أسهم الذكاء الاصطناعي تدفع ناسداك للقمة
أغلق مؤشر ناسداك المجمع عند مستوى قياسي جديد الثلاثاء، مدفوعاً بمكاسب شركات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها «مايكرون تكنولوجي»، بينما ظل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قريباً من ذروته التاريخية، في جلسة عكست استمرار قدرة طفرة الذكاء الاصطناعي على دفع أسهم التكنولوجيا رغم بقاء أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل.
وأظهرت البيانات الأولية ارتفاع ناسداك 121.15 نقطة، أو 0.45 %، ليغلق عند 27243.24 نقطة، بينما تراجع ستاندرد آند بورز 500 بصورة هامشية للغاية بنحو 0.43 نقطة إلى 7764.27 نقطة. وفي المقابل، فقد مؤشر داو جونز الصناعي 184.94 نقطة، تعادل 0.36 %، ليصل إلى 51863.89 نقطة، ما أبرز التباين بين أداء شركات التكنولوجيا وبقية قطاعات السوق.
طفرة الرقائق
واصلت شركات أشباه الموصلات مكاسبها مستفيدة من الحماس المتزايد تجاه الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع ارتفاع أسهم شركتي «مايكرون» و«سانديسك» المتخصصتين في رقائق الذاكرة، وهي منتجات أصبحت أكثر أهمية مع التوسع السريع في مراكز البيانات والأنظمة التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتأتي المكاسب امتداداً لصعود حققته شركات الرقائق خلال الأيام الأخيرة، وسط رهان المستثمرين على أن الطلب المتزايد على قدرات الحوسبة والذاكرة سيواصل دعم إيرادات المصنعين. ويعكس ذلك اتساع نطاق المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، بعدما تركز الاهتمام في البداية على مصنعي المعالجات المتقدمة قبل أن يمتد إلى الذاكرة والتخزين ومكونات مراكز البيانات.
لكن الأداء لم يكن موحداً داخل قطاع التكنولوجيا، إذ تعرضت أسهم عدد من شركات البرمجيات والخدمات الموجهة للمستهلكين لضغوط، بعدما أثار ظهور أدوات ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على تنفيذ المهام بصورة مستقلة مخاوف بشأن نماذج الأعمال التقليدية.
رهان «ميوز»
وجاء جانب كبير من الاهتمام بعد الاستقبال القوي للمساعد الذكي «ميوز» الذي أطلقته «ميتا بلاتفورمز» خلال سبتمبر، مع قدرته على تجاوز الوظائف التقليدية للمساعدات الرقمية إلى تنفيذ إجراءات مباشرة نيابة عن المستخدم.
وتشمل قدراته إرسال رسائل البريد الإلكتروني وإتمام المعاملات، ما عزز توقعات المستثمرين بانتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الإجابة عن الأسئلة وتوليد المحتوى إلى مرحلة «الوكلاء» القادرين على تنفيذ سلسلة من المهام واتخاذ إجراءات عملية.
وساعد نجاح النموذج على تعزيز التفاؤل تجاه الشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة، وعلى رأسها شركات الرقائق والذاكرة. لكن التأثير نفسه تحول إلى مصدر قلق بالنسبة إلى شركات تعتمد أعمالها على أن يكون المستهلك هو من يدخل إلى منصاتها ويبحث ويقارن وينفذ المعاملة بنفسه.
تهديد الوسطاء
تكمن المخاوف في أن انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل العلاقة بين المستهلك والمنصات الرقمية. فإذا أصبح المساعد قادراً على البحث عن رحلة جوية أو شراء منتج أو اختيار بوليصة تأمين وإتمام العملية نيابة عن المستخدم، فقد تتراجع أهمية الواجهات التقليدية التي تعتمد عليها شركات التجارة الإلكترونية والسفر والخدمات المالية لجذب العملاء.
