الذكاء الاصطناعي يخفض أسعاره 80 % للمنافسة
دخلت صناعة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من المنافسة، بعدما تحولت الأسعار إلى ساحة رئيسية للصراع بين الشركات الأمريكية الكبرى والمطورين الصينيين. وطرحت شركات أمريكية رائدة، بينها «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، نماذج أقل تكلفة في محاولة للاحتفاظ بالعملاء الذين أصبحوا أكثر حساسية تجاه فواتير استخدام الذكاء الاصطناعي المتزايدة.
وتأتي التخفيضات بعدما دفعت كلفة تشغيل النماذج بعض الشركات إلى تقليص استخدامها أو فرض قيود على الموظفين، فيما بدأت أخرى اختبار بدائل صينية أرخص. وسمح ذلك لمطورين مثل «مونشوت» و«ديب سيك» بتحقيق انتشار متزايد بين المستخدمين من وادي السيليكون إلى أوروبا، مع تقلص الفجوة في الأداء بين النماذج الصينية ونظيراتها الأمريكية.
خصم كبير
وخفضت «أوبن إيه آي» أخيراً أسعار نموذج «جي بي تي – 5.6 لونا»، الذي تصفه بأنه أسرع نماذجها وأكثرها توفيراً، بنسبة تصل إلى 80 %. وانخفض سعر معالجة مليون «توكن» من بيانات الإدخال من دولار واحد إلى 0.20 دولار، بينما هبط سعر مليون «توكن» في المخرجات من 6 دولارات إلى 1.20 دولار.
وفي الاتجاه نفسه، أطلقت «أنثروبيك» نموذج «كلود أوبوس 5»، وروجت له باعتباره يقدم «ذكاءً متقدماً» بنصف سعر نموذج «فايبل 5» الأقوى لدى الشركة. وحددت سعره عند 5 دولارات لكل مليون «توكن» إدخال و25 دولاراً لكل مليون «توكن» إخراج.
كما ألغت «أنثروبيك» زيادة كانت مقررة على سعر نموذج «سونت 5» اعتباراً من سبتمبر، في خطوة تعكس حساسية متزايدة تجاه الأسعار، خصوصاً في الفئات المتوسطة التي تواجه أقوى منافسة من النماذج الصينية.
فواتير أقل
وبدأت التخفيضات تنعكس بالفعل على إنفاق العملاء. فبحسب مؤشر الـ«توكنز» من «سيليكون داتا»، ساعدت تحركات «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» على خفض فواتير العملاء بنحو الربع تقريباً منذ منتصف يوليو.
وتكتسب تكلفة الـ«توكنز» أهمية كبيرة لأنها تمثل الوحدات التي تستخدمها شركات الذكاء الاصطناعي لقياس كمية البيانات التي تعالجها النماذج. وتُحتسب الفاتورة عادة بناءً على عدد الوحدات التي يدخلها المستخدم إلى النموذج، إلى جانب عدد الوحدات التي يولدها النموذج في إجابته.
وتشير التخفيضات إلى تحول مهم في استراتيجية شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية التي طورت نماذج «مغلقة» وركزت خلال السنوات الماضية بصورة كبيرة على التنافس في الأداء والقدرات. لكن ارتفاع كلفة الاستخدام وتطور البدائل الصينية جعلا السعر عاملاً أكثر تأثيراً في قرارات العملاء.
ضغط صيني
ويأتي التحدي الأكبر من النماذج الصينية «المفتوحة» التي يستطيع المطورون تنزيلها وتعديلها، والتي أصبحت تقدم قدرات متزايدة بأسعار أقل. وأطلقت المختبرات الصينية موجة من النماذج الجديدة التي قلصت فجوة الأداء مع النماذج الأمريكية الرائدة، ما زاد المخاوف في قطاع التكنولوجيا الأمريكي من فقدان جزء من العملاء.
وتزداد أهمية هذه المنافسة لأن الشركات الأمريكية تنفق مبالغ ضخمة على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية اللازمة لتدريب وتشغيل نماذجها، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى إثبات قدرتها على تحقيق عوائد من هذه الاستثمارات.
وتستعد «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» لطرح أسهمهما للاكتتاب العام الأولي بتقييمات قد تصل إلى تريليونات الدولارات، ما يجعل قدرتيهما على تحقيق النمو والربحية موضع اهتمام المستثمرين. وفي ظل هذه المعادلة، تصبح تخفيضات الأسعار اختباراً لقدرة الشركات على جذب العملاء من دون الإضرار باقتصاديات أعمالها.
