77 مليون دولار للرحلة.. الشحن يُلهب كلفة النفط
سجلت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل الخام من الولايات المتحدة إلى آسيا مستوى قياسياً بلغ 77 مليون دولار للرحلة، في قفزة تعكس حجم الضغوط التي فرضتها حرب إيران على حركة الشحن العالمية، وتضيف عبئاً ثقيلاً إلى فاتورة شراء النفط، في وقت لا تزال فيه تدفقات الإمدادات ومسارات نقلها تعاني تداعيات الصراع.
وكشفت بيانات بورصة البلطيق، التي نقلتها بلومبرغ، أن تكلفة الرحلة تجاوزت ثمانية أمثال متوسطها البالغ 9.2 مليون دولار خلال عام 2025، بزيادة تزيد على 730 %، بعدما أدى اضطراب طرق الملاحة وإطالة رحلات الناقلات إلى تقليص السفن المتاحة، ودفع أسعار الشحن إلى مستويات غير مسبوقة على هذا المسار.
وعلى أساس حمولة نموذجية تبلغ مليوني برميل، تضيف أجور النقل وحدها نحو 38.50 دولار إلى تكلفة البرميل، أي قرابة 39 دولاراً فوق سعر الخام نفسه. ويبرز هذا الرقم اتساع الفجوة بين الأسعار المتداولة في أسواق النفط والتكلفة التي يتحملها المشتري لتوصيل الشحنة، خصوصاً مع تزامن ارتفاع أجور الناقلات مع قفزة أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.
فاتورة تتجاوز سعر الخام
وأظهرت الأرقام أن تكلفة الرحلة ارتفعت بنحو 67.8 مليون دولار مقارنة بمتوسط عام 2025، وهو فارق يوضح حجم التحول الذي طرأ على اقتصاديات نقل النفط بين الولايات المتحدة وآسيا. فالشحنة التي كان نقلها يتطلب أقل من عشرة ملايين دولار، أصبحت تحتاج إلى عشرات الملايين الإضافية للوصول إلى وجهتها.
وباحتساب تكلفة النقل على الحمولة نفسها، كان متوسط عام 2025 يعادل نحو 4.60 دولارات للبرميل، مقابل 38.50 دولار حالياً، بزيادة تقارب 33.90 دولار لكل برميل. وهذه المقارنة تخص أجور الرحلة وحدها، لكنها توضح كيف أصبح الشحن عنصراً أكبر بكثير في حساب التكلفة النهائية للخام لدى المشترين.
وتأتي هذه الأعباء فوق أسعار النفط القياسية المتداولة عند نحو 100 دولار للبرميل، إذ لا تشمل تلك الأسعار نفقات نقل الخام إلى المشتري. ولذلك، فإن متابعة سعر البرميل وحده لم تعد كافية لتقدير تكلفة توفير الإمدادات، بعدما باتت أجور النقل تستحوذ على حصة كبيرة من فاتورة الشراء، وتفرض ضغوطاً إضافية على التجار وشركات التكرير.
ضغوط على التجار والمصافي
ويضع الارتفاع الحاد في تكلفة الشحن تجار النفط وشركات التكرير أمام حسابات أكثر صعوبة، إذ ترتبط جدوى شراء الشحنة بسعرها عند المصدر، إلى جانب تكلفة نقلها والوقت اللازم لتسليمها. ومع القفزة الحالية، تتسع أهمية هذه العوامل في تحديد التكلفة الفعلية، خصوصاً للشحنات التي تقطع مسافات طويلة قبل وصولها إلى الأسواق الآسيوية.
فالزيادة المسجلة لا تتعلق بارتفاع سعر الخام ذاته، وإنما بالمبالغ اللازمة لتحريكه بين مناطق الإنتاج والاستهلاك. وهذا يعني أن الضغوط على مشتري النفط تأتي من أكثر من جهة في الوقت نفسه، مع ارتفاع أسعار الخام، وزيادة نفقات الشحن، وتعقّد مسارات الملاحة التي تعتمد عليها حركة التجارة النفطية العالمية.
كما أن امتداد الرحلات يضيف صعوبة أخرى إلى جانب العبء المالي، إذ تبقى الناقلة مرتبطة بالشحنة مدة أطول قبل أن تصبح متاحة لرحلة جديدة. وبذلك، تتداخل تكلفة النقل مع محدودية السفن، لتزداد الضغوط على سلسلة الإمدادات حتى مع بدء تحسن كميات النفط المتدفقة من بعض مناطق الإنتاج.
خصومات عند التصدير
ولم تقتصر تداعيات ارتفاع أجور النقل على المشترين، إذ امتدت إلى مصدّري الخام الذين يواجهون بدورهم ضغوطاً للحفاظ على تنافسية شحناتهم. ووفقاً للتقرير، اضطر بعض البائعين في أسواق مثل غرب إفريقيا إلى تقديم خصومات على النفط عند نقطة التصدير، لتعويض جانب من ارتفاع تكلفة شحنه إلى الأسواق المستوردة.
وتوضح هذه الخصومات أن قفزة النقل يمكن أن تعيد توزيع الأعباء بين أطراف الصفقة، بدلاً من بقائها بالكامل على عاتق المشتري. فكلما ارتفعت تكلفة توصيل الشحنة، ازدادت الضغوط على سعر بيعها عند المصدر، خصوصاً عندما يقارن المستورد بين خامات مختلفة على أساس التكلفة الإجمالية بعد إضافة الشحن.
