80 % من طروحات ابتكارات بريطانيا تهاجر للخارج
تتمتع بريطانيا بقدرة لافتة على إنتاج الأفكار والمعرفة وتقديم المشورة إلى الآخرين، لكنها تواجه مفارقة اقتصادية تتمثل في ضعف قدرتها على تحويل كثير من هذه المزايا إلى شركات ومنتجات واستثمارات تنمو داخل البلاد، ما يجعل جزءاً مهماً من القيمة التي تصنعها العقول البريطانية ينتقل إلى اقتصادات أخرى.
وتظهر هذه المفارقة في قطاعات تمتلك فيها المملكة المتحدة نقاط قوة عالمية، من الخدمات المهنية والجامعات والبحث العلمي إلى ريادة الأعمال والتكنولوجيا، لكن ضعف الإدارة والبنية الصناعية ونقص التمويل في مراحل النمو وارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال تحول جميعها دون استثمار هذه القدرات محلياً بالقدر نفسه الذي يستفيد منه العالم منها.
خدمات عالمية
تمثل الخدمات المهنية أحد أبرز الأمثلة على هذا التناقض، إذ تعد المملكة المتحدة ثاني أكبر مصدر لخدمات الأعمال في العالم، وتقدم شركاتها المشورة إلى مجالس إدارات ومؤسسات دولية بشأن الإدارة والاستراتيجيات وكيفية تحسين أداء الشركات.
لكن هذه الخبرات لا تنعكس بالكامل على أداء المؤسسات البريطانية نفسها. فالدراسات تشير إلى أن الشركات في المملكة المتحدة تطبق، في المتوسط، ممارسات إدارية أضعف من نظيراتها في الاقتصادات المماثلة، وهو عامل يسهم في تفسير جانب من الفجوة التي تعانيها البلاد في الإنتاجية.
وهكذا تبدو بريطانيا قادرة على تصدير المعرفة الإدارية والخدمات الاستشارية بكفاءة عالية، لكنها أقل نجاحاً في تعميم أفضل الممارسات داخل قاعدة شركاتها المحلية، لتتحول إحدى أبرز نقاط قوتها التصديرية إلى مثال واضح على الفجوة بين المعرفة والتطبيق.
يتكرر المشهد في الجامعات والبحث العلمي، حيث تمتلك المملكة المتحدة واحدة من أقوى المنظومات الأكاديمية في العالم، وتحتل موقعاً بين الدول الخمس الأولى عالمياً من حيث إجمالي الأبحاث المنشورة في الدوريات العلمية عالية الجودة بمجالات العلوم الطبيعية والتطبيقية والاجتماعية، وفقاً لـ«مؤشر نيتشر».
غير أن القدرة على إنتاج المعرفة لا تترافق مع نجاح مماثل في تحويلها إلى منتجات صناعية وتكنولوجية تنمو داخل الاقتصاد البريطاني. وتظهر الأرقام حجم هذه المشكلة، إذ إن 80 % من عمليات الطرح العام الأولي للشركات المنبثقة عن الجامعات البريطانية منذ عام 2012 جرت خارج البلاد.
وبين عامي 2012 و2021، استحوذ مشترون أجانب على غالبية الشركات الجامعية التي حققت عمليات تخارج عبر صفقات الاستحواذ، ما يعني أن بريطانيا تتحمل جزءاً مهماً من تكلفة إنتاج المعرفة والابتكار، بينما تنتقل نسبة كبيرة من القيمة التجارية الناتجة عنها إلى الخارج.
شركات واعدة
ولا تعاني بريطانيا نقصاً في روح ريادة الأعمال أو القدرة على تأسيس شركات تكنولوجية واعدة، إذ تأتي بعد الولايات المتحدة والصين من حيث عدد الشركات الناشئة التي تجاوزت قيمتها مليار دولار، والمعروفة باسم شركات «اليونيكورن».
لكن التحدي يبدأ غالباً بعد نجاح الشركة في مراحلها الأولى، عندما تحتاج إلى رؤوس أموال أكبر ومختبرات ومنشآت إنتاجية وبنية تحتية وكفاءات فنية تسمح لها بالتحول من مشروع ناشئ إلى مؤسسة عالمية كبيرة.
ويثير ذلك مخاوف من تحول بريطانيا إلى «اقتصاد حاضنات» يجيد تأسيس الشركات وتطوير الأفكار في مراحلها المبكرة، لكنه يعجز عن الاحتفاظ بها عندما تبدأ مرحلة النمو الحقيقي التي تولد الوظائف والاستثمارات والعوائد الاقتصادية الأكبر.
