الذهب يتجاوز 4525 دولاراً للأونصة مرتفعاً 1%
عادت أسعار الذهب إلى الارتفاع خلال تعاملات الثلاثاء، متجاوزة مستوى 4525 دولاراً للأونصة، في ظل استمرار حالة الضبابية التي تسيطر على الأسواق العالمية نتيجة تطورات الحرب في الشرق الأوسط وتضارب التصريحات السياسية المرتبطة بمسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاء هذا الصعود بعد جلسة شهدت ضغوطاً بيعية قوية على المعدن النفيس، حيث تمكن الذهب من تعويض معظم خسائره السابقة مستفيداً من عودة الطلب الاستثماري على الأصول الدفاعية، في وقت يواصل فيه المستثمرون تقييم التداعيات المحتملة للأزمة الجيوسياسية على أسواق الطاقة والتضخم والسياسات النقدية العالمية.
ويمثل أداء الذهب خلال الفترة الحالية انعكاساً مباشراً للتوازن الدقيق بين عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في استمرار المخاطر الجيوسياسية التي تدعم جاذبية الملاذات الآمنة، والثاني يرتبط بتوقعات أسعار الفائدة الأميركية التي تحدد اتجاهات السيولة العالمية وتؤثر بشكل مباشر على جاذبية المعدن الأصفر.
ارتفاع ملحوظ
ارتفع الذهب الفوري بنحو 0.8 % ليصل إلى 4520.83 دولاراً للأونصة، بعدما لامس خلال التداولات مستويات تجاوزت 4525 دولاراً للأونصة، في حين سجلت الفضة مكاسب أقوى بلغت نحو 2 % لترتفع إلى 76.51 دولار للأونصة.
كما شهدت أسواق المعادن النفيسة الأخرى أداءً إيجابياً، حيث حقق كل من البلاتين والبلاديوم مكاسب إضافية، مستفيدين من تراجع الدولار الأميركي وعودة بعض المستثمرين إلى بناء مراكز شرائية جديدة.
ويشير محللون إلى أن تجاوز الذهب حاجز 4500 دولار مجدداً يعكس استمرار قوة الطلب الاستثماري رغم الضغوط التي تعرض لها المعدن خلال الأشهر الأخيرة، خاصة مع بقاء العديد من عوامل عدم اليقين دون حلول واضحة.
ضبابية سياسية
لا تزال التطورات السياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط تمثل العامل الأكثر تأثيراً على حركة الذهب خلال المرحلة الحالية.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الولايات المتحدة استمرار المحادثات الدبلوماسية بوتيرة سريعة، صدرت من الجانب الإيراني إشارات أكثر تشدداً شملت التهديد بتعليق الاتصالات السياسية وإغلاق مضيق هرمز بصورة كاملة.
وأدى هذا التباين في المواقف إلى تعزيز حالة الترقب داخل الأسواق المالية، إذ يحاول المستثمرون تقييم احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية من جهة، أو تصاعد التوترات العسكرية من جهة أخرى.
ويعد الذهب من أكثر الأصول حساسية لهذه التطورات، حيث يتجه المستثمرون عادة إلى زيادة حيازاتهم من المعدن النفيس عندما ترتفع مستويات المخاطر السياسية أو الأمنية.
النفط والتضخم
العلاقة بين الذهب والنفط أصبحت أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، إذ بات المستثمرون يربطون بين تحركات أسعار الطاقة والتوقعات المستقبلية للتضخم العالمي.
فعندما ترتفع أسعار النفط بصورة حادة تزداد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وفي المقابل، فإن تراجع النفط يساهم في تهدئة توقعات التضخم ويمنح صناع السياسات النقدية مساحة أكبر للنظر في تخفيف التشدد النقدي مستقبلاً.
وخلال تعاملات الثلاثاء، تراجعت أسعار النفط بصورة محدودة بعد المكاسب الكبيرة التي حققتها في الجلسة السابقة، ما وفر دعماً إضافياً للذهب وساعده على استعادة جزء من خسائره الأخيرة.
أداء الحرب
رغم أن الذهب يعد تاريخياً أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات الحروب والأزمات، فإن أداءه خلال الأزمة الحالية جاء مختلفاً نسبياً عن التوقعات التقليدية.
فمنذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي تراجع المعدن النفيس بصورة ملحوظة، ولا يزال منخفضاً بنحو 14 % مقارنة بمستوياته التي كان يتداول عندها قبل بداية الأزمة.
