البورصة تتماسك بمكاسب محدودة
أنهت بورصة الكويت تعاملات أمس الأحد على تباين محدود بين مؤشراتها الرئيسية، في جلسة مالت كفتها إلى الارتفاع، لكن مكاسبها ظلت ضيقة رغم صعود تسعة قطاعات. وبين تداولات بلغت قيمتها 87.59 مليون دينار، وارتفاع أسعار 57 سهماً، قدم السوق صورة لحركة شراء انتقائية قابلتها ضغوط على أسهم أخرى، ليبقى التوازن بين الطرفين السمة الأوضح للإغلاق. وتعكس هذه المحصلة قدرة السوق على تحقيق تقدم طفيف، دون أن تمنح الأرقام وحدها دليلاً كافياً على بداية موجة صعود واسعة أو تحول حاسم في اتجاه التداولات.
وارتفع مؤشرا السوق الأول والعام بنسبة واحدة بلغت 0.09 % لكل منهما، فيما صعد مؤشر السوق الرئيسي بنسبة 0.06 %، مقابل تراجع مؤشر الرئيسي 50 بنحو 0.01 % مقارنة بإغلاق الخميس الماضي. ويكشف تقارب هذه التغيرات من مستوى الصفر عن جلسة محدودة الحركة على مستوى المؤشرات، حتى مع وجود تحركات أكبر لأسهم منفردة. فالسوق لم يشهد اتجاهاً موحداً يشمل جميع مكوناته، وإنما تحركت أسهمه بسرعات مختلفة، وانعكس صافي أثرها في مكاسب طفيفة لثلاثة مؤشرات وتراجع هامشي للمؤشر الرابع، دون انفصال كبير بين مساراتها النهائية.
محصلة محدودة
وتكتسب قراءة هذا التباين أهميتها من اختلاف تكوين المؤشرات وأوزان الأسهم داخلها، إذ لا يعني ارتفاع عدد أكبر من القطاعات بالضرورة تحقيق قفزة مماثلة في المؤشر العام. فحجم تأثير كل سهم يتحدد بوزنه في المؤشر المعني، وليس بمجرد تسجيله ارتفاعاً. ومن ثم، فإن مكاسب تسعة قطاعات بالتزامن مع صعود العام بنسبة 0.09 % تشير إلى أن المحصلة المرجحة لتحركات مكونات السوق بقيت محدودة، سواء بسبب تواضع ارتفاعات الأسهم المؤثرة أو تعادل جزء من مكاسبها مع انخفاضات مكونات أخرى، دون إمكانية تحديد المساهمة التفصيلية من البيانات المتاحة.
وعلى صعيد التداولات، بلغت السيولة 87.59 مليون دينار، موزعة على 414.84 مليون سهم، من خلال تنفيذ نحو 20.38 ألف صفقة. وهذه الأرقام توضح حجم التعاملات المنفذة، لكنها لا تكفي منفردة للحكم على تحسن النشاط مقارنة بالجلسات السابقة، في غياب أرقام المقارنة. كما أن قيمة التداول تمثل إجمالي التعاملات بين البائعين والمشترين، ولا تعادل صافي أموال جديدة دخلت السوق. وتظل التفرقة بين المفهومين ضرورية عند تقييم الجلسة، حتى لا تتحول وفرة التعاملات الظاهرة إلى استنتاج غير مسند بشأن اتجاه التدفقات الاستثمارية الفعلية.
وبقسمة قيمة التداول على عدد الصفقات، يبلغ متوسط قيمة الصفقة نحو 4.3 آلاف دينار، بينما يصل متوسط حجمها إلى نحو 20.36 ألف سهم، استناداً إلى الأرقام الإجمالية المنشورة والمقربة. ويوفر المؤشران وصفاً حسابياً لطبيعة النشاط، لكنهما لا يكشفان هوية المتعاملين أو نوعية قراراتهم. فلا يمكن من خلالهما وحدهما الجزم بسيطرة المؤسسات أو الأفراد، كما لا يسمحان بتصنيف الجلسة باعتبارها استثمارية أو مضاربية بصورة قاطعة. ويحتاج هذا التقييم إلى بيانات تفصيلية عن توزيع الصفقات وأحجامها وتوقيتاتها، ومدى استمرار الطلب على الأسهم خلال التداول.
