تخطي إلى المحتوى الرئيسي

20‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬تهز‭ ‬صناديق‭ ‬تركيا

20‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬تهز‭ ‬صناديق‭ ‬تركيا

تحولت‭ ‬صناديق‭ ‬استثمار‭ ‬تركية‭ ‬كانت‭ ‬تحقق‭ ‬عوائد‭ ‬استثنائية‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬قطاع‭ ‬إدارة‭ ‬الأصول‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بعدما‭ ‬وجد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬455‭ ‬ألف‭ ‬مستثمر‭ ‬أنفسهم‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬استرداد‭ ‬أموالهم،‭ ‬وسط‭ ‬تحقيقات‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬شبيهة‭ ‬بمخططات‭ ‬‮«‬بونزي‮»‬‭ ‬وتلاعب‭ ‬محتمل‭ ‬بأسهم‭ ‬منخفضة‭ ‬السيولة‭.‬
وأعلنت‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬التركية‭ ‬تصفية‭ ‬صناديق‭ ‬أسهم‭ ‬وصناديق‭ ‬نقدية‭ ‬تبلغ‭ ‬قيمتها‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حجم‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬سيتمكن‭ ‬المستثمرون‭ ‬من‭ ‬استعادتها‭ ‬غير‭ ‬واضح‭.‬
وبحسب‭ ‬مجلس‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬التركي،‭ ‬احتُجزت‭ ‬أموال‭ ‬455758‭ ‬مستثمراً‭ ‬داخل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬130‭ ‬صندوقاً‭ ‬خضعت‭ ‬للتصفية،‭ ‬بعدما‭ ‬جذبت‭ ‬بعضها‭ ‬العملاء‭ ‬بعوائد‭ ‬تجاوزت‭ ‬100‭% ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يبحث‭ ‬فيها‭ ‬الأتراك‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬لحماية‭ ‬مدخراتهم‭ ‬من‭ ‬التضخم‭.‬
تتركز‭ ‬التحقيقات‭ ‬حول‭ ‬صناديق‭ ‬استثمرت‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬أسهم‭ ‬منخفضة‭ ‬السيولة‭ ‬ونسب‭ ‬التداول‭ ‬الحر،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬شبهات‭ ‬بشأن‭ ‬تضخيم‭ ‬قيم‭ ‬الأصول‭ ‬بصورة‭ ‬مصطنعة‭.‬
وقال‭ ‬أوركون‭ ‬ساكا،‭ ‬المحاضر‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬‮«‬سيتي‭ ‬سانت‭ ‬جورج‮»‬‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬إن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬العوائد‭ ‬المرتفعة‭ ‬كان‭ ‬‮«‬مصطنعاً‮»‬،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬شراء‭ ‬الصناديق‭ ‬نفسها‭ ‬لأسهم‭ ‬محدودة‭ ‬التداول‭ ‬كان‭ ‬يدفع‭ ‬أسعارها‭ ‬إلى‭ ‬الصعود،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يرفع‭ ‬القيمة‭ ‬المسجلة‭ ‬لأصول‭ ‬الصندوق‭.‬
وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الأسعار‭ ‬ترتفع‭ ‬وتدخل‭ ‬أموال‭ ‬جديدة،‭ ‬لكن‭ ‬انعكاس‭ ‬اتجاه‭ ‬السوق‭ ‬كشف‭ ‬هشاشة‭ ‬السيولة‭ ‬المتاحة‭ ‬عند‭ ‬محاولة‭ ‬المستثمرين‭ ‬الخروج‭.‬
وأدت‭ ‬تعديلات‭ ‬تنظيمية‭ ‬أُقرت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬أغسطس‭ ‬إلى‭ ‬تسارع‭ ‬الأزمة‭ ‬خلال‭ ‬سبتمبر،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعتقل‭ ‬السلطات‭ ‬التركية‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬تيرا‮»‬‭ ‬أمرة‭ ‬تيزمن،‭ ‬الذي‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬شخصية‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬القضية‭.‬
ومع‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬الأسهم،‭ ‬اضطرت‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬لتلبية‭ ‬طلبات‭ ‬الاسترداد،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬بضغوط‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬وهدد‭ ‬بدوامة‭ ‬من‭ ‬البيع‭ ‬والخسائر‭.‬

