42 % من معرفة الموظفين مهددة بالرحيل
لا تخسر الشركات عند تقاعد موظفيها المخضرمين مجرد أشخاص يشغلون مناصب إدارية أو فنية، بل قد تفقد معهم سنوات طويلة من المعرفة المتراكمة والعلاقات والخبرات التي يصعب نقلها إلى البدلاء، لتتحول المغادرة التي تبدو طبيعية ومتوقعة إلى تكلفة خفية قد تظهر لاحقاً في صورة قرارات أضعف ومشروعات متأخرة وأخطاء تشغيلية ونفقات إضافية.
وتقدم تجربة «ديزني» مثالاً لافتاً على أهمية الخبرة القيادية، بعدما تقاعد بوب إيجر من الشركة في ديسمبر 2021 وسلم منصب الرئيس التنفيذي إلى بوب تشابك، قبل أن يعيده مجلس الإدارة إلى قيادة المجموعة في نوفمبر 2022، بعد نحو 11 شهراً من مغادرته النهائية.
وبررت رئيسة مجلس الإدارة آنذاك سوزان أرنولد القرار بأن إيجر مؤهل بصورة استثنائية لقيادة «ديزني» خلال مرحلة التحول. وقبل عودته، كانت الشركة قد كشفت عن خسائر تشغيلية بنحو 1.47 مليار دولار في قطاع الخدمات المباشرة للمستهلك، الذي يضم أنشطة البث، خلال الربع المالي الرابع من 2022.
أصول خفية
تتجاوز قيمة الشركات اليوم المصانع والمباني والمعدات والأموال التي تظهر في ميزانياتها، إذ أصبحت الأصول غير الملموسة، بما فيها العلامات التجارية والتقنيات والملكية الفكرية والمعرفة والخبرات البشرية، تمثل الجزء الأكبر من قيمتها السوقية.
وبحسب دراسة «أوشن تومو» لتقييم الأصول غير الملموسة، شكلت هذه الأصول نحو 92 % من القيمة السوقية لشركات مؤشر «إس آند بي 500» بنهاية 2025، مقارنة بنحو 17 % فقط في 1975، وهو تحول يكشف مدى اعتماد الشركات الحديثة على المعرفة أكثر من اعتمادها على الأصول المادية التقليدية.
وتزداد المشكلة عندما تكون هذه المعرفة محصورة في عدد محدود من الأشخاص، إذ قدر مسح أجرته «بانوبتو» وشمل 1001 موظف أمريكي أن 42 % من المعرفة المرتبطة بالوظيفة تكون فريدة لدى صاحبها ولا يشاركها معه زملاؤه.
وتدعم الدراسات الأكاديمية خطورة هذا الاعتماد. فقد وجدت دراسة منشورة عام 2025 أن فقدان موظف انضم إلى شركة ناشئة خلال السنة الأولى من تأسيسها يؤدي إلى انخفاض التوظيف والإيرادات، وقد يستمر الأثر لمدة عقد على الأقل، بينما يكون تأثير فقدان الموظفين الذين انضموا لاحقاً أقل وأقصر زمناً.
ويفسر الباحثون ذلك بأن الموظفين الأوائل يراكمون معرفة تنظيمية مرتبطة بكيفية بناء الشركة واتخاذ القرارات وحل المشكلات، وهي خبرة لا يمكن تعويضها بمجرد تعيين شخص جديد في الوظيفة نفسها.
فاتورة المغادرة
غالباً لا يظهر فقدان المعرفة كبند مستقل في القوائم المالية، بل تتوزع تكلفته بين تأخر المشروعات وتكرار الأخطاء وتدريب الموظفين الجدد والاستعانة بالمستشارين وتراجع الكفاءة التشغيلية.
وتقدم أزمة «بوينج» في التسعينيات مثالاً بارزاً، بعدما أتاحت الشركة التقاعد المبكر لنحو 9 آلاف موظف مخضرم خلال فترة تباطؤ الأعمال، قبل أن تواجه لاحقاً زيادة غير متوقعة في طلبات شراء الطائرات التجارية.
وعندما حاولت زيادة الإنتاج، ساهم فقدان خبرات الموظفين السابقين وقلة خبرة البدلاء في اضطراب عمليات التجميع، وفي أكتوبر 1997 أعلنت الشركة وقف خطي إنتاج طرازي «737» و«747» لمدة تقارب شهراً لإعادة تنظيم العمل.
كما أعلنت «بوينج» أعباء متوقعة بقيمة 1.6 مليار دولار خلال الربع الثالث مرتبطة بمعالجة اضطرابات الإنتاج وتأخر عمليات التسليم. ولم تكن خسارة الخبرة السبب الوحيد، إذ واجهت الشركة أيضاً نقصاً في المواد الخام وقطع الغيار وصعوبات في دمج آلاف الموظفين الجدد، لكنها كانت عاملاً رئيسياً في الأزمة.
استعادة الخبرات
دفعت هذه المخاطر بعض الشركات إلى البحث عن طرق للاحتفاظ بخبرات موظفيها حتى بعد التقاعد. ففي 1999 أنشأت «بوش» الألمانية برنامجاً لإعادة توظيف متقاعديها في مهمات استشارية ومشروعات مؤقتة، وبدأت التجربة بـ30 موظفاً سابقاً.
وبحلول 2024، تجاوز عدد الخبراء المتاحين عبر البرنامج 2600 خبير حول العالم، قدموا نحو 56 ألف يوم عمل خلال العام، فيما بلغت نسبة رضا الجهات المستفيدة من خدماتهم 94 %.
وتلجأ «بوش» إلى هؤلاء الخبراء عندما تحتاج إلى معرفة أو مهارة لم تعد متوافرة داخل فرقها، كما تتيح مشاركتهم نقل الخبرة إلى الموظفين الأصغر سناً بدلاً من خروج المعرفة نهائياً من المؤسسة.
البديل يرفع كلفة التقاعد
تكشف الأرقام أن إعداد البدلاء ليس سريعاً أو رخيصاً، إذ بلغ متوسط إنفاق المؤسسات الأمريكية المشمولة في أحد مسوح التدريب خلال 2025 نحو 874 دولاراً لكل متعلم سنوياً، ارتفاعاً من 774 دولاراً في العام السابق، وهو متوسط للتدريب عموماً ولا يعكس التكلفة الكاملة لإعداد القيادات.
ورغم أن 75 % من المؤسسات تعطي الأولوية للترقية الداخلية، فإن موظفيها يستطيعون شغل 49 % فقط في المتوسط من المناصب الرئيسية فوراً، ما يترك فجوة كبيرة عندما يغادر أصحاب المناصب الحساسة.
أما اللجوء إلى الخارج فيحمل تكلفة أكبر، إذ بلغ متوسط تكلفة توظيف شخص في منصب تنفيذي نحو 35.9 ألف دولار في 2025، مقابل 5.4 آلاف دولار للوظائف غير التنفيذية.