أوروبا تحشد 30 بنكاً مركزياً لكسر سطوة الدولار
تتحرك أوروبا لتعزيز المكانة الدولية لعملتها الموحدة، مستفيدة من تصاعد التساؤلات بشأن مستقبل هيمنة الدولار على النظام النقدي العالمي، في ظل التقلبات المرتبطة بالسياسات الاقتصادية الأميركية. وكشف البنك المركزي الأوروبي عن اهتمام أكثر من 30 بنكاً مركزياً أجنبياً بتسهيلات السيولة المقومة باليورو، في تطور يعكس اتساع الطلب على أدوات مالية يمكن أن تمنح المؤسسات النقدية حول العالم خيارات إضافية لإدارة احتياطياتها ومواجهة اضطرابات الأسواق.
ويرى كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، أن توفير شبكات أمان للسيولة للدول الأجنبية لا يقتصر على دعم الاستقرار المالي، بل يمثل أداة استراتيجية لتوسيع الاستخدام الدولي لليورو وتعزيز قدرة السياسة النقدية الأوروبية على التأثير خارج حدود منطقة العملة الموحدة. وتأتي هذه التوجهات في وقت تسعى فيه المؤسسات الأوروبية إلى تقوية أسواق السندات وزيادة جاذبية الأصول المقومة باليورو، دون أن يعني ذلك إمكانية إنهاء هيمنة الدولار في المدى القريب.
طرح فيليب لين رؤية لتعزيز الدور العالمي لليورو خلال مشاركته في فعالية مغلقة بمدينة شنغهاي حملت عنوان «النظام النقدي ما بعد الدولار»، ضمن القمة السنوية للسندات.
وأكد أن البنك المركزي الأوروبي يستطيع توسيع تأثير سياسته النقدية من خلال توفير ترتيبات للسيولة تسمح للبنوك المركزية الأجنبية بالحصول على العملة الأوروبية عند الحاجة.
وكشف عن اهتمام أكثر من 30 بنكاً مركزياً بالتسهيلات التي وسعها البنك مؤخراً، ما يعكس وجود طلب دولي على أدوات تساعد في توفير اليورو خلال فترات الضغوط المالية.
وأوضح أن خطوط السيولة تعزز الثقة بالعملة وتحد من المخاطر المرتبطة باستخدامها، الأمر الذي يشجع المؤسسات المالية على زيادة تعاملاتها بها.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية في ظل النقاشات المتزايدة حول استدامة هيمنة الدولار، خصوصاً مع حالة عدم اليقين التي تثيرها بعض السياسات الاقتصادية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن توسع استخدام عملة ما في التجارة والتمويل والاحتياطيات الدولية يعتمد بدرجة كبيرة على ثقة المستثمرين في إمكانية الحصول عليها بسهولة حتى خلال الأزمات.
ولهذا تسعى البنوك المركزية الكبرى إلى توفير شبكات للسيولة تقلل مخاطر نقص العملات الأجنبية، وتدعم استقرار الأسواق التي تعتمد عليها في معاملاتها.
لكن تعزيز مكانة اليورو يتطلب أكثر من توفير التمويل الطارئ، إذ يرتبط أيضاً بعمق الأسواق المالية الأوروبية وتوافر الأصول الآمنة واستقرار المؤسسات الاقتصادية والنقدية.
وبالتالي، فإن اهتمام البنوك المركزية الأجنبية يمثل فرصة لتوسيع الحضور الدولي للعملة الأوروبية، لكنه لا يشكل بمفرده دليلاً على تحول سريع في موازين النظام النقدي العالمي.
تؤدي آلية «EUREP» دوراً محورياً في استراتيجية البنك المركزي الأوروبي، إذ تتيح للبنوك المركزية الأجنبية الحصول على سيولة باليورو مقابل ضمانات مقومة بالعملة الموحدة.
وتوفر هذه الترتيبات وسيلة لتأمين التمويل عند الحاجة، بما يقلل المخاطر التي قد تواجه المؤسسات النقدية الأجنبية في حال تعرض الأسواق لاضطرابات مفاجئة.
ويرى لين أن وجود مثل هذه الشبكات يعزز الثقة باستخدام اليورو في المعاملات الدولية، لأنه يحد من المخاوف المرتبطة بصعوبة الحصول على السيولة خلال الأزمات.
