تآكل الدولار يعيد رسم رهانات المستثمرين
عاد مصطلح «رهان تآكل العملة» أو Debasement Trade بقوة إلى الأسواق العالمية، مدفوعاً بتزايد القلق من الدين الأميركي والعجز المالي وارتفاع تكلفة الاقتراض، وسط توجه المستثمرين نحو الذهب وبيتكوين وأصول أخرى يرون أنها توفر حماية من تراجع القوة الشرائية للدولار على المدى الطويل.
ويستحضر المصطلح تجربة تاريخية تعود إلى إنجلترا في القرن السابع عشر، عندما كان الأفراد يقصون حواف العملات الفضية ويعيدون القطع الأخف إلى التداول. وبحلول تسعينيات ذلك القرن، كانت بعض التقديرات تشير إلى فقدان العملات نحو نصف محتواها المعدني، ما دفع الدولة في 1696 إلى عملية إعادة سك واسعة تزامنت مع تولي إسحاق نيوتن مسؤوليات في دار السك الملكية.
المشكلة آنذاك لم تكن اختفاء اسم العملة، وإنما اتساع الفارق بين القيمة التي تعد بها الدولة والقيمة الحقيقية التي يتوقع حاملها الحصول عليها. وبعد أكثر من ثلاثة قرون، عاد السؤال نفسه بصيغة مختلفة: ما الأصل الذي ينبغي امتلاكه إذا تراجعت الثقة في قدرة النقود على الاحتفاظ بقوتها الشرائية؟
رهان التآكل
لا يعني «رهان تآكل العملة» بيع الدولار بالكامل، بل إعادة بناء المحافظ لتقليل الاعتماد على الأصول الاسمية مثل السندات والودائع، عندما يتوقع المستثمر أن تتعامل الحكومات مع أعباء الدين المرتفعة من خلال تضخم أعلى أو أسعار فائدة حقيقية أقل أو تدخلات تحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.
في المقابل، تتحرك الأموال نحو أصول يصعب زيادة معروضها بسرعة، وفي مقدمتها الذهب، وإلى حد ما بيتكوين، إضافة إلى الأصول الحقيقية وأسهم الشركات التي تمتلك قدرة على رفع أسعار منتجاتها في بيئة تضخمية.
وجاءت أحدث دفعة لهذا الرهان من سوق سندات الخزانة الأميركية. ففي 19 أغسطس، أعلنت وزارة الخزانة رفع الحد الأقصى لبعض عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى أربعة مليارات دولار للعملية، أي أكثر من ضعف المستوى السابق، على أن يبدأ التوسع في سبتمبر.
وقالت الوزارة إن الهدف هو دعم السيولة في الأجزاء طويلة الأجل من السوق، لكن التوقيت أثار حساسيــة المستثمرين، إذ جـاء بعدما وصل عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.34 %، وهو أعلى مستوى منذ 2007.
وكان رد فعل الأسواق سريعاً، إذ انخفضت العوائد طويلة الأجل بنحو عشر نقاط أساس يوم الإعلان، بينما تراجع مؤشر الدولار 0.85 % وقفز الذهب الفوري 4 %. لكن عائد الثلاثين عاماً عاد في اليوم التالي إلى قرابة 5.24 %، ما كشف محدودية أثر التدخل.
هيمنة متآكلة
ليست المخاوف المتعلقة بالدولار وليدة اضطرابات أغسطس. فقد شهدت تركيبة الاحتياطيات العالمية تحولاً تدريجياً على مدى ربع قرن، إذ انخفضت حصة العملة الأميركية من نحو 72 % في 2001 إلى قرابة 57 % حالياً.
ووجد صندوق النقد الدولي في بحث نشره عام 2022 أن هذا الانخفاض لا يمكن تفسيره بالكامل بتغير أسعار الصرف أو تركيبة الدول التي تقدم بيانات احتياطياتها، وإنما يعكس أيضاً تنويعاً فعلياً نحو عملات أخرى.
لكن الحديث عن انهيار هيمنة الدولار لا تدعمه البيانات حتى الآن. ففي الربع الأول من 2026، ارتفعت حصة العملة الأميركية من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية إلى 57.13 %، مقارنة بـ56.42 % في الربع السابق.
كما يظل الدولار محورياً في تداول العملات والاقتراض الدولي والفوترة التجارية والمدفوعات العالمية. وبالتالي، فإن ما يحدث أقرب إلى تنويع تدريجي عند أطراف النظام المالي وليس انتقالاً سريعاً إلى نظام عالمي غير دولاري.
وتكمن المفارقة في أن المكانة العالمية للدولار نفسها تتطلب من الولايات المتحدة توفير كميات هائلة من الأصول الآمنة والسيولة للعالم. ويعيد ذلك إلى الواجهة «معضلة تريفين»: فكلما احتاج الاقتصاد العالمي إلى مزيد من الأصول الدولارية، اضطرت الولايات المتحدة إلى إصدار المزيد من الالتزامات، لكن تراكم هذه الالتزامات يمكن أن يثير مستقبلاً القلق بشأن قيمة الاحتفاظ بها.
ثقة مختلفة
لذلك لا يكفي ارتفاع الذهب وبيتكوين لإثبات وجود هروب عالمي من الدولار. فقد تعكس مكاسبهما مزيجاً من التحوط ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية وتنويع المحافظ والمضاربة، وليس بالضرورة انهياراً في الثقة بالنظام النقدي الأميركي.
ولكي يحدث تحول جوهري، يجب أن يفقد الدولار في الوقت نفسه أجزاء كبيرة من دوره في الاحتياطيات والتمويل والتجارة والمدفوعات وأسواق الصرف، وهو أمر لم تظهره البيانات.
لكن التغير الأكثر أهمية قد يكون داخل سوق الدولار نفسها. فالمستثمر يمكن أن يظل راغباً في استخدام العملة الأميركية للمدفوعات والتجارة، لكنه يصبح أقل استعداداً لشراء سند حكومي ثابت العائد لمدة ثلاثين عاماً إذا اعتقد أن التضخم والعجز سيقللان قيمته الحقيقية.
الدولار باقٍ لكن الثقة أغلى
يختلف الدولار اليوم جذرياً عن العملات الإنجليزية المقصوصة في القرن السابع عشر؛ فالمشكلة ليست نقص المعدن داخل العملة، وإنما ارتفاع السعر الذي يطلبه المستثمر مقابل الثقة بوعد مالي طويل الأجل. ولهذا لا يعني «رهان تآكل العملة» بالضرورة نهاية هيمنة الدولار، بل إعادة تقييم تكلفة الاحتفاظ بالأصول المقومة به في عالم تتضخم فيه الديون. وإذا استمر العجز وارتفعت العوائد وتوسعت تدخلات الخزانة، فقد تبقى التدفقات نحو الذهب وبيتكوين قوية. والمفارقة أن الدولار يمكن أن يظل العملة الأكثر أهمية عالمياً، بينما يصبح المستثمرون في الوقت نفسه أكثر حرصاً على امتلاك أصول تحميهم من احتمال تراجع قيمته الحقيقية مستقبلاً.