35 مليار دولار على محك الكهرباء
تواجه شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي اختباراً اقتصادياً متزايد التعقيد، بعدما كشفت أزمة تعاقدية بين مايكروسوفت وشركة «إنسكايل» البريطانية عن فجوة واسعة بين التقييمات السوقية الطموحة والقدرة الفعلية على تشغيل مراكز البيانات. فبينما تتسابق الشركات الناشئة لجذب مليارات الدولارات من المستثمرين، أصبحت الكهرباء والرقائق ومواعيد التسليم عوامل حاسمة في تحديد القيمة الحقيقية لهذه المشروعات، بعيداً عن الأرقام الضخمة للعقود المستقبلية.
وتستهدف «إنسكايل»، المتخصصة في خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي والمدعومة من «إنفيديا»، الإدراج في بورصة نيويورك بتقييم يبلغ 35 مليار دولار، غير أن إلغاء مايكروسوفت اتفاقاً لاستئجار قدرات حوسبة في أحد مراكزها بالمملكة المتحدة ألقى بظلاله على هذه الطموحات، وأعاد طرح تساؤلات بشأن قدرة الشركة على تحويل التعاقدات المعلنة إلى إيرادات فعلية.
وتكشف الواقعة عن تحدٍ أوسع يواجه صناعة الذكاء الاصطناعي، يتمثل في أن الطلب المتزايد على القدرات الحاسوبية لا يكفي وحده لضمان نجاح الاستثمارات، ما لم تتوافر البنية التحتية اللازمة لتشغيلها. فالمنافسة لم تعد مقتصرة على امتلاك أحدث المعالجات، وإنما امتدت إلى تأمين الكهرباء والأراضي والتمويل وسلاسل التوريد، ضمن جداول زمنية صارمة.
أزمة الكهرباء
جاء قرار مايكروسوفت بإلغاء الاتفاق المرتبط بمركز بيانات في منطقة إسيكس البريطانية بعدما تبين أن المشروع لن يحصل على الأرجح على إمدادات الكهرباء اللازمة قبل عام 2030، وهو تأخير يجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية ضمن المواعيد المستهدفة أمراً بالغ الصعوبة.
ورغم أن المركز يمثل جزءاً محدوداً من إجمالي تعاقدات مايكروسوفت مع «إنسكايل»، فإن تداعيات القرار تتجاوز قيمة الاتفاق الملغى، إذ تكشف عن مدى ارتباط استثمارات الحوسبة المتقدمة بتوافر الطاقة الكهربائية، وقدرة الشبكات المحلية على استيعاب الطلب المتزايد من مراكز البيانات.
وتبرز هذه الأزمة تحولاً مهماً في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت القدرة على الحصول على الكهرباء ميزة تنافسية قد تتفوق على حجم التمويل أو عدد العملاء. فالشركات التي تمتلك مواقع جاهزة للتشغيل واتفاقات موثوقة لتوريد الطاقة تستطيع تقديم التزامات أكثر واقعية، بينما تواجه المشروعات المتأخرة مخاطر فقدان العملاء قبل بدء التشغيل.
تعاقدات ضخمة
تستند جاذبية «إنسكايل» الاستثمارية إلى دفتر تعاقدات تتجاوز قيمته 100 مليار دولار، وهو رقم يعادل نحو 40 ضعف قيمة أعمالها النشطة حتى نهاية أغسطس، ويعكس حجم الطلب المستقبلي الذي تتوقع الشركة تلبيته خلال السنوات المقبلة.
لكن هذه التعاقدات لا تمثل إيرادات محققة أو تدفقات نقدية مضمونة، بل ترتبط بشروط تشغيلية وفنية وتمويلية يجب الوفاء بها قبل تحصيل قيمتها. ويعني ذلك أن ضخامة دفتر الطلبيات قد تعطي انطباعاً مبالغاً فيه عن قوة المركز المالي إذا لم تُقرأ إلى جانب المخاطر المرتبطة بالتنفيذ.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة في قطاع تتطلب مشروعاته إنفاقاً رأسمالياً هائلاً قبل تحقيق الإيرادات، إذ تحتاج الشركات إلى شراء المعالجات وتجهيز مراكز البيانات وتأمين الكهرباء والتبريد والاتصالات، بينما تظل قدرتها على استرداد الاستثمارات مرهونة ببدء التشغيل في المواعيد المحددة.
سباق المعالجات
تتطلب العقود المستقبلية للشركة نشر نحو 461 ألف وحدة معالجة رسومية، وهو عدد يقارب 20 ضعف الوحدات التي تمتلكها حالياً، ما يكشف حجم التوسع المطلوب خلال فترة زمنية محدودة.
ولا يقتصر التحدي على توفير هذه المعالجات، بل يشمل الحصول عليها بأسعار مناسبة، وتركيبها وتشغيلها بكفاءة، وضمان توافقها مع البنية التحتية للطاقة والتبريد. وأي اختلال في أحد هذه العناصر قد يؤدي إلى تأخير تشغيل القدرات الحاسوبية، وبالتالي تأجيل الاعتراف بالإيرادات المتوقعة.
وتواجه الشركات أيضاً مخاطر التقادم التكنولوجي، إذ تتطور رقائق الذكاء الاصطناعي بسرعة تجعل الأجيال الحالية أقل جاذبية اقتصادياً عند ظهور معالجات أحدث وأكثر كفاءة.