نزوح‭ ‬السيولة
تظهر‭ ‬البيانات‭ ‬حجم‭ ‬التحول‭ ‬المفاجئ‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المستثمرين‭. ‬فقد‭ ‬سُحب‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬مليار‭ ‬ليرة‭ ‬من‭ ‬صناديق‭ ‬الاستثمار‭ ‬التركية‭ ‬بين‭ ‬31‭ ‬أغسطس‭ ‬و23‭ ‬سبتمبر،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬منصتي‭ ‬‮«‬فونبول‮»‬‭ ‬و«فينتابلز‮»‬‭.‬
وتزامنت‭ ‬موجة‭ ‬السحب‭ ‬مع‭ ‬اضطرابات‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم،‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬سبتمبر‭ ‬أكبر‭ ‬هبوط‭ ‬يومي‭ ‬لها‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭. ‬وكان‭ ‬المستثمرون‭ ‬قد‭ ‬اندفعوا‭ ‬سابقاً‭ ‬نحو‭ ‬الصناديق‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬عائد‭ ‬يتجاوز‭ ‬ما‭ ‬توفره‭ ‬الودائع‭ ‬ويحمي‭ ‬مدخراتهم‭ ‬من‭ ‬التضخم،‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬متوسطه‭ ‬نحو‭ ‬50‭% ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الماضية‭.‬
لكن‭ ‬العوائد‭ ‬المرتفعة‭ ‬التي‭ ‬جذبت‭ ‬المستثمرين‭ ‬أصبحت‭ ‬لاحقاً‭ ‬مصدر‭ ‬الخطر‭ ‬نفسه،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعدما‭ ‬تعذر‭ ‬بيع‭ ‬بعض‭ ‬الأصول‭ ‬بالسرعة‭ ‬اللازمة‭ ‬لتوفير‭ ‬الأموال‭ ‬للراغبين‭ ‬في‭ ‬استرداد‭ ‬استثماراتهم‭.‬
وتكشف‭ ‬الأزمة‭ ‬مخاطر‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬القيمة‭ ‬المسجلة‭ ‬للأصل‭ ‬وقدرة‭ ‬السوق‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬عمليات‭ ‬بيعه،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬المحفظة‭ ‬مرتفعة‭ ‬القيمة‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬بينما‭ ‬يصبح‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬عند‭ ‬اندفاع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

مدخرات‭ ‬عالقة
تتجاوز‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬مدخرات‭ ‬شخصية‭ ‬خُصص‭ ‬بعضها‭ ‬للزواج‭ ‬وشراء‭ ‬المنازل‭. ‬فالمستثمر‭ ‬محمد‭ ‬كرفانجي‭ ‬ضخ‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬ليرة،‭ ‬تعادل‭ ‬قرابة‭ ‬51‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬صناديق‭ ‬الأسهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحاول‭ ‬البيع‭ ‬بعد‭ ‬أسبوعين‭ ‬فقط،‭ ‬لكنه‭ ‬وجد‭ ‬أوامر‭ ‬الاسترداد‭ ‬غير‭ ‬منفذة‭.‬
كما‭ ‬عجز‭ ‬مستثمر‭ ‬آخر‭ ‬عن‭ ‬تصفية‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬3‭ ‬مليون‭ ‬ليرة‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬صندوقين‭ ‬تابعين‭ ‬لـ«تيرا‮»‬،‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬يعتزم‭ ‬استخدام‭ ‬الأموال‭ ‬دفعة‭ ‬أولى‭ ‬لشراء‭ ‬منزل‭.‬
وفي‭ ‬حالة‭ ‬أخرى،‭ ‬حوّل‭ ‬إميل‭ ‬غورول‭ ‬أكيوز‭ ‬2‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬ليرة‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬إلى‭ ‬صندوقين‭ ‬تديرهما‭ ‬‮«‬تيرا‮»‬‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬أغسطس،‭ ‬بعدما‭ ‬جذبته‭ ‬المكاسب‭ ‬المتواصلة‭.‬
وتفاقمت‭ ‬المخاوف‭ ‬عندما‭ ‬أقرت‭ ‬‮«‬تيرا‮»‬‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬سبتمبر‭ ‬بعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬سداد‭ ‬مستحقات‭ ‬العملاء‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬الخروج،‭ ‬بينما‭ ‬قال‭ ‬مستثمر‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬صناديق‭ ‬تابعة‭ ‬لـ«بوسولا‮»‬‭ ‬إنه‭ ‬خسر‭ ‬نحو‭ ‬90%‭ ‬من‭ ‬استثماره‭ ‬الأصلي‭.‬
تضع‭ ‬الأزمة‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬التركية‭ ‬أمام‭ ‬تحديين‭ ‬متزامنين‭: ‬تحديد‭ ‬حجم‭ ‬الأموال‭ ‬القابلة‭ ‬للاسترداد،‭ ‬وفحص‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬لصناديق‭ ‬مرخصة‭ ‬بجذب‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬محدودة‭ ‬السيولة‭.‬
كما‭ ‬تكشف‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬العائد‭ ‬المرتفع‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬وحده‭ ‬جودة‭ ‬الاستثمار،‭ ‬إذ‭ ‬تصبح‭ ‬السيولة‭ ‬وقدرة‭ ‬الصندوق‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬طلبات‭ ‬الاسترداد‭ ‬عاملين‭ ‬حاسمين‭ ‬عند‭ ‬اضطراب‭ ‬الأسواق‭.‬
ومع‭ ‬وجود‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬455‭ ‬ألف‭ ‬مستثمر‭ ‬عالق‭ ‬ونحو‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬الصناديق‭ ‬الخاضعة‭ ‬للتصفية،‭ ‬ستتوقف‭ ‬التداعيات‭ ‬النهائية‭ ‬للأزمة‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الأصول‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬بيعها‭ ‬والأسعار‭ ‬التي‭ ‬ستتم‭ ‬بها‭ ‬عمليات‭ ‬التصفية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬التحقيقات‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬إدارة‭ ‬الأصول‭ ‬التركي‭.‬

رجوع لأعلى