التضخم وإنفيديا يجمدان رهانات وول ستريت
أنهت الأسهم الأميركية تعاملات الأربعاء على تغيرات محدودة، بعدما وضعت بيانات التضخم المستثمرين أمام معادلة أكثر تعقيداً بشأن مستقبل أسعار الفائدة، بينما أحجم المتعاملون عن بناء مراكز كبيرة قبل صدور نتائج إنفيديا، التي أصبحت نتائجها الفصلية اختباراً يتجاوز أداء شركة واحدة إلى تقييم طفرة الذكاء الاصطناعي بأكملها.
وأغلق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 منخفضاً 0.01 % إلى 7676.29 نقطة، فيما تراجع ناسداك المجمع 0.06 % إلى 26136.18 نقطة، وخسر داو جونز الصناعي 113.52 نقطة، أو 0.21 %، لينهي الجلسة عند 53463.88 نقطة. ويعكس التحرك المحدود حالة الانتظار التي سيطرت على السوق بعد صدور البيانات وقبل نتائج إنفيديا.
مفاجأة الأسعار
جاء المحرك الاقتصادي الأبرز من تقرير وزارة التجارة الأميركية الذي أظهر ارتفاع معدل التضخم السنوي 3.7 % خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو، متجاوزاً التوقعات بصورة طفيفة، في تطور أعاد تسليط الضوء على قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة من دون المخاطرة بإعادة إشعال الضغوط السعرية.
وفي المقابل، أظهرت بيانات منفصلة نمو الاقتصاد الأميركي 1.5 % خلال الربع الثاني، وهو ما أبقى صورة النشاط الاقتصادي بعيدة عن الانكماش الحاد الذي كان من شأنه تسهيل مهمة البنك المركزي.
واجتماع التضخم الأعلى من المتوقع مع استمرار النمو يضع المستثمرين أمام سيناريو غير مريح تماماً للأسهم: الاقتصاد لا يبدو ضعيفاً بما يكفي لفرض خفض سريع للفائدة، فيما الأسعار لا تتباطأ بالقدر الذي يسمح للاحتياطي الفيدرالي بالتحرك بحرية.
معادلة الفائدة
لم تكن قراءة التضخم كافية بمفردها لإحداث تحول جذري في توقعات اجتماع سبتمبر، لكنها رفعت أهمية البيانات المقبلة، لأن تكرار الاتجاه نفسه يمكن أن يغير حسابات السياسة النقدية.
وقالت إلين زينتنر، كبيرة الاستراتيجيين الاقتصاديين في «مورغان ستانلي ويلث مانجمنت»، إن البيانات لم تكن كافية لتغيير التوازن بالنسبة إلى اجتماع سبتمبر، لكنها حذرت من أن استمرار القراءات المقبلة في الاتجاه نفسه قد يضع البنك المركزي تحت مزيد من الضغوط لاتخاذ إجراء.
ولهذا تحولت الأنظار سريعاً إلى ندوة جاكسون هول، حيث من المنتظر أن يلقي رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش خطاباً الجمعة، سيبحث المستثمرون في كل تفاصيله عن إشارات تتعلق بتقييم البنك للتضخم والنمو والمسار المحتمل للفائدة.
وتكتسب تصريحات وورش أهمية إضافية في وقت تتأثر فيه الأسواق أيضاً بارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، ما يعني أن الأسهم تواجه تشديداً في الظروف المالية حتى من دون اتخاذ الاحتياطي الفيدرالي قراراً جديداً برفع الفائدة.
هدوء المؤشرات
ورغم أهمية البيانات، لم تشهد وول ستريت موجة بيع واسعة، إذ ظل ستاندرد آند بورز قريباً للغاية من مستوى إغلاقه السابق، كما اقتصرت خسائر ناسداك على 15.12 نقطة. وكان داو جونز الأكثر تراجعاً بين المؤشرات الرئيسية، لكنه فقد 0.21 % فقط.
ويمكن تفسير هذا الهدوء بحذر المستثمرين من اتخاذ قرارات كبيـرة قبل اكتمـال مجموعة من الأحداث القادرة على تغيير اتجاه السوق. فإلى جانب التضخم والسياسة النقدية، تنتظر وول ستريت نتائج إنفيديا التي بات وزنها الكبير داخل المؤشرات يمنح تحركات سهمها تأثيراً مباشراً في أداء السوق الأوسع.
وتأتي حالة الترقب بعد ارتفاعات قوية للأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما رفع التقييمات وجعل المستثمرين أكثر حساسية تجاه أي نتائج أو توقعات لا تتناسب مع مستوى التفاؤل المسعر بالفعل.
اختبار إنفيديا
تراجع سهم إنفيديا قبل إعلان النتائج الفصلية، وسط إدراك المستثمرين أن التقرير سيشكل اختباراً جديداً لقدرة الشركة على مواصلة النمو بالمعدلات التي دعمت صعود قطاع التكنولوجيا.