الرعاية الصحية
أما على مستوى القطاعات، فقد ارتفعت تسعة قطاعات، مقابل انخفاض ثلاثة قطاعات واستقرار قطاع الرعاية الصحية، بما يعني أن نحو 69.23% من القطاعات الثلاثة عشر أنهت الجلسة على مكاسب. وتعد هذه المشاركة القطاعية الواسعة نسبياً نقطة إيجابية في قراءة الإغلاق، لأنها تظهر أن الارتفاع لم ينحصر في قطاع واحد. ومع ذلك، تظل قوة المشاركة مرتبطة أيضاً بحجم المكاسب وأوزان الأسهم داخل كل قطاع، إذ يمكن لاتساع الارتفاع قطاعياً أن يتزامن مع تقدم محدود للمؤشرات، وهو ما عكسته بالفعل حصيلة جلسة الأحد.
وقاد قطاع المنافع الارتفاعات بنسبة 1.48 %، بينما سجل قطاع الطاقة أكبـر تراجـع بنسبـة 1.46 %، في تباعد واضح بين طرفي الأداء القطاعي. ولا تقدم هذه النسب وحدها تفسيراً لأسباب الحركة، كما لا تثبت انتقال السيولة مباشرة من الطاقة إلى المنافع. لكنها تكشف اختلاف تقييمات المتعاملين للأسهم الداخلة في القطاعين خلال الجلسة. ويظل إسناد هذا التفاوت إلى أخبار تشغيلية أو تغيرات في أسعار السلع أو قرارات استثمارية محددة بحاجة إلى معلومات إضافية، خصوصاً أن تحرك القطاع قد يتأثر بقوة بأداء عدد محدود من مكوناته.
وعند الانتقال إلى الأسهم، تصبح صورة المشاركة أكثر توازناً مما توحي به الخريطة القطاعية؛ إذ ارتفع 57 سهماً، مقابل تراجع 52 سهماً واستقرار 23 سهماً. وبذلك بلغ إجمالي الأسهم المشمولة بهذه الحصيلة 132 سهماً، شكلت المرتفعة منها نحو 43.18 %، والمنخفضة نحو 39.39 %، والمستقرة نحو 17.42 %. والفارق بين الرابحين والخاسرين لا يتجاوز خمسة أسهم، بما يعكس أفضلية عددية محدودة للصعود. وهذه القراءة مهمة لأنها تضع اتساع المكاسب القطاعية في حجمه الصحيح، وتمنع المبالغة في وصف الجلسة بأنها موجة شراء شاملة لجميع شرائح السوق.
ومن بين الأسهم التي تغيرت أسعارها، وعددها 109 أسهم، بلغت حصة الأسهم الصاعدة نحو 52.29 %، مقابل 47.71 % للأسهم المتراجعة. وتوضح هذه النسب أن المنافسة بين الاتجاهين ظلت متقاربة، رغم انتهاء ثلاثة مؤشرات باللون الأخضر. فارتفاع المؤشر لا يعني بالضرورة تحسن غالبية المحافظ بالقدر نفسه، لأن العائد الفعلي يتوقف على مكونات كل محفظة وأوزانها. ولهذا تبدو الجلسة أقرب إلى توزيع متفاوت للمكاسب والخسائر بين الأسهم، مع بقاء المسافة العددية بين الطرفين ضيقة، وعدم توافر تفوق كاسح يبرر قراءة أحادية لاتجاه السوق كله.
وسجل سهم «سكب ك» أعلى ارتفاع بنسبة 7.84 %، في حين جاء سهم «الخليجي» في مقدمة التراجعات بنسبة 6.24 %. ويبرز هذا التفاوت اتساع نطاق الحركة على مستوى بعض الأسهم مقارنة بالتغير الطفيف للمؤشرات الرئيسية. فالمؤشر يقدم محصلة موزونة للسوق، وقد يحجب وراء هدوئه النسبي تذبذبات مؤثرة في مراكز المتعاملين بأسهم بعينها. ومن الناحية التحليلية، تؤكد هذه المفارقة ضرورة الفصل بين استقرار المؤشر العام واستقرار الأسعار الفردية، إذ يمكن لجلسة محدودة التغير إجمالاً أن تحمل مكاسب أو خسائر كبيرة نسبياً لبعض حاملي الأسهم.
