تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تنتعش‭ ‬مع‭ ‬تغيير‭ ‬قيادة‭ ‬الفيدرالي

العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تنتعش‭ ‬مع‭ ‬تغيير‭ ‬قيادة‭ ‬الفيدرالي

شهدت العملات المشفرة موجة صعود جديدة خلال تعاملات الخميس، مدفوعة بتفاؤل المستثمرين عقب تصويت مجلس الشيوخ الأميركي لصالح تعيين كيفن وارش رئيساً جديداً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، في خطوة أعادت إحياء الرهانات على تحول محتمل في السياسة النقدية الأميركية خلال المرحلة المقبلة.
وجاءت المكاسب في وقت تعيش فيه الأسواق العالمية حالة ترقب استثنائية لمخرجات القمة المنعقدة في بكين بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، حيث يأمل المستثمرون أن تسهم الاجتماعات في تهدئة جزء من التوترات التجارية والجيوسياسية التي ضغطت على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الماضية.
وارتفعت البيتكوين إلى قرب مستوى 80 ألف دولار، بعدما سجلت مكاسب تجاوزت 0.4% خلال التداولات، بينما واصلت الإيثيريوم والريبل تحقيق ارتفاعات إضافية، في إشارة إلى عودة شهية المستثمرين تجاه الأصول الرقمية عالية المخاطر بعد فترة طويلة من الحذر والتقلبات العنيفة.

مرونة أكبر

ويرى متعاملون أن الأسواق تنظر إلى تعيين وارش باعتباره تطوراً مهماً قد يغير نهج الاحتياطي الفيدرالي في التعامل مع التضخم وأسعار الفائدة. فالرجل يُعرف بمواقفه الأقل تشدداً مقارنة ببعض الأسماء الأخرى داخل المؤسسة النقدية الأميركية، ما دفع المستثمرين إلى توقع أن تشهد المرحلة المقبلة مرونة أكبر تجاه خفض الفائدة أو دعم السيولة إذا تباطأ الاقتصاد الأميركي.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية كبيرة بالنسبة لسوق العملات المشفرة، لأن الأصول الرقمية تُعد من أكثر الأسواق حساسية لتحركات الفائدة والسيولة العالمية. فكلما انخفضت الفائدة أو زادت التوقعات بتيسير السياسة النقدية، ارتفعت جاذبية الأصول الخطرة مثل الأسهم التكنولوجية والعملات المشفرة، نتيجة تراجع العوائد الحقيقية على الأدوات التقليدية.
وخلال العامين الماضيين، تعرضت سوق الكريبتو لضغوط عنيفة مع تشديد السياسة النقدية الأميركية وارتفاع العوائد على السندات، ما دفع جزءاً كبيراً من رؤوس الأموال إلى الخروج من الأصول الرقمية والعودة إلى أدوات الاستثمار التقليدية الأكثر أماناً.
لكن المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع تزايد الاعتقاد بأن دورة التشديد النقدي اقتربت من نهايتها، خاصة مع ظهور مؤشرات على تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وارتفاع الضغوط المرتبطة بالحروب والتوترات الجيوسياسية.

تخفيف الضغوط

وفي هذا السياق، أصبحت قمة ترمب وشي عاملاً إضافياً يعزز التفاؤل داخل الأسواق. فالمستثمرون يراهنون على أن أي تهدئة بين واشنطن وبكين قد تخفف من الضغوط التجارية والاقتصادية، وتعيد جزءاً من الاستقرار إلى الأسواق العالمية، وهو ما يشجع على العودة إلى الاستثمار في الأصول عالية العائد.
ولا تنفصل تحركات العملات المشفرة الحالية عن التحولات الأوسع التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فمع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية والحروب التجارية، بدأ كثير من المستثمرين ينظرون إلى بعض العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، باعتبارها أداة تحوط جزئية ضد ضعف العملات التقليدية أو التوسع الكبير في طباعة النقود والسياسات النقدية التيسيرية.
ورغم أن البيتكوين لا تزال شديدة التقلب مقارنة بالأصول التقليدية، فإنها أصبحت أكثر حضوراً داخل المحافظ الاستثمارية الكبرى، خصوصاً بعد دخول مؤسسات مالية وصناديق استثمار عالمية إلى السوق خلال السنوات الأخيرة.
كما ساهمت الموافقات التنظيمية على بعض المنتجات الاستثمارية المرتبطة بالبيتكوين في تعزيز شرعية السوق وجذب مزيد من السيولة المؤسسية، ما قلل تدريجياً من الصورة التقليدية التي كانت تعتبر العملات المشفرة مجرد أدوات مضاربة هامشية.
لكن التحول الأهم ربما لا يتعلق بالأسعار فقط، بل بالتطورات التكنولوجية المتسارعة المرتبطة بالبلوكشين والذكاء الاصطناعي. فقد أشار تشانجبينج تشاو، مؤسس منصة “بينانس”، إلى أن الأولوية الكبرى للقطاع حالياً تتمثل في جعل البنية التحتية للبلوكشين جاهزة للتعامل مع “وكلاء الذكاء الاصطناعي”، بما يسمح للأنظمة الذكية بإجراء المعاملات وتنفيذ الصفقات وتخزين البيانات بصورة مستقلة ومباشرة.
ويعكس هذا التوجه حجم التحول الذي يشهده القطاع، حيث لم تعد العملات الرقمية مجرد أدوات تداول، بل أصبحت جزءاً من سباق عالمي لبناء اقتصاد رقمي جديد يعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي والعقود الذكية.

الذكاء الاصطناعي

ويتوقع خبراء أن يؤدي دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع البلوكشين إلى خلق نماذج أعمال جديدة بالكامل، تشمل التجارة الإلكترونية والخدمات المالية وسلاسل التوريد وإدارة البيانات وحتى الأنظمة الحكومية الرقمية.
ومع ذلك، لا تزال السوق تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الغموض التنظيمي وتقلبات الأسعار والمخاطر الأمنية والاختراقات الإلكترونية. كما أن ارتباط العملات المشفرة بالمزاج العام للأسواق يجعلها عرضة لتحركات حادة عند أي تغير مفاجئ في السياسة النقدية أو التوترات الجيوسياسية.
ويحذر محللون من أن أي تصعيد جديد في الحرب المرتبطة بإيران أو فشل قمة ترمب وشي في تحقيق تقدم ملموس قد يعيد حالة التوتر سريعاً إلى الأسواق، وهو ما قد يدفع المستثمرين مجدداً نحو الأصول التقليدية الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات.
وفي المقابل، فإن نجاح الجهود الدبلوماسية وتراجع المخاوف التضخمية قد يمنح العملات المشفرة دفعة إضافية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا بدأ الاحتياطي الفيدرالي فعلياً في التلميح إلى تخفيف السياسة النقدية.
كما أن تراجع الدولار الأميركي خلال الفترة الأخيرة لعب دوراً داعماً لسوق الكريبتو، لأن ضعف العملة الأميركية غالباً ما يشجع المستثمرين على البحث عن بدائل ذات عوائد أعلى أو أصول تحافظ على القيمة في المدى الطويل.

رجوع لأعلى