دبلوماسية هرمز تسحب النفط من قممه
واصلت أسعار النفط خسائرها، الخميس، مع تبدل سريع في المزاج داخل أسواق الطاقة، بعدما بدأت احتمالات تحقيق اختراق دبلوماسي بشأن مضيق هرمز تطغى على المخاوف من استمرار نقص الإمدادات. وتراجع خام برنت بأكثر من دولار في التعاملات المبكرة، فيما امتدت خسائر الخام الأميركي للجلسة الخامسة، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا يمنحون وزناً أكبر لاحتمال عودة جزء من التدفقات النفطية الخليجية إلى الأسواق.
وهبطت العقود الآجلة لخام برنت 1.07 دولار، بما يعادل 1.2 %، إلى 86.77 دولار للبرميل بحلول الساعة 06:45 بتوقيت غرينتش، لتواصل تراجعها للجلسة الرابعة على التوالي. كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط 1.13 دولار، أو 1.4 %، إلى 81.10 دولار، مواصلاً الهبوط لليوم الخامس، قبل أن تشهد الأسعار لاحقاً تقلبات وتعوض جانباً من الخسائر مع إعادة تقييم المستثمرين فرص إعادة فتح المضيق بالكامل.
تحول السوق
يمثل الهبوط تحولاً مهماً في تسعير المخاطر داخل سوق النفط. فبعدما دفعت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واضطرابات الملاحة في الخليج المتعاملين إلى إضافة علاوة جيوسياسية كبيرة إلى الأسعار، أصبح السؤال الآن يتعلق بالسرعة التي يمكن أن تعود بها البراميل المحجوبة إلى السوق إذا نجحت التحركات السياسية الجارية.
وتتركز الأنظار على زيارة رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى طهران، في محاولة لإعادة إطلاق المسار الدبلوماسي بعد نحو ستة أشهر من الصراع. وتأتي الوساطة القطرية بعدما ساهمت الدوحة سابقاً في التوصل إلى وقف إطلاق النار في يونيو، قبل انهياره لاحقاً، فيما تتزامن الزيارة الجديدة مع محادثات إيرانية عُمانية بشأن إدارة الملاحة في هرمز.
ويكتسب أي تقدم أهمية استثنائية بالنسبة إلى سوق الطاقة، لأن المضيق كان قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير ممراً لنحو خمس الإمدادات العالمية اليومية من النفط والغاز الطبيعي المسال. وتشير بيانات حديثة إلى هبوط التدفقات عبره من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الصراع إلى قرابة خمسة ملايين برميل يومياً، وهو ما يوضح حجم الإمدادات التي يمكن نظرياً أن تعود إذا جرى التوصل إلى تسوية تسمح باستئناف الملاحة الطبيعية.
ممر حيوي
ورغم تحسن التوقعات السياسية، لا تقدم حركة السفن حتى الآن دليلاً على عودة الأمور إلى طبيعتها. فقد أظهرت بيانات «كبلر» أن عدد سفن السلع التي أمكن رصدها أثناء عبورها هرمز بلغ عشر سفن الأربعاء، ارتفاعاً من ثماني سفن الثلاثاء، لكنه ظل أقل من المتوسط المتحرك لعشرة أيام البالغ نحو 15 سفينة.
وهذا الفارق بين التفاؤل الدبلوماسي والواقع الفعلي للملاحة يفسر جانباً كبيراً من التقلبات الحادة في الأسعار. فالمتعاملون يخفضون علاوة المخاطر استناداً إلى توقعات المستقبل، بينما لا تزال الإمدادات الحالية مقيدة، ما يعني أن أي تعثر للمحادثات يمكن أن يعيد جزءاً من المكاسب إلى الأسعار بسرعة.
كما أن بعض السفن تعطل أجهزة التعريف والتتبع أثناء الإبحار في المنطقة، ما يجعل قراءة الحجم الحقيقي للتدفقات أكثر صعوبة. وفي اليوم السابق، كانت البيانات الأولية قد أظهرت مرور خمس سفن سلع فقط عبر هرمز، مقارنة بمتوسط عشرة أيام يبلغ نحو 15 سفينة.
تفاهمات مسقط
في موازاة التحرك القطري، تشكل المحادثات بين إيران وعُمان عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه السوق. وأعلنت طهران إحراز تقدم بشأن ترتيبات مرتبطة بالمضيق، وسط حديث عن تفاهمات تتصل بالإدارة والإيرادات، بينما أشارت مصادر إيرانية إلى استمرار العمل على التفاصيل التنفيذية.