وفي نشاط التداول، جاء سهم «ساحل» في المقدمة بحجم بلغ 139.47 مليون سهم، وبقيمة 13.22 مليون دينار، وذلك عقب خفض عبداللطيف السهلي حصته في الشركة إلى 10.51 %، بحسب المعلومات الواردة. واستحوذ السهم بذلك على نحو 33.62 % من إجمالي الأسهم المتداولة، ونحو 15.09 % من سيولة الجلسة. وتوضح النسبتان وزنه الملحوظ في النشاط، خصوصاً على مستوى الكميات، لكن تزامن التداولات مع تغير الملكية لا يثبت أن جميع التعاملات المنفذة كانت مرتبطة بهذا التغير، ولا يسمح بتحديد أطرافها أو دوافعها من البيانات الإجمالية وحدها.
ويعني استبعاد تداولات «ساحل» حسابياً أن بقية السوق سجلت تعاملات بنحو 74.37 مليون دينار، موزعة على 275.37 مليون سهم. وتساعد هذه المقارنة على تقدير انتشار النشاط خارج السهم الأكثر تداولاً، إذ يتبين أن بقية الأسهم احتفظت بنحو 84.91 % من القيمة الإجمالية للتعاملات، مقابل نحو 66.38 % من الكميات. وبذلك كان التركيز في عدد الأسهم المتداولة أعلى من التركيز في القيمة، وهي نقطة تفسر كيف يستطيع سهم واحد رفع حجم التداول الكلي بدرجة ملحوظة، دون أن يستحوذ بالنسبة نفسها على الأموال المتداولة بالسوق.
المقارنة بين القيمة والكمية
ومن هنا، تبدو المقارنة بين القيمة والكمية أكثر فائدة من الاكتفاء برقم واحد للحكم على سخونة الجلسة. فالأحجام تتأثر بمستويات أسعار الأسهم، وقد تتضخم عندما يتركز النشاط في أسهم أقل سعراً، بينما تعطي القيمة قياساً نقدياً مكملاً. وفي جلسة الأحد، لا يصح التعامل مع تداول 414.84 مليون سهم باعتباره دليلاً مستقلاً على قوة الاتجاه الصاعد، خصوصاً مع محدودية مكاسب المؤشرات وتقارب أعداد الرابحين والخاسرين. والأدق أن الأرقام تكشف نشاطاً ملحوظ التركيز في الكميات، يقابله انتشار أكبر نسبياً للقيمة بين بقية الأسهم المتداولة.
واقتصادياً، ترتبط جودة النشاط في البورصة بقدرته على توفير تسعير يعكس المعلومات المتاحة، وإتاحة انتقال الملكية بين المتعاملين بكفاءة. لكن زيادة التعاملات في السوق الثانوية لا تعني تلقائياً حصول الشركات المدرجة على تمويل جديد، كما لا تترجم فوراً إلى توسع في الاستثمار الحقيقي. وتكمن أهميتها في دعم قابلية الأسهم للتداول وتكوين الأسعار، وهي وظائف تساعد السوق على أداء دوره التمويلي الأوسع. أما الحكم على الأثر الاقتصادي المباشر لجلسة واحدة، فيتطلب حذراً، لأن التداول اليومي يظل جزءاً من دورة أطول لاتخاذ القرارات الاستثمارية.
اتساع المشاركة
وتبرز هنا أهمية التمييز بين اتساع المشاركة وقوة الدفع؛ فالأول يتعلق بعدد الأسهم والقطاعات التي تحقق مكاسب، بينما يرتبط الثاني بمقدار تأثير تلك المكاسب في المؤشرات واستمرارها عبر الزمن. وقد أظهرت الجلسة اتساعاً على المستوى القطاعي، لكن قوة الدفع الإجمالية بقيت محدودة. وهذا التفاوت يجعل قراءة الإغلاق بحاجة إلى جمع أكثر من مؤشر، بدلاً من بناء الحكم على ارتفاع تسعة قطاعات وحده. فكلما تقاربت إشارات الأسعار وأعداد الأسهم والقيم المتداولة، أصبحت صورة السوق أوضح، أما اختلافها فيعني أن الحركة لا تزال موزعة بين مسارات متعددة، ولكل منها أثر مختلف في النتيجة النهائية للتداولات.