600 مليار إسترليني خارج الاستثمار البريطاني
تواجه بريطانيا فجوة كبيرة في الاستثمار الفردي، في وقت يحتفظ فيه ملايين الأشخاص بمدخراتهم في صورة نقدية بدلاً من توجيهها إلى الأصول الاستثمارية، ما يعرض قيمة هذه الأموال للتآكل بفعل التضخم ويحرم أصحابها من فرص بناء الثروة على المدى الطويل.
وتشير بعض التقديرات إلى وجود أكثر من 600 مليار إسترليني في صورة «سيولة نقدية فائضة» كان من الممكن استثمار جزء كبير منها، وهو رقم يعكس حجم الأموال التي تبقى خارج أسواق رأس المال.
ولا تمثل هذه الظاهرة مشكلة للأفراد فقط، وإنما تمتد آثارها إلى الاقتصاد البريطاني، إذ تعد أسواق رأس المال العميقة والسائلة أحد أهم مصادر تمويل الشركات والاستثمار والنمو. وكلما ارتفعت مشاركة الأسر في الاستثمار، زادت قدرة المدخرات المحلية على الوصول إلى الشركات والمشروعات المنتجة.
مدخرات خاملة
يؤدي الاحتفاظ بالنقد لفترات طويلة إلى مخاطر لا يدركها بعض المدخرين، وفي مقدمتها التضخم الذي يخفض القوة الشرائية للأموال تدريجياً. وبينما ينظر كثيرون إلى النقد باعتباره أكثر أماناً من الاستثمار، فإن بقاء العائد أقل من معدل التضخم يعني خسارة حقيقية في قيمة المدخرات بمرور الوقت.
ولا يوجد حل واحد قادر على تغيير هذا السلوك. فالمستثمرون يحتاجون إلى منتجات مالية أبسط وأكثر فائدة وسهولة في الاستخدام، إلى جانب توسيع نطاق التوعية والإرشاد المالي حتى يتمكن عدد أكبر من البريطانيين من اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة.
كما يقع على المؤسسات المالية دور في جعل الانتقال من الادخار النقدي إلى الاستثمار أكثر سهولة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يمتلكون خبرة كبيرة في الأسواق.
وفي المقابل، تستطيع الحكومة دعم ثقافة الاستثمار من خلال سياسات مستقرة وقواعد تنظيمية تشجع النمو وهيكل ضريبي يوفر حوافز مناسبة لتوجيه المدخرات نحو الأصول المنتجة.
تناقض ضريبي
تظهر المشكلة عندما تتعارض السياسات الضريبية مع الهدف المعلن بزيادة الاستثمار. وتثير المقترحات المتعلقة برفع معدلات ضريبة أرباح رأس المال تساؤلات بشأن مدى اتساقها مع جهود الحكومة لبناء ثقافة استثمارية أقوى.
فالقاعدة الاقتصادية الأساسية تشير إلى أن زيادة الضريبة على نشاط معين تقلل الحافز لممارسته. وإذا كانت الحكومة تريد تشجيع البريطانيين على الانتقال من النقد إلى الاستثمار، فإن زيادة الضرائب المفروضة على العوائد المحتملة قد تدفع في الاتجاه المعاكس.
ويزداد الجدل مع طرح إمكانية جعل معدلات ضريبة أرباح رأس المال أقرب إلى معدلات ضريبة الدخل، إذ يتجاهل ذلك اختلافاً أساسياً بين الراتب والعائد الاستثماري.
فالراتب يحصل عليه الفرد بصورة منتظمة مقابل عمل يؤديه، بينما لا يوجد ضمان بأن يحقق المستثمر أرباحاً. وقد يخسر جزءاً من رأس المال أو كله، كما قد ينتظر سنوات قبل الحصول على عائد مناسب.
مخاطر مختلفة
يضخ المستثمر عادة أموالاً سبق أن خضعت للضريبة، ثم يقبل تعريضها لمخاطر السوق بحثاً عن عائد مستقبلي غير مضمون. ولهذا فإن معاملة عوائد الاستثمار بالطريقة نفسها التي يعامل بها الدخل الناتج عن العمل تثير إشكالية اقتصادية تتعلق بالمخاطر.
ويظهر أثر الضرائب بصورة أوضح عند حساب العائد الذي يحتفظ به المستثمر فعلياً. فإذا استثمر شخص 100 ألف إسترليني خارج حساب يتمتع بمزايا ضريبية، وحقق عائداً بنسبة 10 % خلال عام، فإنه يسجل ربحاً قدره 10 آلاف إسترليني.
وبافتراض استنفاد الإعفاء السنوي البالغ 3 آلاف إسترليني من أرباح رأس المال، فإن إخضاع الربح لضريبة قدرها 24 % يترك للمستثمر، وفق المثال المطروح، نحو 7600 إسترليني.
أما إذا ارتفع معدل الضريبة إلى 45 %، فلن يتبقى له سوى 5500 إسترليني. وبالتالي فإن زيادة معدل الضريبة 21 نقطة مئوية تؤدي إلى خفض العائد الذي يحتفظ به المستثمر بعد الضريبة بنحو 28%.