وقال جيد إيلربروك، مدير المحافظ الاستثمارية في «أرجنت كابيتال»، إن عدداً كبيراً من أسهم شركات التكنولوجيا تعرض للانخفاض بسبب المخاوف المتعلقة بـ«ميوز»، موضحاً أن المستثمرين يخشون استخدامه في إدارة العلاقات التأمينية وحجز الرحلات والبحث عن المنتجات وشرائها نيابة عن الأفراد.
وبذلك بدأت الأسواق تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قوة قد تصنع فائزين وخاسرين داخل قطاع التكنولوجيا نفسه، وليس مجرد موجة صعود موحدة لجميع الشركات المرتبطة به.
مواجهة أمازون
ظهرت حساسية شركات التجارة الإلكترونية تجاه هذا التحول سريعاً، بعدما حظرت «أمازون» الاثنين استخدام مساعد «ميتا» للتسوق على منصتها، في خطوة تعكس الصراع الناشئ حول الجهة التي ستسيطر على العلاقة المباشرة مع المستهلك في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي.
فالمشكلة بالنسبة إلى منصات التجارة الإلكترونية لا تتعلق فقط بعملية البيع، وإنما بالبيانات والإعلانات والتوصيات وسلوك المستخدم. وإذا تولى وكيل ذكي عملية البحث والمقارنة والشراء، فقد تصبح العلاقة بين المستهلك والمتجر أقل مباشرة، بما يهدد جزءاً من القيمة التي بنت عليها المنصات الرقمية نماذج أعمالها.
ويفتح ذلك جبهة جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي: فبعد المنافسة على تطوير النماذج والرقائق ومراكز البيانات، تنتقل المعركة تدريجياً إلى السيطرة على نقطة الوصول إلى المستهلك، ومن يمتلك القرار النهائي في توجيه عمليات الشراء والحجز والخدمات.
سوق منقسم
يفسر ذلك التباين اللافت في جلسة الثلاثاء. فمن جهة، يرى المستثمرون أن توسع قدرات الذكاء الاصطناعي يعني طلباً أكبر على الرقائق والذاكرة ومراكز البيانات، ولذلك تستفيد الشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة لتشغيل هذه النماذج.
ومن جهة أخرى، أصبحت الأسواق أكثر حذراً تجاه الشركات التي يمكن أن تتعرض نماذج أعمالها للاضطراب نتيجة التقنية نفسها. فالذكاء الاصطناعي الذي يزيد الطلب على منتجات شركات الرقائق قد يقلل في الوقت ذاته حاجة المستهلك إلى زيارة مواقع ومنصات بعينها.
وهذه المفارقة قد تصبح أكثر وضوحاً كلما تطورت نماذج الوكلاء المستقلين. فالسؤال بالنسبة إلى المستثمر لم يعد فقط أي الشركات تطور أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي، وإنما أي الشركات ستستحوذ على القيمة الاقتصادية الجديدة، وأيها قد تفقد جزءاً من القيمة التي تملكها حالياً.
ضغط النفط
وفي خلفية طفرة التكنولوجيا، بقي النفط عاملاً ضاغطاً مع تداول الخام حول مستوى 100 دولار للبرميل. ويكتسب ذلك أهمية خاصة للأسهم لأن استمرار أسعار الطاقة المرتفعة يمكن أن يعزز التضخم ويؤثر في توقعات أسعار الفائدة وتكاليف الشركات وإنفاق المستهلكين.
وهكذا تواجه وول ستريت قوتين متعاكستين: تفاؤل متزايد بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية والأرباح، مقابل مخاطر الاقتصاد الكلي المرتبطة بالطاقة والتضخم والفائدة. وحتى الآن، استطاعت شركات التكنولوجيا الأكثر ارتباطاً بطفرة الذكاء الاصطناعي الاحتفاظ بزخمها، وهـو مـا دفع ناسداك إلـى تسجيـل قمـة جديدة.