وقد ساهمت شركات بريطانية كثيفة البحث والتطوير بالفعل في تأسيس تقنيات حيوية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، لكن تحويل تلك الابتكارات إلى منتجات تجارية واسعة النطاق حدث في حالات بارزة تحت مظلة شركات أجنبية.
ابتكارات مهاجرة
تقدم «ديب مايند» مثالاً واضحاً على هذا المسار. فشركة الذكاء الاصطناعي الرائدة تأسست في لندن قبل أن تستحوذ عليها «جوجل» عام 2014، لتصبح لاحقاً جزءاً محورياً من سباق تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي عالمياً.
وتكرر الأمر مع «آرم»، شركة تصميم أشباه الموصلات التي تتخذ من كامبريدج مقراً لها، والتي استحوذت عليها مجموعة «سوفت بنك» اليابانية في 2016. وتكشف الحالتان قدرة بريطانيا على إنشاء شركات وتقنيات ذات أهمية عالمية، لكنها تكشفان أيضاً الصعوبة التي تواجهها في الاحتفاظ بملكية بعض أصولها التكنولوجية الكبرى.
ولا تقتصر المفارقة على القطاع الخاص، إذ تحظى الأبحاث البريطانية بحضور واسع في صناعة السياسات حول العالم. ووفق تحليل لـ«إلسيفير» واتحاد الجامعات البريطانية، يتم الاستشهاد بالأبحاث البريطانية في وثائق السياسات العامة بمعدل يزيد على ضعف المتوسط العالمي، رغم أن الحكومات البريطانية نفسها لم تقدم دائماً نموذجاً موازياً في جودة تنفيذ السياسات.
قاعدة صناعية
يعود جانب من المشكلة إلى سرعة التحول الهيكلي للاقتصاد البريطاني، الذي شهد انكماشاً في التصنيع وصعوداً للخدمات وقطاعات المعرفة بوتيرة أسرع من كثير من الاقتصادات المتقدمة الأخرى.
وساعدت الجامعات القوية والموقع الجغرافي وانتشار الإنجليزية لندن وبقية المملكة المتحدة على بناء ميزة كبيرة في الخدمات المالية والمهنية والقطاعات المعرفية مرتفعة القيمة المضافة، خصوصاً مع توسع التجارة العالمية وتعقد سلاسل الإمداد.
لكن الوجه الآخر لهذا النجاح كان تراجع أجزاء من المنظومة الصناعية، من الخبرات التصنيعية وشبكات الموردين إلى منشآت الاختبار والإنتاج. ومع تقلص هذه القاعدة أصبح الطريق من المختبر إلى المصنع أكثر صعوبة، حتى عندما تكون الفكرة والتكنولوجيا متوافرتين محلياً.
وفي الوقت نفسه، جذبت قطاعات الخدمات والتمويل ذات العوائد المرتفعة المواهب ورؤوس الأموال، ما ساهم في ندرة بعض المهارات العملية والتقنية المطلوبة في الصناعة والأعمال والقطاع الحكومي.
نقص المهارات
تظهر آثار هذا التحول في تركيبة الخريجين، إذ تنتج بريطانيا نسبة من خريجي الهندسة والتصنيع والبناء تقل كثيراً عن متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو ما يفاقم النقص في المهارات اللازمة لتحويل المعرفة النظرية إلى قدرات إنتاجية.
وتنشأ بذلك دائرة يصعب كسرها؛ فتراجع النشاط الصناعي يقلل الطلب على المهارات الفنية، وانخفاض عدد أصحاب هذه المهارات يجعل الاستثمار الصناعي والتكنولوجي الجديد أكثر صعوبة، ما يدفع المزيد من المشروعات والأفكار إلى البحث عن فرص التوسع في الخارج.
كما لم تساعد بيئة الأعمال في معالجة الخلل. فتكاليف الطاقة المرتفعة واللوائح التنظيمية المقيدة تزيد تكلفة توسيع الأنشطة القائمة على الابتكار، فيما يمثل نقص المنشآت المتخصصة عقبة إضافية أمام الشركات العلمية.
وقد أشار وزير العلوم البريطاني كريس ماكدونالد إلى أن نقص المساحات المخصصة للمختبرات الصناعية يدفع مبتكرين بريطانيين إلى الخارج، في وقت يضيف ارتفاع الضرائب العقارية وتكاليف العمالة وعدم اليقين مزيداً من الضغوط على قدرة الشركات المحلية على الاستثمار وتحسين الإنتاجية.