ويعود ذلك إلى أن الأسواق ركزت بصورة أكبر على التداعيات التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، ما عزز توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو عامل سلبي بالنسبة للذهب.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الأميركية خلال فترات معينة دفع جزءاً من المستثمرين إلى تفضيل أدوات الدخل الثابت على حساب المعدن الأصفر الذي لا يحقق عائداً دورياً.
رهان الفائدة
تبقى السياسة النقدية الأميركية العامل الأكثر أهمية في تحديد الاتجاه المتوسط والطويل الأجل للذهب.
فالمعدن النفيس يتأثر بصورة مباشرة بتوقعات أسعار الفائدة، إذ إن ارتفاع تكاليف الاقتراض يزيد من جاذبية السندات والأصول المدرة للعائد، بينما يؤدي خفض الفائدة إلى تعزيز جاذبية الذهب.
وكانت الأسواق تراهن خلال الأشهر الماضية على إمكانية بدء دورة تيسير نقدي تدريجية من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلا أن البيانات الاقتصادية الأخيرة أعادت بعض الشكوك بشأن هذا السيناريو.
قوة الاقتصاد الأميركي
أظهرت البيانات الأخيرة أن النشاط الصناعي الأميركي سجل خلال مايو أسرع وتيرة نمو منذ نحو أربع سنوات، محققاً خامس شهر متتالٍ من التوسع.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار متانة الاقتصاد الأميركي رغم مستويات الفائدة المرتفعة، وهو ما قد يقلل حاجة الاحتياطي الفيدرالي إلى الإسراع في خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وبالنسبة للذهب، فإن استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول يمثل عاملاً ضاغطاً على الأسعار، لأنه يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالمعدن مقارنة بالأصول الأخرى التي توفر عائداً مباشراً للمستثمرين.
الدولار وعوائد السندات
استفاد الذهب أيضاً من تراجع مؤشر الدولار الأميركي بصورة طفيفة خلال تعاملات الثلاثاء، حيث انخفض المؤشر بنحو 0.1 %.
ويعد ضعف الدولار عاملاً إيجابياً بالنسبة للذهب لأنه يجعل المعدن أقل تكلفة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، ما يعزز الطلب العالمي عليه.
كما تراقب الأسواق عن كثب تحركات عوائد السندات الأميركية، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه في توجيه تدفقات رؤوس الأموال بين الأصول المختلفة.
وأي انخفاض في العوائد الحقيقية قد يوفر دعماً إضافياً للذهب خلال الأشهر المقبلة، في حين أن استمرار ارتفاعها قد يحد من قدرة المعدن على تحقيق مكاسب كبيرة.
مستقبل الأسعار
يرى عدد من المحللين أن مستقبل الذهب سيظل مرتبطاً بصورة أساسية بمسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بالتطورات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، والثاني يتصل بمسار السياسة النقدية الأميركية.
فإذا شهدت المنطقة تهدئة حقيقية واستؤنفت حركة التجارة والطاقة بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز، فقد تتراجع المخاوف التضخمية وتنخفض الحاجة إلى الاحتفاظ بالذهب كأداة تحوط.
أما إذا استمرت التوترات الحالية أو تصاعدت بشكل أكبر، فقد يعود المستثمرون إلى تعزيز مراكزهم في المعدن النفيس بحثاً عن الأمان.
وفي الوقت نفسه، فإن أي إشارات جديدة من الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة ستكون عاملاً حاسماً في تحديد الاتجاه القادم للأسعار، خاصة أن الأسواق لا تزال تحاول الموازنة بين قوة الاقتصاد الأميركي ومخاطر التباطؤ العالمي.
نطاق محدود
في ضوء المعطيات الحالية، يتوقع العديد من خبراء المعادن الثمينة استمرار تداول الذهب ضمن نطاق سعري محدود خلال المدى القريب، مع بقاء الأسعار رهينة الأخبار السياسية والاقتصادية المتلاحقة.
ورغم نجاح المعدن الأصفر في استعادة مستوى 4525 دولاراً للأونصة، فإن استمرار المكاسب يتطلب ظهور محفزات جديدة سواء من جانب التوترات الجيوسياسية أو من خلال تغير توقعات أسعار الفائدة.
وبين هذين العاملين، يبدو أن الذهب سيواصل أداءه المتقلب خلال المرحلة المقبلة، محافظاً على موقعه كأحد أهم المؤشرات التي تعكس حالة القلق وعدم اليقين في الاقتصاد العالمي والأسواق المالية الدولية.