وتتجاوز أهمية الشركة نتائجها المالية المباشرة. فقد أصبحت إنفيديا في قلب دورة الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وبالتالي توفر مبيعات رقائقها مؤشراً على شهية شركات التكنولوجيا الكبرى للاستمرار في ضخ عشرات المليارات من الدولارات في البنية التحتية الجديدة.
كما يمثل سهم الشركة نحو 8.1 % من وزن مؤشر ستاندرد آند بورز 500، ما يجعل أي حركة كبيرة فيه قادرة على التأثير في اتجاه المؤشر بأكمله. ولهذا فإن إعلان النتائج تحول إلى حدث سوقي يمكن أن يحرك شركات أشباه الموصلات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والطاقة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتتمثل المخاطرة الأساسية في أن النتائج الجيدة وحدها قد لا تكون كافية، إذ تحتاج الشركة إلى تجاوز توقعات مرتفعة للغاية وإقناع المستثمرين بأن الطلب على الرقائق المتقدمة لا يزال قادراً على مواصلة النمو.
طفرة مكلفة
تكمن حساسية النتائج أيضاً في أن طفرة الذكاء الاصطناعي أصبحت تعتمد على دورة استثمار رأسمالي ضخمة من شركات التكنولوجيا. فقد تعهدت مجموعات أميركية كبرى بإنفاق مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق وشبكات الطاقة اللازمة لتطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
ويعني ذلك أن المستثمرين لم يعودوا يسألون فقط عن حجم نمو إيرادات إنفيديا، بل عن المدة التي تستطيع خلالها شركات الحوسبة السحابية الاستمرار في زيادة إنفاقها قبل أن تطالب الأسواق بعوائد واضحة على تلك الاستثمارات.
وأي إشارة إلى تباطؤ الطلب أو تأجيل المشروعات يمكن أن تمتد تداعياتها سريعاً إلى قطاع التكنولوجيا بأكمله. وفي المقابل، فإن استمرار الطلب القوي سيعزز الحجة القائلة إن دورة الذكاء الاصطناعي ما زالت في مراحل توسعها، وليس بالقرب من ذروتها.
تقييمات مرتفعة
يزيد ارتفاع تقييمات الأسهم من حساسية وول ستريت تجاه المفاجآت. فبعد المكاسب الكبيرة التي حققتها شركات التكنولوجيا، أصبحت أسعار العديد من الأسهم تعكس مسبقاً توقعات قوية للنمو والأرباح، وهو ما يقلل هامش الخطأ المتاح أمام الشركات.
وفي مثل هذه البيئة، قد يؤدي إعلان أرباح أعلى من العام السابق إلى هبوط السهم إذا جاءت دون توقعات المحللين، بينما يمكن أن تصبح التوقعات المستقبلية للإدارة أهم من النتائج الفعلية للربع المنتهي. وينطبق ذلك بدرجة خاصة على إنفيديا، لأن المستثمرين يبحثون عن مؤشرات بشأن مبيعات الجيل الجديد من الرقائق وهوامش الأرباح والطلب من شركات الحوسبة السحابية وقدرة سلاسل التوريد على تلبية الطلب.
ويفسر ذلك جانباً من ضعف شهية المخاطرة خلال جلسة الأربعاء. فالأسواق لم تتلق صدمة اقتصادية كبيرة تبرر البيع، لكنها في الوقت نفسه لم تجد سبباً كافياً لزيادة المراكز قبل حدث قادر على إعادة تسعير قطاع التكنولوجيا.
موعد الجمعة
وبعد نتائج إنفيديا، ينتقل التركيز مباشرة إلى جاكسون هول. وستراقب الأسواق ما إذا كان وورش سيعتبر ارتفاع التضخم الأخير عائقاً أمام تخفيف السياسة النقدية، أم سيمنح وزناً أكبر لمؤشرات أخرى تسمح للبنك المركزي بالتحرك خلال الأشهر المقبلة. وتكمن صعوبة المهمة في أن الاحتياطي الفيدرالي يحتاج إلى تحقيق توازن بين مخاطر التضخم ومخاطر إضعاف الاقتصاد. فإذا خفض الفائدة بسرعة بينما تظل الأسعار مرتفعة، فقد تتجدد الضغوط التضخمية، أما الإبقاء على السياسة المتشددة لفترة طويلة فقد يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر ويضغط على النشاط.
ولهذا ستصبح بيانات الوظائف والتضخم والإنفاق المقبلة عناصر حاسمة في تحديد اتجاه السوق، بعدما أثبتت قراءة الأربعاء أن الطريق نحو سياسة نقدية أكثر مرونة لن يكون مباشراً.