وتراهن «إنسكايل» ومنافساتها على إمكانية إعادة تأجير المعالجات القديمة لشركات أصغر أو لمستخدمين يحتاجون إلى قدرات حوسبة أقل تعقيداً، غير أن الجدوى التجارية لهذا النموذج لم تثبت بعد بصورة كافية، ما يضيف قدراً من عدم اليقين إلى حسابات العائد على الاستثمار.
تركز العملاء
تكشف هيكلية التعاقدات عن مصدر آخر للمخاطر، يتمثل في اعتماد الشركة بدرجة كبيرة على عدد محدود من العملاء، إذ تستحوذ مايكروسوفت و«أنثروبيك» معاً على ما يقارب 90 % من دفتر طلبياتها.
ويمنح هذا التركيز العملاء الرئيسيين نفوذاً تفاوضياً واسعاً، خصوصاً فيما يتعلق بمواعيد التسليم وشروط الإلغاء والتعويضات. كما يجعل الأداء المالي المستقبلي للشركة أكثر حساسية لأي تغيير في الخطط الاستثمارية لهؤلاء العملاء.
وتتضمن اتفاقات «أنثروبيك» هامشاً محدوداً للإعفاء من المسؤولية عن تأخيرات سلاسل التوريد، فضلاً عن جداول تنفيذ مرحلية تتيح إنهاء التعاقدات عند عدم الالتزام بمواعيد محددة.
أما بعض الاتفاقات الأخرى، فتقوم على توفير الخدمات عند الطلب، ما يعني أن قيمتها المستقبلية ليست مضمونة بالكامل. وتفرض هذه الشروط على المستثمرين التمييز بين الإيرادات المتعاقد عليها نظرياً والإيرادات التي يرجح تحقيقها فعلياً، مع مراعاة احتمالات التأخير والإلغاء.
فجوة التقييم
تثير الأرقام المالية للشركة تساؤلات جوهرية بشأن التقييم المستهدف للطرح العام، بعدما بلغت إيراداتها 141 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، وهو مستوى محدود مقارنة بالقيمة السوقية التي تسعى إلى تحقيقها.
وحتى مع افتراض استمرار النمو الاستثنائي المسجل خلال النصف الأول، بما يرفع الإيرادات السنوية إلى نحو 420 مليون دولار، فإن تقييم الشركة عند 35 مليار دولار يعني مضاعفاً يتجاوز 83 مرة للإيرادات السنوية المفترضة.
ويمثل هذا المستوى رهاناً كبيراً على قدرة الشركة على تحقيق توسع سريع ومستدام، وتحويل التعاقدات المستقبلية إلى تدفقات نقدية تكفي لتغطية الإنفاق الرأسمالي والتكاليف التمويلية.
وبالمقارنة مع شركة «نيبيوس» المنافسة، يشير تطبيق مضاعف تقييم مماثل إلى قيمة تزيد قليلاً على 6 مليارات دولار، وهو فارق كبير عن الطموحات المعلنة. ويعكس هذا التباين مدى حساسية تقييمات الشركات الناشئة للافتراضات المتعلقة بالنمو والتنفيذ والربحية.
ضغوط المنافسة
تقدم تجربة «كور ويف» الأميركية مؤشراً إضافياً على تقلب شهية المستثمرين تجاه شركات الحوسبة السحابية المتخصصة، بعدما فقدت أسهمها نصف قيمتها خلال الأشهر الستة الماضية، وفق المعطيات الواردة في المادة، ويعكس هذا التراجع مخاطر المراهنة على نمو الإيرادات وحده، في صناعة تتطلب استثمارات ضخمة وتواجه تغيرات تكنولوجية سريعة وضغوطاً متواصلة على التمويل.
كما أن ارتفاع تكاليف رأس المال قد يزيد صعوبة التوسع، خصوصاً عندما تتأخر المشروعات عن بدء التشغيل بينما تستمر الالتزامات المالية المرتبطة بالمعدات والبنية التحتية.
وفي المقابل، قد تستفيد الشركات الكبرى التي تمتلك مراكز بيانات جاهزة أو قدرة مالية وتنظيمية أعلى على تأمين الكهرباء والمعدات، من انتقال الطلب إليها عندما يعجز المنافسون الأصغر عن تنفيذ تعاقداتهم في المواعيد المحددة.
إعادة التسعير
تضع هذه التطورات المستثمرين أمام ضرورة إعادة تقييم شركات الحوسبة السحابية وفق معايير تتجاوز حجم العقود المعلنة، لتشمل القدرة التشغيلية الفعلية وجودة العملاء وشروط الإلغاء والتدفقات النقدية المتوقعة.
كما تصبح القدرة على تأمين الطاقة الكهربائية والبنية التحتية في الوقت المناسب مؤشراً أساسياً لقياس الجدوى الاقتصادية، إلى جانب كفاءة استخدام المعالجات والعمر التجاري المتوقع لها.
وقد تؤدي هذه المعايير إلى اتساع الفجوة بين الشركات التي تمتلك مشروعات جاهزة للتشغيل وتلك التي تعتمد على خطط توسع طويلة الأجل، بما يعيد توزيع الفرص الاستثمارية داخل القطاع.