الذهب يخسر للجلسة الرابعة.. والأوقية عند 4116 دولاراً
واصل الذهب تراجعه للجلسة الرابعة على التوالي خلال تعاملات الأربعاء، بعدما تحولت الارتفاعات المتجددة في أسعار النفط إلى مصدر ضغط على المعدن النفيس، وسط مخاوف من استمرار التضخم الأميركي وتأجيل فرص تخفيف السياسة النقدية. وفي مفارقة لافتة، لم تنجح التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في دعم أسعار الذهب، إذ طغت توقعات أسعار الفائدة المرتفعة على الطلب التقليدي على المعدن بوصفه ملاذاً آمناً، بينما يترقب المستثمرون اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأسبوع المقبل بحثاً عن إشارات تحدد اتجاه الأسواق.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.2 % إلى 4115.96 دولار للأوقية بحلول الساعة 07:17 بتوقيت غرينتش، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر بنسبة مماثلة إلى 4133.60 دولار. ويعكس استمرار الخسائر حساسية المعدن للتغيرات في توقعات السياسة النقدية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط بأكثر من دولار للبرميل نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط، ما يزيد احتمالات استمرار الضغوط التضخمية ويضع البنك المركزي الأميركي أمام خيارات أكثر تعقيداً.
النفط يضغط
أدى صعود أسعار الخام إلى إعادة المخاوف التضخمية إلى صدارة اهتمامات المستثمرين، بعدما أثارت التطورات الأمنية في الشرق الأوسط تساؤلات بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية. ويشكل ارتفاع النفط عاملاً مؤثراً في تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، ما قد ينعكس تدريجياً على أسعار السلع ويزيد صعوبة إعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة.
وقال باس كويمان، الرئيس التنفيذي ومدير الأصول في شركة «دي إتش إف كابيتال»، إن الذهب قد يظل تحت الضغط مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع، نظراً إلى أن استمرار الضغوط التضخمية يعزز توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية.
وتبرز هنا مفارقة اقتصادية مهمة، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع النفط الناجم عن التوترات الجيوسياسية إلى دعم الذهب من خلال زيادة الطلب على الأصول الآمنة، لكنه قد يضغط عليه في الوقت نفسه إذا دفع المستثمرين إلى توقع أسعار فائدة أعلى لفترة أطول.
وفي التعاملات الحالية، يبدو أن العامل النقدي أكثر تأثيراً من المخاطر الجيوسياسية، خصوصاً مع تركيز الأسواق على قرارات مجلس الاحتياطي الاتحادي المقبلة. كما أن استمرار أسعار الطاقة المرتفعة قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن التضخم والعوائد على السندات الأميركية، وهي متغيرات تؤثر مباشرة في جاذبية الاحتفاظ بالذهب.
ويزيد استقرار مؤشر الدولار بعد خسائره الأخيرة من الضغوط على المعدن، إذ يحد من الدعم الذي قد يوفره ضعف العملة الأميركية للطلب العالمي على الذهب المسعر بالدولار.
رهانات الفائدة
تتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي المقرر يومي 27 و28 أكتوبر، وسط توقعات واسعة بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع، مع استمرار احتمالات تشديد السياسة النقدية قبل نهاية العام.
وبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، بلغت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر نحو 15 % فقط، بينما يرى المتعاملون احتمالاً بنسبة 90 % لزيادتها خلال ديسمبر، ما يعكس توقعات باستمرار الضغوط التضخمية رغم حذر صناع السياسة النقدية.
وأظهر استطلاع أجرته «رويترز» أن غالبية الاقتصاديين يتوقعون تثبيت الفائدة هذا الشهر، قبل رفعها في ديسمبر، في ظل استمرار التضخم عند مستويات تستدعي الحذر. وتؤثر أسعار الفائدة المرتفعة سلباً في جاذبية الذهب، لأنه أصل لا يدر عائداً دورياً، بينما تصبح السندات والودائع أكثر قدرة على جذب الأموال عندما ترتفع العوائد.
وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في «تيستي لايف»، إن تراجع توقعات زيادات الفائدة المقررة للعام المقبل، أو انخفاض احتمالات تنفيذها، قد يمنح الذهب فرصة للصعود مجدداً.
وتنتظر الأسواق كذلك صدور بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية الأسبوع المقبل، باعتبارها المقياس المفضل لدى الاحتياطي الاتحادي لمتابعة التضخم مقارنة بهدفه البالغ 2 %.
ومن شأن أي قراءة تتجاوز التوقعات أن تعزز احتمالات استمرار التشديد النقدي، بينما قد يؤدي تباطؤ التضخم إلى تخفيف الضغوط على المعدن الأصفر.
خسائر المعادن
لم تقتصر موجة التراجع على الذهب، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة، في مؤشر إلى اتساع الضغوط التي تواجه القطاع مع ارتفاع توقعات الفائدة واستقرار الدولار.
وانخفضت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.4 % إلى 57.18 دولار للأوقية، فيما تراجع البلاتين بنسبة 1.3 % إلى 1627.35 دولار، وهبط البلاديوم بنسبة 1.6 % إلى 1084.95 دولار.
وتكشف هذه الخسائر عن تباين واضح في حدة التراجع، إذ سجلت المعادن الأخرى انخفاضات أكبر من الذهب، ما يعكس اختلاف طبيعة الطلب عليها وحساسيتها للتوقعات الاقتصادية والصناعية.
فالفضة والبلاتين والبلاديوم ترتبط بدرجات متفاوتة بالاستخدامات الصناعية، إلى جانب دورها الاستثماري، ما يجعل أسعارها أكثر تأثراً بالتغيرات في توقعات النشاط الاقتصادي العالمي.
كما أن استمرار المخاوف بشأن التضخم وتكاليف التمويل قد يضغط على الطلب الاستثماري والصناعي في الوقت نفسه، خصوصاً إذا أدت السياسة النقدية المتشددة إلى تباطؤ النمو.
ومع ذلك، تبقى اتجاهات المعادن مرهونة بتطورات العرض والطلب الخاصة بكل سوق، ولا يمكن افتراض استمرار تحركها بالوتيرة نفسها.
الذهب أمام اختبار الفائدة
تكشف خسائر الذهب المتواصلة أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية الأميركية من تأثير التوترات الجيوسياسية المباشر، بعدما أعاد ارتفاع النفط المخاوف بشأن التضخم إلى الواجهة.
وبين تداول الأوقية قرب 4116 دولاراً وترجيح الأسواق بنسبة 90 % رفع الفائدة في ديسمبر، تبدو حركة المعدن الأصفر مرتبطة بنتائج اجتماع الاحتياطي الاتحادي وبيانات التضخم المقبلة.