وبذلك، يواجه بعض المصدّرين واقعاً لا تعكسه الأسعار القياسية وحدها؛ فارتفاع سعر النفط في السوق لا يلغي أثر الخصومات اللازمة لتسويق الشحنات. وتصبح المسافة بين ميناء التحميل ووجهة التسليم، ومدى توافر الناقلات، عاملين مؤثرين في قدرة البائع على الاحتفاظ بجاذبية عرضه، وفي الإيراد الذي يحصل عليه من بيع الخام.
التأمين يزيد الأعباء
وبالتوازي مع ارتفاع أجور الناقلات، شهدت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة لمضيق هرمز قفزة حادة منذ اندلاع الصراع، ما أضاف عبئاً آخر على عمليات النقل في المنطقة. ويعكس هذا الارتفاع المخاطر التي باتت شركات التأمين تضعها في حساباتها عند تغطية السفن التي تمر عبر المضيق.
وقال المؤسس وكبير المستشارين في شركة «سيكورو غروب» العالمية لإدارة المخاطر، سكوت ويلكوكس، في تصريحات خاصة لفوربس الشرق الأوسط في أغسطس، إن أقساط التأمين ارتفعت من نحو 0.2 % إلى 1 % من قيمة هيكل السفينة، أي إلى خمسة أمثال مستواها السابق.
وبالنسبة إلى ناقلة نفط خام عملاقة تبلغ قيمتها 150 مليون دولار، ارتفعت تكلفة التأمين من 300 ألف دولار إلى 1.5 مليون دولار لكل رحلة عبور، بزيادة 1.2 مليون دولار. وتكشف هذه المقارنة مدى سرعة تضخم النفقات المرتبطة بالمخاطر، بعيداً عن قيمة النفط الذي تحمله السفينة أو أجرة استئجارها.
تعطيل بلا إغلاق رسمي
وأوضح ويلكوكس أن ما يحدث يعد «حصاراً فعلياً من دون إغلاق رسمي»، مشيراً إلى أن سحب التغطية التأمينية حال دون إبحار السفن وعطّل حركة الشحنات، حتى في غياب حصار مادي للمضيق. وهو ما يبرز الدور الحاسم للتأمين في استمرار الملاحة، إلى جانب الظروف الأمنية المباشرة على طرق العبور.
فإتاحة الممر الملاحي لا تعني بالضرورة قدرة السفن على استخدامه بالصورة المعتادة، إذا تعذر الحصول على التغطية التأمينية اللازمة. ومن هنا، يمتد أثر المخاطر إلى قرارات الإبحار وتوقيتات التسليم، ولا يتوقف عند قيمة القسط الإضافي الذي يتعين دفعه لتأمين السفينة خلال الرحلة.
وحذر ويلكوكس أيضاً من استمرار تكاليف التأمين عند مستويات مرتفعة حتى بعد انتهاء الصراع، مع إعادة شركات التأمين تقييم مخاطر الملاحة في الخليج والبحر الأحمر. وتضع هذه التقديرات احتمالات التعافي السريع أمام قيود إضافية، إذ قد تستمر الأعباء المرتبطة بالتغطية التأمينية بعد تحسن الظروف الأمنية وانحسار الاضطرابات المباشرة.
رحلات أطول وسفن أقل
وتسببت حرب إيران في اضطراب عمليات ناقلات النفط على مستوى العالم، وفرضت تغييرات على مسارات الشحن المعتادة، كما أطالت فترات تسليم شحنات الخام المغادرة من الشرق الأوسط. وامتدت آثار هذه التغييرات إلى توافر السفن، بعدما أصبحت بعض الرحلات تستغرق وقتاً أطول مما كانت تحتاج إليه قبل الصراع.
ورغم بدء تعافي تدفقات النفط من المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، لا تزال عمليات نقله أكثر تعقيداً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. فزيادة الكميات المتاحة للتصدير لا تعالج وحدها مشكلة الشحن، ما دامت الناقلات تحتاج إلى مدد أطول لإتمام رحلاتها والعودة إلى الخدمة في شحنات جديدة.
وفي ظل محدودية طاقة أسطول الناقلات، تؤدي الرحلات الأطول إلى تقليص عدد السفن المتاحة فعلياً، حتى من دون انخفاض العدد الإجمالي للأسطول. وهذا الضغط على الطاقة التشغيلية يدعم ارتفاع أجور النقل، ويجعل تحسن الإمدادات النفطية مرتبطاً أيضاً بقدرة منظومة الشحن على استيعابها وتوصيلها إلى المشترين.
برنت تحت الضغط
وفي موازاة اضطرابات الشحن، رفعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية توقعاتها لمتوسط سعر خام برنت خلال عام 2026 إلى 98 دولاراً للبرميل، بزيادة 8 % على تقديراتها السابقة، في ظل تراجع المخزونات العالمية، وشح إمدادات الديزل، واستمرار الاضطراب في تدفقات النفط القادمة من الشرق الأوسط.
كما توقعت الإدارة أن يبلغ متوسط سعر برنت 105 دولارات للبرميل خلال الربع الرابع، بزيادة قدرها 14 دولاراً عن توقعاتها السابقة. وتشير هذه المراجعة إلى استمرار الضغوط على السوق خلال الأشهر الأخيرة من العام، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة نقل الخام وتعقّد حركة الإمدادات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
وتجمع السوق بذلك بين ضغوط تتعلق بتوافر النفط والمخزونات، وأخرى تخص تكلفة نقله والوصول إليه. وبالنسبة إلى المشترين، فإن ارتفاع السعر المتوقع لبرنت يتزامن مع بيئة شحن مرتفعة التكلفة، ما يزيد أهمية احتساب الفاتورة الكاملة للشحنة، بدلاً من الاكتفاء بتغيرات أسعار الخام المرجعية.