كما يمكن أن تدعم الآلية أسواق السندات في منطقة اليورو، التي تضم 21 دولة، من خلال تشجيع مديري الاحتياطيات الرسمية على زيادة مشترياتهم من الأصول الأوروبية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن توسع الطلب على السندات المقومة باليورو قد يساعد في تعميق الأسواق المالية وزيادة قدرتها على استيعاب الاستثمارات الدولية.
ومن شأن تنامي حيازة البنوك المركزية الأجنبية للأصول الأوروبية أن يعزز ارتباطها بالنظام المالي للمنطقة، ويوسع نطاق استخدام العملة الموحدة في إدارة الاحتياطيات.
لكن حجم الأثر الفعلي سيعتمد على مدى استخدام التسهيلات، وليس مجرد إبداء الاهتمام بها، إلى جانب تطور الطلب العالمي على السندات الأوروبية.
كما أن توفير السيولة مقابل ضمانات يختلف عن تقديم تمويل غير مشروط، إذ تهدف هذه الآليات إلى دعم الاستقرار مع المحافظة على ضوابط تحد من المخاطر المالية.
وتبرز أهمية هذا التوازن في ضمان ألا يؤدي توسيع دور اليورو عالمياً إلى تحميل البنك المركزي الأوروبي التزامات تتجاوز قدرته على إدارة المخاطر.
بالتوازي مع توسيع تسهيلات السيولة، يراجع البنك المركزي الأوروبي شبكة خطوط مبادلة العملات التي تربطه بعدد من البنوك المركزية الكبرى حول العالم. وكانت رئيسة البنك، كريستين لاغارد، قد أشارت إلى مراجعة هذه الترتيبات، التي تشمل مؤسسات مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك الشعب الصيني.
وتسمح خطوط المبادلة للبنوك المركزية بتبادل عملاتها المحلية مقابل اليورو، بما يوفر قناة للحصول على التمويل عند الحاجة، ويساعد في الحد من اضطرابات أسواق الصرف والسيولة.
ويرى لين أن هذه الترتيبات يمكن أن تشجع المؤسسات المالية على الاقتراض باليورو، لأنها توفر قدراً أكبر من الاطمئنان بشأن توافر العملة خلال فترات التوتر.
غير أنه شدد على ضرورة قصر هذه التسهيلات على البنوك المركزية في الاقتصادات التي تربطها بمنطقة اليورو علاقات مالية وثيقة، وتتمتع بقدرة واضحة على الوفاء بالتزاماتها المقومة بالعملة الأوروبية.
ويعكس هذا الشرط حرص البنك المركزي الأوروبي على الموازنة بين توسيع نفوذ اليورو والحفاظ على سلامة ترتيبات التمويل الدولية.
كما يوضح أن التوسع في شبكات السيولة لا يستهدف إتاحتها دون قيود، وإنما بناء علاقات نقدية مع شركاء تتوافر لديهم مقومات الاستقرار والقدرة على السداد.
ومن شأن تعزيز هذه الشبكات أن يمنح اليورو حضوراً أوسع في التمويل الدولي، خصوصاً إذا تزامن مع زيادة استخدامه في الاقتراض وإدارة الاحتياطيات والتعاملات التجارية.
ويعتقد لين أن ارتفاع الاستخدام العالمي للعملة الأوروبية قد يساعد البنك المركزي على تنفيذ تفويضه المتعلق باستقرار الأسعار، من خلال توسيع نطاق انتقال تأثير السياسة النقدية لمنطقة اليورو إلى الأسواق الخارجية.
اليورو يختبر حدود الهيمنة الأميركية
تكشف تحركات البنك المركزي الأوروبي عن توجه استراتيجي لتعزيز مكانة اليورو في النظام المالي الدولي، من خلال بناء شبكة أوسع لتوفير السيولة وزيادة الثقة لدى البنوك المركزية الأجنبية.
ويمنح اهتمام أكثر من 30 بنكاً مركزياً بهذه التسهيلات مؤشراً إلى وجود فرص لتوسيع استخدام العملة الأوروبية، خصوصاً مع استمرار التساؤلات بشأن مستقبل هيمنة الدولار والتقلبات المرتبطة بالسياسات الأميركية.
ومع ذلك، فإن الانتقال إلى نظام نقدي عالمي أكثر تنوعاً سيظل عملية تدريجية تتطلب تعميق الأسواق المالية الأوروبية وزيادة جاذبية أصولها، فيما تراهن أوروبا على أن تتحول شبكات السيولة من أدوات للحماية وقت الأزمات إلى وسيلة لتعزيز نفوذ اليورو الاقتصادي عالمياً.