3000 ميغاواط تربط كهرباء السعودية ومصر
دخل مشروع الربط الكهربائي بين السعودية ومصر مرحلته الأخيرة قبل التشغيل الرسمي، بعدما أكملت القاهرة الجزء الخاص بها من الأعمال، فيما تبقى تنفيذ جزء محدود من الأعمال والاختبارات الفنية على الجانب السعودي، في واحد من أكبر مشروعات تبادل الطاقة الكهربائية في المنطقة، بقدرة تصل إلى 3000 ميغاواط واستثمارات تقدر بنحو 1.8 مليار دولار.
وأعلن وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري محمود عصمت، خلال ندوة نظمتها الهيئة الوطنية للصحافة في القاهرة، اكتمال الأعمال المصرية بالمشروع، مشيراً إلى أن المتبقي يتمثل في جزء بسيط من الأعمال والاختبارات الفنية في الجانب السعودي.
ويأتي الإعلان بعدما وصلت التجارب الفنية والتشغيلية إلى مراحلها النهائية، فيما تعمل فرق التشغيل في البلدين على استكمال الاختبارات اللازمة لضمان جاهزية منظومة الربط والتنسيق بين الشبكتين قبل بدء التشغيل بكامل القدرة.
ويستهدف المشروع تعزيز أمن الطاقة ورفع موثوقية الشبكتين السعودية والمصرية، مستفيداً من اختلاف توقيت ذروة الطلب على الكهرباء بين البلدين، بما يسمح بتبادل الطاقة وتحسين إدارة الأحمال وتقليل الحاجة إلى تشغيل قدرات إضافية لتغطية فترات الاستهلاك المرتفع.
وتتمثل إحدى أهم المزايا الاقتصادية للمشروع في اختلاف ساعات الذروة بين السعودية ومصر، ما يتيح لكل دولة الاستفادة من القدرات المتاحة لدى الأخرى في الفترات التي يرتفع فيها الطلب المحلي.
وعند تشغيل المشروع بكامل طاقته، ستصل القدرة على تبادل الكهرباء إلى 3000 ميغاواط، ما يمنح مشغلي الشبكتين مرونة أكبر في إدارة الأحمال والتعامل مع الارتفاعات المفاجئة في الاستهلاك أو أي نقص في الإمدادات.
ولا يقتصر أثر المشروع على نقل الكهرباء بين البلدين، إذ يمثل الربط وسيلة لرفع كفاءة استخدام محطات التوليد القائمة، من خلال الاستفادة من فائض القدرة المتاح في إحدى الشبكتين لتلبية الطلب في الشبكة الأخرى بدلاً من الاحتفاظ بقدرات احتياطية كبيرة لا تستخدم إلا في ساعات الذروة.
كما يكتسب المشروع أهمية متزايدة مع توسع السعودية ومصر في مشروعات الطاقة المتجددة. فزيادة مساهمة الشمس والرياح في مزيج الكهرباء ترفع الحاجة إلى شبكات أكثر مرونة قادرة على استيعاب التغير في مستويات الإنتاج، فيما يسمح الربط بين شبكات كبيرة بتبادل الفائض وتحسين استقرار منظومة الكهرباء.
وتعود فكرة المشروع إلى عام 2012، قبل أن تتحول إلى أحد أكبر مشروعات البنية التحتية المشتركة بين البلدين. ويعتمد الربط على تقنية التيار المستمر عالي الجهد «HVDC» بجهد 500 كيلوفولت، وهي تقنية تستخدم لنقل كميات كبيرة من الكهرباء لمسافات طويلة بكفاءة مرتفعة.
ويربط المشروع محطة بدر في مصر بمحطتي شرق المدينة المنورة وتبوك في السعودية، بما ينشئ جسراً كهربائياً مباشراً بين أكبر شبكتين في المنطقة العربية.
ويمتد المشروع عبر شبكة من الخطوط الهوائية والكابلات البحرية بطول إجمالي يقارب 1350 كيلومتراً، تشمل كابلات تعبر خليج العقبة لربط جانبي المشروع.