لكن التوصل إلى تفاهم بين الدول المطلة على الممر لا يعني بالضرورة عودة فورية وكاملة للصادرات. فالأزمة تتجاوز ترتيبات الملاحة إلى المواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران، بما فيها العقوبات والقيود على الموانئ والتجارة الإيرانية والملف النووي وشروط وقف الحرب.
وتتمسك إيران بأن فتح المضيق مرتبط بتلبية الولايات المتحدة شروطاً مرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، بينما أوقفت واشنطن هجماتها العسكرية منذ نحو شهر واتجهت بدلاً من ذلك إلى تكثيف الضغط الاقتصادي. وبالتالي، فإن السوق أمام مسارين متداخلين: تسوية تقنية وأمنية للملاحة، وتسوية سياسية أوسع للصراع.
علاوة الحرب
ورغم انخفاض الأسعار، لم تختف علاوة المخاطر الجيوسياسية. ويرى محللون أن البرنامج النووي الإيراني يبقى في قلب الخلاف، وأن طهران تدرك القيمة الاستراتيجية لهرمز بوصفه إحدى أقوى أوراق الضغط التي تمتلكها، الأمر الذي يجعل استبعاد سيناريو عودة التوتر أمراً مبكراً.
وتؤكد تجربة الأشهر الستة الماضية حجم أثر الحرب في سوق الطاقة. فقد بلغ متوسط سعر برنت نحو 90 دولاراً للبرميل خلال 2026، مقابل نحو 70 دولاراً في 2025، فيما امتدت تداعيات اضطراب إمدادات الخليج إلى الديزل ووقود الطائرات والأسمدة وتكاليف النقل والتضخم العالمي
ومن هنا، فإن هبوط النفط الحالي لا يعكس انتهاء أزمة الإمدادات بقدر ما يعكس انخفاض احتمال السيناريو الأكثر تشدداً الذي كان يفترض استمرار إغلاق هرمز لفترة طويلة.
بدائل التصدير
ودفعت الأزمة المنتجين الخليجيين إلى تعزيز الاعتماد على طرق التصدير التي لا تمر عبر المضيق. وفي السعودية، عرضت أرامكو كميات إضافية من النفط للتحميل في سبتمبر من مواقع خارج هرمز، بعدما باعت ما لا يقل عن أربعة ملايين برميل إلى الصين خلال أغسطس عبر ترتيبات مماثلة.
وتكتسب هذه البدائل أهمية استراتيجية لأنها تخفف جزئياً من حساسية الصادرات الخليجية تجاه الممر، لكنها لا تستطيع تعويض كامل الطاقة التي تمر عبره في الظروف الطبيعية. ولهذا تظل استعادة الملاحة الطبيعية العامل الأكثر قدرة على إحداث تغيير جوهري في توازن السوق والأسعار.
وفي الوقت نفسه، أعادت الحرب رسم بعض ملامح النفوذ داخل سوق النفط. فقد تراجعت حصة «أوبك+» من الإنتاج العالمي من أكثر من 48 % قبل الصراع إلى نحو 40 % في يوليو، وسط اضطرابات الإنتاج والبنية التحتية وتغيرات داخل التحالف، في حين برزت الصين بصورة أكبر كعامل مؤثر في جانب الطلب.
المخزون الأميركي
على الجانب الآخر من معادلة الأسعار، جاءت بيانات المخزونات الأميركية لتقدم دعماً جزئياً للنفط. وأظهرت إدارة معلومات الطاقة أن مخزونات المقطرات، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، انخفضت 2.2 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس إلى 103.4 مليون برميل.
كما عملت المصافي الأميركيـة عند 97.4 % من طاقتها التشغيلية خلال الأسبوع، وبلغ متوسط مدخلات الخام إليها نحو 17.4 مليون برميل يومياً، بينما بلغ إنتاج البنزين 9.8 مليون برميل يومياً، وتراجع إنتاج المقطرات إلى نحو 5.1 مليون برميل يومياً.
وتبرز نقطة إضافية في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، إذ انخفض إلى 289.726 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس، مقارنة بنحو 293.426 مليوناً قبل أسبوع و311.447 مليون برميل في 17 يوليو، ما يعني تراجعه بأكثر من 21 مليون برميل خلال خمسة أسابيع.
ويجعل انخفاض الاحتياطي الاستراتيجي استمرار الاعتماد على السحب منه لموازنة اضطرابات السوق خياراً أكثر حساسية، خصوصاً إذا طال أمد الأزمة أو عادت أسعار الخام إلى الارتفاع بقوة.