وول ستريت تربح 500 نقطة بالفائدة
أنهت وول ستريت أسبوعها على نغمة إيجابية، في جلسة بدت للوهلة الأولى متناقضة مع قواعد الأسواق التقليدية، بعدما ارتفعت الأسهم الأميركية رغم صدور بيانات أظهرت تسارع التضخم وعززت بقوة احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة. لكن خلف هذه المفارقة تقف معادلة أكثر تعقيداً، إذ رحب المستثمرون بتراجع أسعار النفط، وفي الوقت نفسه رأوا أن تحرك البنك المركزي لمواجهة التضخم قد يكون أقل ضرراً من السماح باستمرار ارتفاع الأسعار وفقدان السيطرة عليها. وفي المقابل، منحت موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ونتائج شركات التكنولوجيا زخماً إضافياً للمؤشرات الرئيسية.
وأظهرت البيانات الأولية أن مؤشر داو جونز الصناعي ارتفع بنحو 502.12 نقطة، بما يعادل 0.96 %، ليغلق عند 52566.22 نقطة، بينما صعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 64.84 نقطة، أو 0.85 %، إلى 7656.54 نقطة. كما ارتفع مؤشر ناسداك المجمع 245.85 نقطة، بنسبة 0.94 %، إلى 26327.58 نقطة، مستفيداً من الأداء القوي لعدد من شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتكشف المكاسب المتزامنة للمؤشرات الثلاثة أن المستثمرين تعاملوا مع بيانات التضخم بطريقة مختلفة عن ردود الفعل التقليدية التي غالباً ما تعتبر ارتفاع الأسعار نذيراً سلبياً للأسهم بسبب ما يترتب عليه من تشديد نقدي وارتفاع تكاليف الاقتراض.
رهان الفائدة
قفزت توقعات الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة في اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي المقبل بصورة حادة. وأظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» أن المتعاملين باتوا يرون احتمالاً يقترب من 90 % لرفع الفائدة خلال الاجتماع المقرر الأربعاء، مقارنة بنحو 72 % فقط في اليوم السابق.
هذا التحول السريع يعكس مدى حساسية الأسواق للبيانات الاقتصادية، ولا سيما التضخم، في مرحلة أصبح فيها مسار السياسة النقدية الأميركية أكثر صعوبة. فالمستثمرون الذين كانوا يراقبون خلال السنوات الماضية توقيت خفض أسعار الفائدة أصبحوا الآن أمام سيناريو مختلف يتمثل في احتمال عودة التشديد النقدي. ويرى جزء من السوق أن تحرك البنك المركزي، حتى وإن أدى إلى زيادة مؤقتة في تكلفة التمويل، يمكن أن يمنع التضخم من التحول إلى مشكلة أكثر رسوخاً تتطلب لاحقاً زيادات أكبر في الفائدة ومدة أطول من السياسات المتشددة.
تضخم متسارع
جاء تغير التوقعات بعدما تسارعت وتيرة ارتفاع أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة خلال الشهر الماضي، مدفوعة بصورة خاصة بانتعاش أسعار البنزين بعد شهرين متتاليين من التراجع، ما أعاد الضغوط التضخمية إلى واجهة المشهد الاقتصادي الأميركي.
وتشكل أسعار الطاقة عاملاً بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد، ليس فقط لأنها تؤثر مباشرة على إنفاق الأسر، وإنما لأنها تنتقل سريعاً إلى تكاليف النقل والشحن والإنتاج وأسعار السلع والخدمات المختلفة. ولهذا فإن ارتفاع البنزين يمكن أن يمتد أثره إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد، ويجعل مهمة الاحتياطي الاتحادي أكثر تعقيداً في وقت يسعى فيه للحفاظ على استقرار الأسعار من دون دفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد.
وتزداد أهمية هذه التطورات في ظل ارتفاع أسعار الوقود خلال الفترة الأخيرة بسبب التوترات الجيوسياسية واضطرابات أسواق الطاقة، ما جعل النفط عاملاً مركزياً في تقييم المستثمرين لمستقبل التضخم والسياسة النقدية.
تنفس نفطي
لكن العنصر الذي ساعد الأسهم في جلسة الجمعة كان تراجع أسعار النفط، بعدما سجل الخام مكاسب قوية خلال الأسبوع. وقد خفف الانخفاض اليومي للنفط من حدة المخاوف من أن تستمر صدمة الطاقة في دفع التضخم إلى مستويات أعلى بصورة متسارعة.
وهنا ظهرت العلاقة الحساسة بين أسواق النفط ووول ستريت. فارتفاع الخام بقوة يعني تكاليف أعلى للشركات والمستهلكين، وضغوطاً تضخمية أكبر، واحتمالاً أكبر لتشديد السياسة النقدية. أما تراجع الأسعار فيمنح المستثمرين بعض الأمل في أن تبقى الضغوط تحت السيطرة، حتى إذا قرر البنك المركزي رفع الفائدة.