وتعكس الاستثمارات المقدرة بنحو 1.8 مليار دولار حجم الأعمال الهندسية والتقنية المرتبطة بالمشروع، خصوصاً مع الحاجة إلى إنشاء محطات تحويل وخطوط نقل وكابلات بحرية وأنظمة تحكم قادرة على تنسيق تبادل الكهرباء بين الشبكتين.
وتعمل فرق التشغيل السعودية والمصرية حالياً على استكمال التجارب والاختبارات الفنية والتشغيلية اللازمة قبل بدء التشغيل الرسمي، بما يضمن جاهزية منظومتي الربط وقدرتهما على التعامل مع تدفقات الكهرباء المستهدفة.
ويأتي اكتمال الجانب المصري من الأعمال ليقرب المشروع من الانتقال من مرحلة الإنشاء والاختبارات إلى مرحلة التشغيل التجاري بكامل طاقته، بعد سنوات من تنفيذ البنية التحتية على جانبي البحر الأحمر.
ومن المنتظر أن يسهم الربط في تعزيز موثوقية إمدادات الكهرباء لدى البلدين، إذ يوفر مساراً إضافياً يمكن استخدامه في حالات الطوارئ أو ارتفاع الأحمال، فضلاً عن إتاحة تبادل الطاقة وفق الاحتياجات التشغيلية لكل شبكة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل النمو السكاني والاقتصادي والتوسع الصناعي والعمراني في البلدين، وما يرافقه من ارتفاع الطلب على الكهرباء والحاجة إلى استثمارات متواصلة في قدرات التوليد والنقل.
وتتجاوز أهمية الربط السعودي المصري حدوده الثنائية، إذ يمكن أن يتحول المشروع إلى إحدى الركائز الرئيسية لإنشاء شبكة كهرباء إقليمية أوسع تربط دول الخليج بالمشرق العربي وشمال أفريقيا، وتمتد مستقبلاً باتجاه أوروبا.
وتعمل مصر بالتوازي على مجموعة من مشروعات الربط الكهربائي مع دول المنطقة والقارة الأوروبية، أبرزها مشروعات الربط مع اليونان وقبرص، بما يسمح مستقبلاً بنقل الكهرباء المنتجة في المنطقة إلى الأسواق الأوروبية.
كما تشمل الخطط تطوير كابل بحري جديد مع الأردن، يمكن أن يدعم مستقبلاً نقل الكهرباء إلى العراق وسوريا ولبنان، إلى جانب خطط لزيادة قدرات الربط القائمة مع ليبيا والسودان والأردن.
ويمنح دخول السعودية إلى هذه الشبكة عبر المشروع الجديد ثقلاً إضافياً لمنظومة الربط الإقليمي، نظراً إلى حجم الشبكة السعودية والتوسع الكبير الذي تشهده المملكة في قدرات توليد الكهرباء ومشروعات الطاقة المتجددة.
كما يمكن لمشروعات الربط أن تلعب دوراً متزايداً في دعم تجارة الكهرباء مستقبلاً، بحيث تنتقل الطاقة بين الدول وفق الأسعار والطلب وفائض الإنتاج بدلاً من اقتصار وظيفة الشبكات على تلبية الاحتياجات المحلية.
ومع وصول المشروع السعودي المصري إلى مراحله الفنية الأخيرة، بات التشغيل الكامل لقدرة الـ3000 ميغاواط يمثل الخطوة الأهم التالية. ولا يقتصر أثر المشروع على إنشاء خط كهربائي بين بلدين، بل يؤسس لممر طاقة يمكن أن يربط شبكات الخليج بالشبكة المصرية ومنها إلى دول عربية وأوروبية، في وقت تتزايد فيه أهمية الربط الكهربائي كأداة لتعزيز أمن الطاقة واستيعاب التوسع في مصادر الطاقة المتجددة.