حسابات المستثمرين
مثل هذا التراجع في العائد الصافي قد يغير حسابات المخاطر والعوائد لدى الأسر، خصوصاً أن البريطانيين يتسمون بالفعل بالحذر تجاه الاستثمار.
وأظهرت استطلاعات أن المستهلكين البريطانيين قد يبالغون بما يصل إلى سبعة أضعاف في تقدير احتمال خسارة أموالهم نتيجة الاستثمار على مدى عشر سنوات، وهو ما يكشف وجود فجوة كبيرة بين المخاطر الفعلية والمتصورة لدى شريحة من المدخرين.
وبالنسبة إلى الأسر المترددة أصلاً، فإن انخفاض نسبة الأرباح التي يمكن الاحتفاظ بها بعد الضرائب قد يصبح سبباً إضافياً لترك الأموال نقداً، حتى لو كانت قيمتها الحقيقية تتآكل بفعل التضخم.
تمويل الشركات
لا تقتصر التداعيات المحتملة لرفع ضريبة أرباح رأس المال على المستثمرين الأفراد والأسواق العامة، وإنما تمتد إلى الشركات الخاصة ورواد الأعمال الذين يعتمدون بدرجات متفاوتة على رؤوس الأموال الخارجية لتمويل التوسع.
فالمستثمر الخاص يوازن بين المخاطر الكبيرة التي يتحملها عند تمويل شركة ناشئة أو مشروع في مرحلة النمو وبين العائد المتوقع إذا نجح الاستثمار. وكلما تقلص العائد الصافي بسبب الضرائب، تراجعت جاذبية ضخ الأموال في المشروعات الأكثر مخاطرة.
ومن شأن ذلك أن يقلل استعداد المستثمرين وقدرتهم على توفير رأس المال للشركات البريطانية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى زيادة الاستثمار المنتج لدعم النمو الاقتصادي.
إصلاح متوازن
تحتاج بريطانيا، وفق هذا الطرح، إلى نظام لضريبة أرباح رأس المال يتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية ويوازن بين حاجة الدولة إلى الإيرادات وبين ضرورة الحفاظ على الحوافز التي تشجع الاستثمار.
فمن الصعب مطالبة الأسر باستثمار مزيد من مدخراتها، ورواد الأعمال بتحمل مخاطر أكبر، والمستثمرين بتمويل الشركات النامية، بينما تزيد الحكومة في الوقت نفسه حصتها من العوائد التي يحصلون عليها مقابل تلك المخاطر.
ولذلك ينبغي لأي إصلاح ضريبي أن ينظر إلى مدة الاحتفاظ بالاستثمارات وتأثير التضخم والإعفاءات المتاحة، بدلاً من التركيز فقط على المعدل الاسمي للضريبة.
كما يجب دراسة العلاقة بين ضريبة أرباح رأس المال وحسابات الادخار الفردية المعفاة من الضرائب «ISAs»، ومعاشات التقاعد وحسابات الاستثمار العامة، بما يضمن ألا تؤدي التغييرات إلى تشوهات تدفع المدخرين إلى اتخاذ قرارات لأسباب ضريبية بدلاً من اعتبارات استثمارية.
ثقة مفقودة
إلى جانب الضرائب نفسها، تلعب استمرارية القواعد دوراً محورياً في قرارات المستثمرين. فرأس المال يميل إلى البيئات التي توفر قدراً مرتفعاً من الوضوح والقدرة على توقع السياسات المستقبلية.
وعندما تتكرر التكهنات بشأن تغييرات كبيرة في ضريبة أرباح رأس المال أو معاشات التقاعد أو حسابات الادخار الفردية، يصبح لدى المستثمر سبب إضافي للانتظار بدلاً من الالتزام باستثمار طويل الأجل.
وهذه النتيجة تتعارض مع حاجة بريطانيا إلى دفع المواطنين نحو التخطيط والاستثمار وبناء الثروة بمرور الوقت. فقرار الاستثمار يتطلب بطبيعته الثقة في أن القواعد الأساسية لن تتغير بصورة مفاجئة بعد ضخ رأس المال.
الاستثمار والنمو
ترتبط القضية في النهاية بمشكلة أوسع تتعلق بالنمو البريطاني. فتحويل جزء من مئات المليارات الموجودة في صورة سيولة فائضة إلى استثمارات منتجة يمكن أن يوسع قاعدة المستثمرين ويوفر للشركات مصادر تمويل إضافية.
ولا يعني ذلك دفع الأسر إلى تحمل مخاطر غير مناسبة، بل توفير المعرفة والأدوات والحوافز التي تسمح لمن يمتلكون مدخرات فائضة باتخاذ قرارات أكثر كفاءة على المدى الطويل.
ومن هنا تصبح السياسات الحكومية عاملاً حاسماً. فإذا كان الهدف المعلن هو زيادة الاستثمار الفردي وتحفيز النمو، فينبغي تقييم أي تعديل ضريبي أو تنظيمي وفق تأثيره في قدرة المواطنين على الاستثمار وفي تدفق رؤوس الأموال إلى الاقتصاد الحقيقي.