مقارنة معقدة
ومع ذلك، لا توفر الأسعار المعلنة مقارنة مباشرة وبسيطة بين نماذج الذكاء الاصطناعي. فالنموذج الأكثر قدرة قد يستطيع إنجاز المهمة باستخدام عدد أقل من الـ«توكنز» أو المحاولات، ما يعني أن نموذجاً يبدو أعلى سعراً عند النظر إلى تكلفة الوحدة قد يكون أقل تكلفة عند حساب المهمة كاملة. كما يمكن لمعظم النماذج العمل وفق مستويات مختلفة من القدرة الحاسوبية أو «جهد التفكير»، بحيث يستخدم النموذج موارد أكبر للوصول إلى إجابة أفضل في المسائل المعقدة. وكلما ارتفع مستوى الجهد، يمكن أن يتحسن الأداء، لكن التكلفة قد ترتفع أيضاً.
وبالتالي، فإن المنافسة بين الشركات لا يمكن قياسها فقط بسعر مليون «توكن». فالعملاء، خصوصاً الشركات الكبرى، يهتمون أيضاً بالدقة والسرعة وعدد المحاولات المطلوبة لإنجاز المهمة ومدى قدرة النموذج على التعامل مع البرمجة والرياضيات والاستدلال والمهام المعقدة.
تقارب الأداء
وتظهر الاختبارات المستقلة أن الفجوة بين بعض النماذج الأمريكية والصينية أصبحت أضيق. ووجدت «أرتيفيشال أناليسيس»، التي تقارن أداء النماذج في مجالات تشمل الرياضيات والعلوم والبرمجة والاستدلال، أن «أوبوس 5» من «أنثروبيك» عند استخدام قدرة حاسوبية متوسطة قدم مزيجاً من الأداء والتكلفة قريباً من نموذج «كيمي K3» التابع لـ«مونشوت» عند تشغيله بالمستوى الأقصى.
أما «جي بي تي – 5.6 لونا» من «أوبن إيه آي» عند مستوى الجهد الأقصى، فحقق أداءً مشابهاً لنموذج «ديب سيك V4 فلاش» عند المستوى نفسه، إلا أن المقارنة أظهرت استمرار اختلافات مهمة في التكلفة.
وتوضح هذه النتائج سبب تزايد الضغوط على المختبرات الأمريكية. فكلما اقتربت النماذج الصينية من مستويات الأداء الأمريكية، أصبحت التكلفة عاملاً أكثر أهمية في قرار الشركات التي تستخدم ملايين أو مليارات الـ«توكنز» بصورة منتظمة.
دفاع أمريكي
في المقابل، تحاول الشركات الأمريكية التأكيد أن التخفيضات لا تمثل بالضرورة رداً مباشراً على المنافسين الصينيين. وقال شخص مطلع على «أنثروبيك» إن تسعير «أوبوس 5» بأقل من نموذجها الرائد «فايبل 5» يأتي ضمن الطريقة التي تبني بها الشركة «عائلة نماذجها»، وليس مرتبطاً بالمنافسين.
لكن اتجاه السوق يكشف بوضوح عن زيادة حساسية العملاء تجاه الأسعار. فمع توافر نماذج متعددة تستطيع تنفيذ المهام نفسها بدرجات متفاوتة من الجودة، أصبح الانتقال من مزود إلى آخر أسهل، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات التي تبني أنظمتها بطريقة تسمح باستخدام أكثر من نموذج.
وقد يدفع ذلك المختبرات إلى تقديم مجموعة أوسع من الخيارات، تبدأ بنماذج منخفضة التكلفة للمهام اليومية والكثيفة، وتصل إلى نماذج فائقة القدرات تستخدم في المشكلات الأكثر تعقيداً والأعلى قيمة.
حدود التخفيض
ورغم حرب الأسعار، لا تزال الشركات الأمريكية حريصة على حماية أسعار نماذجها الأكثر تطوراً. وقال مانتاس لوكوسكاس، المسؤول التقني عن الذكاء الاصطناعي في شركة «هوستنجر» لاستضافة المواقع، إن أسعار أفضل النماذج تراوح بين الاستقرار والارتفاع.
ويرى أن التغييرات الأخيرة تمثل «أول اختبار حقيقي» لمعرفة ما إذا كانت مجموعات مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» تستطيع الاستمرار في تقديم نماذج متقدمة بهذه الأسعار، في ظل التكلفة الكبيرة للحوسبة وتطوير البنية التحتية.
الأسعار تعيد رسم خريطة المنافسة
تدخل صناعة الذكاء الاصطناعي بذلك مرحلة يصبح فيها السعر إلى جانب الأداء عاملاً حاسماً في تحديد الفائزين. فتراجع تكلفة «جي بي تي – 5.6 لونا» بنسبة 80 %، وانخفاض فواتير العملاء بنحو الربع منذ منتصف يوليو، يعكسان تحولاً واضحاً في السوق. ومع تقدم النماذج الصينية منخفضة التكلفة، ستواجه الشركات الأمريكية معادلة صعبة: خفض الأسعار بما يكفي للاحتفاظ بالعملاء، مع حماية هوامشها وتمويل الإنفاق الضخم المطلوب لتطوير الجيل المقبل من النماذج. وقد يحدد نجاحها في تحقيق هذا التوازن شكل المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.