لذلك جاء تراجع النفط في توقيت بالغ الأهمية للأسهم، إذ خفف من وقع بيانات التضخم القوية وساعد الأسواق على التركيز على الجانب الإيجابي المتمثل في احتمال تحرك مبكر وحاسم لمواجهة ارتفاع الأسعار.
ثقة المستثمرين
عبّر توماس مارتن، كبير مديري المحافظ في شركة «جلوبالت إنفستمنتس» بأتلانتا، عن هذا المزاج عندما أشار إلى أن رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الفائدة سيكون خطوة إيجابية، وإن كان تأثيرها محدوداً، في سبيل كبح التضخم.
وهذه الرؤية تعكس تغيراً مهماً في نفسية المستثمرين. ففي الظروف العادية، تمثل زيادة أسعار الفائدة خبراً سلبياً للأسهم لأنها ترفع تكلفة الاقتراض وتخفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، كما تزيد جاذبية السندات مقارنة بالأسهم.
لكن عندما يصبح التضخم هو الخطر الأكبر، تتحول الأولويات. فالأسواق قد تقبل رفعاً محدوداً للفائدة إذا كانت ترى أنه يقلص مخاطر استمرار ارتفاع الأسعار، ويحافظ على صدقية البنك المركزي، ويمنع الحاجة إلى دورة تشديد أقوى في المستقبل.
طفرة ديل
إلى جانب العوامل الاقتصادية الكلية، لعب قطاع التكنولوجيا دوراً أساسياً في دعم جلسة الصعود، بعدما قفز سهم شركة ديل، المتخصصة في الحواسيب وخوادم الذكاء الاصطناعي، إلى مستوى قياسي، في استمرار للزخم الاستثماري الكبير المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ولا تزال الشركات التي توفر الخوادم ومراكز البيانات والمعدات المطلوبة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي من أبرز المستفيدين من موجة الإنفاق العالمية على التكنولوجيا، ما يجعل نتائجها وتوقعاتها عاملاً مؤثراً بصورة متزايدة في أداء مؤشرات الأسهم الأميركية.
ويمثل وصول ديل إلى مستوى قياسي مؤشراً على استمرار شهية المستثمرين للشركات التي تمتلك تعرضاً مباشراً للإنفاق على الذكاء الاصطناعي، حتى في بيئة أسعار فائدة مرتفعة وتضخم متزايد.
دعم تكنولوجي
امتد التفاؤل أيضاً إلى أسهم هيوليت باكارد إنتربرايز و«إتش.بي»، بعد النتائج الفصلية القوية التي أعلنتها أوراكل وتجاوزت توقعات السوق، ما عزز الرهانات على استمرار نمو الطلب المرتبط بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
لكن سهم أوراكل نفسه تراجع في نهاية المطاف، في إشارة إلى أن النتائج القوية وحدها لم تكن كافية لإقناع جميع المستثمرين، خصوصاً في ظل المخاوف المتعلقة بحجم الإنفاق المطلوب لمواصلة التوسع في مراكز البيانات وخدمات الذكاء الاصطناعي.
ويكشف هذا التباين عن مرحلة جديدة في تقييم شركات التكنولوجيا، إذ لم يعد المستثمرون يكتفون بنمو الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بل أصبحوا يراقبون أيضاً تكلفة تحقيق هذا النمو، ومستويات الديون، والتدفقات النقدية، وقدرة الشركات على تمويل استثمارات ضخمة لسنوات.
معادلة الأسواق
تضع جلسة الجمعة وول ستريت أمام ثلاث قوى متنافسة: التضخم، والفائدة، والذكاء الاصطناعي. فالتضخم المرتفع يضغط على المستهلكين والشركات، ورفع الفائدة يزيد تكلفة رأس المال، بينما تستمر طفرة التكنولوجيا في دعم أرباح وتقييمات عدد من أكبر الشركات المدرجة.
وفي الوقت نفسه، يبقى النفط المتغير الأكثر قدرة على قلب المعادلة سريعاً. فإذا استأنفت الأسعار صعودها بقوة نتيجة التوترات الجيوسياسية، فقد ترتفع توقعات التضخم والفائدة معاً، وهو سيناريو أقل راحة للأسهم. أما استمرار تراجع الخام، فقد يمنح مجلس الاحتياطي الاتحادي مساحة أكبر للتحرك من دون أن تخشى الأسواق انفلاتاً أكبر في أسعار الطاقة.
ولهذا لم تكن مكاسب الجمعة تعبيراً عن انتهاء المخاطر، بقدر ما كانت رهانا على إمكانية إدارة هذه المخاطر في الوقت الراهن.