المركزي إلى زيادة جديدة.
صدمة الطاقة
وتزداد صعوبة المعادلة بسبب الضغوط التي تفرضها أسعار الطاقة المرتفعة، والتي أصبحت عنصراً أساسياً في حسابات السياسة النقدية الأمريكية.
فارتفاع أسعار النفط والوقود المرتبط بتداعيات الحرب يهدد بإعادة تغذية التضخم، ليس فقط من خلال زيادة تكلفة البنزين والديزل على المستهلكين، وإنما عبر انتقال ارتفاع تكاليف النقل والطاقة تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات.
ويخشى الاحتياطي الفيدرالي من تحول صدمة الطاقة إلى موجة تضخمية أوسع نطاقاً، وهو ما قد يدفعه إلى استخدام الفائدة لاحتواء الطلب ومنع ارتفاع الأسعار من الاستقرار داخل الاقتصاد.
وهذا السيناريو يمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للأسواق، لأن السياسة النقدية ستكون مطالبة بالتعامل مع تضخم ناتج جزئياً عن صدمة في جانب العرض لا تستطيع أسعار الفائدة معالجة أسبابها المباشرة.
ومع ذلك، يستطيع التشديد النقدي تقليل خطر انتقال ارتفاع الطاقة إلى الأجور والأسعار الأخرى، وهو ما يفسر زيادة رهانات الأسواق على رفع الفائدة.
اختبار التضخم
وبعد مفاجأة الوظائف، يتحول اهتمام المستثمرين إلى مجموعة جديدة من البيانات الحاسمة التي ستصدر خلال الأسبوع المقبل، وفي مقدمتها مؤشرا أسعار المستهلكين والمنتجين.
وأشار ديتريك إلى أن الأسواق ستحصل على صورة أكثر وضوحاً بشأن التضخم مع صدور المؤشرين، إذ ستساعد الأرقام الجديدة على تحديد مدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى الاقتصاد الأوسع.
وإذا أظهرت بيانات المستهلكين والمنتجين تسارعاً ملحوظاً في الأسعار، فقد ترتفع احتمالات زيادة الفائدة بدرجة أكبر، ما يفرض ضغوطاً إضافية على الأسهم والسندات في الوقت نفسه.
أما إذا جاءت مؤشرات التضخم أكثر اعتدالاً، فقد تتراجع المخاوف من أن يحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد جديد، وهو ما يمكن أن يوفر متنفساً لوول ستريت.
وبذلك، أصبحت بيانات التضخم الحلقة الثانية في اختبار الأسواق بعد تقرير الوظائف، وقد تكون الأكثر أهمية في رسم توقعات المستثمرين قبل اجتماع السياسة النقدية.
بيع واسع
وتوضح خسائر المؤشرات الرئيسية أن القلق لم يقتصر على قطاع محدد، وإنما انعكس في موجة بيع واسعة النطاق مع اتجاه المستثمرين إلى تقليل تعرضهم للمخاطر.
وكان تراجع «داو جونز» بنسبة 0.54 % أكبر من خسائر «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك»، فيما أنهت المؤشرات الثلاثة الجلسة في المنطقة الحمراء.
وساهم توقيت صدور البيانات في زيادة الحذر، إذ جاءت الجلسة الأخيرة قبل عطلة تمتد ثلاثة أيام، وهو ما يقلل شهية بعض المستثمرين للاحتفاظ بمراكز مرتفعة المخاطر خلال فترة توقف التداول.
كما أن عدم اليقين بشأن مسار الحرب وأسعار الطاقة يضيف عنصراً آخر إلى حسابات المستثمرين، خصوصاً مع التأثير المباشر للنفط والوقود في توقعات التضخم والفائدة.
ومن ثم لم يعد تقييم الأسهم الأمريكية مرتبطاً فقط بأرباح الشركات أو قوة الاقتصاد، وإنما بات يتأثر بصورة متزايدة بالتداخل بين سوق العمل والطاقة والتضخم والسياسة النقدية.